جريدة الجرائد

أطفال لا تشغلهم ألعاب ولا رسوم متحركة عن «لبيك اللهم لبيك»

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تحملوا مشاق الحج وخرجوا بـ"حجة" و"تجارب"

جدة - علي مطير

أطفال صغار، لم تشغلهم مشاهدة الرسوم المتحركة في القنوات الفضائية، أو التمتع بالملاهي والمراجيح في العيد، عن ذكر "لبيك اللهم لبيك"، وهم يصعدون أكتاف ذويهم في عرفة ومنى، ويقلدون أقاربهم، في أداء المناسك، ورمي الجمرات الثلاث، ويتحللون من النسك بعد صبر وثبات من لحظة الاحرام وحتى يوم النحر.

المشهد الموسمي لمئات الاطفال، وهم يشاركون في أداء النسك، لايزال هو الاكثر إغراء لعدسات المصورين المحليين والعالميين، خاصة أن حجم الصعوبات التي يلاقيها الأطفال في التنقل مع أهاليهم في المشاعر المقدسة، تخلق صورا مثيرة لفلاشات المصورين، وتتناقلها وكالات الأنباء والصحف في العالم.

وتقف أسباب مختلفة وراء اصطحاب الأطفال إلى موسم الحج، الذي يعتبر أكبر امتحان سنوي لخطورة الإصابة بالأمراض المعدية والوبائية، بسبب حجم الوجود البشري من الحجيج في رقعة واحدة، إذ اضطر السيد محمد، وهو حاج مصري، لاصطحاب طفليه معه، بعد وفاة زوجته الشهر الماضي. يقول: فرحتي بأبنائي وهم يرددون خلفي الدعاء لوالدتهم في يوم عرفة، كان ذلك أثمن عندي من كنوز الأرض، يومها كنت أسير على سيل من التهليل والتسبيح. ويتابع السيد، كان صعبا عليّ أن أتركهما بجوار أهلي.. دموعهما الحارة كانت أصعب من أوزانهم على كتفي وأنا أحملهما طوال أيام الحج.

في الوقت الذي يفضل فيه حجاج آخرون، اصطحاب صغارهم، لتعويدهم على الحج، والقدرة على التحمل، وهي أمور يرونها ضرورية في أعمارهم الصغيرة، خاصة في زمن أصبح الترفيه فيه يأتي عبر جهاز التحكم (الريموت كونترول) ووسط ثقافة سريعة في كل شيء. حيث وجدها الحاج أبو ريان، وهو سعودي قادم من أقصى الجنوب الغربي لبلاده، يقول: "هي الحجة الخامسة لي، وطوال الاعوام الماضية كنت اصطحب أطفالي معي ومنهم من كبر الان وأصبح أبا". مضيفا وهو يتأمل جمجمة رأس ابنه الحليقة تماما، "هم يعودون تماما كرأس خالية من الشعر، ولكن الفرق في العادات التي يتركونها خلفهم قبل الحج والتي يعودون بها من الحج.. الصعوبات التي يواجهونها في هذه السن تجعلهم رجالا في المستقبل".

وتقارن هويدا، وهي طالبة جامعية الان، كانت أدت مناسك الحج، وهي في السادسة من عمرها، بين الماضي والحاضر على مستوى التسهيلات، تعبر ببساطة قائلة، إن الوضع الحالي هو أكثر سهولة ويسرا لاصطحاب الأطفال للحج، وهو ما تراه أمرا جميلا عطفا على ذكرياتها الجميلة. تقول هويدا: كنت أشعر بمتعة غريبة وأنا أعتلي أكتاف أهلي لأرمي الشيطان.. كنت أشعر لحظتها بلذة الانتصار. وتضيف هويدا، في لحظات كان الأمر يبدو لي كلعبة حركية، ولكن عندما كان يستبد بي التعب والجوع كنت أجهش بالبكاء.. لا تزال ذكريات الحج تشعل قناديلها في روحي كلما شاهدت الحجيج، خاصة الاطفال في أيام رمي الجمرات.

وبرز الاهتمام بالاطفال في الحج، لافتا من خلال حرص مؤسسات النسيج على تصنيع إحرامات خاصة بالصغار، عكس ما كان يحدث في السابق من تغييب الاطفال عن حصة التصنيع، وتعددت الاحرامات للصغار ذكورا وإناثا، كنسخة مصغرة لذويهم في الاحرام الرجالي والنسائي، مما يعكس تزايدا في اهتمام أولياء الامور باصطحاب صغارهم لاداء هذا الركن العظيم دينيا وحياتيا، في حياة المسلمين.

ورغم أن جهات خيرية، وأخرى في بعض حملات الحج والعمرة، تساعد أولياء أمور الاطفال، بتوفير برامج مرئية من الرسوم المتحركة الاشهر كـ"توم وجيري" و"بيك بانثر"، وأخرى تقدم رسوما إسلامية متحركة وسط انتاج محدود منها، إلا أن غالبية الآباء يفضلون أن يظل صغارهم تحت أعينهم طوال الوقت، مخافة أن يحدث لهم مكروه كحالات الفقد، أو التسمم، أو إيذاء النفس، فيما يشدد أولياء أمور آخرين على مسائل شرعية يحرصون على تعليمها اولادهم لضمان صحة حج أطفالهم كحجة "تطوع" لا تسقط عنهم الفريضة بعد البلوغ.

وسنويا، تنقل تقارير وسائل الاعلام، تقارير صحافية عن أولويات للاطفال في الحج، بينها، أصغر حاج، وطفل يسير أطول مسافة على قدميه، ولادة طفل في الحج ووالده يسميه "عرفات"، أو يسميها "منى"، فيما يبدو وكأنها موسوعة غينيس للارقام القياسية.

وتواجه فرق الكشافة السعودية المعنية بمساعدة التائهين على العودة إلى مقار حملاتهم في المشاعر المقدسة، جهودا كبيرا في إعادة عشرات الاطفال التائهين الى ذويهم، وتمتزج الدموع في أحايين كثيرة بين الآباء والامهات مع أطفالهم بعد رحلة من العناء والبحث، فيما تشكل تعليقات الصغار الطريفة على تلك المشاهد، نهاية سعيدة لحوادث ليس بالضرورة أن تنتهي كلها بالفرح في غفلة من الوالدين عن فلذات أكبادهم.

والشاهد كما يقول مشرفون على حملات الحج، أن الاطفال عادة هم رسل سلام ومحبة بين الحملات المتجاورة، الاطفال يتنقلون بين الخيّام المتراصة ويوزعون الحب والتواصل، مضيفين أنه خلال الحج تنشأ علاقات وطيدة بين حجاج جمعهم اللون الأبيض، وتلك الاجساد الصغيرة البيضاء من الاطفال، لينتهي الحج وقد تبادل المشاركون في الحملات أرقام هواتف وعناوين مع وعود من الطرفين بالتواصل الاجتماعي والزيارات القادمة، وإن تباعدت الأقطار بينهم.

ولا تغفل شركات الألعاب، حضور الاطفال في موسم الحج بكثافة، وقدرتهم على فرض قناعاتهم البريئة على نفوس ذويهم، في اختيار هدايا العودة من الحج، حيث يبدو المنظر مألوفا في الحج، والصغار هم من يقررون بالكلام وأحيانا بالإشارة نوع الهدية، بينما الوالدان يدفعان من دون نقاش، لكسب ود هذا البطل الصغير الذي نجح معهم في اجتياز أصعب امتحانات العمر بثقة وطمأنينة، وبعض الجروح البسيطة والكدمات، وحالات البرد والحمى.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف