جريدة الجرائد

مسلسل الفضائح في إسرائيل.. مخالفات حقيقية أم ملاحقات سياسية؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


حيفا - وديع عووادة


كيف يمكن للغواية أن تصبح سببا في الاطاحة برأس الدولة اورئيس الوزراء اوأي وزيرا في الحكومة او مسؤول كبير في حزب يملك أغلبية مريحة في البرلمان ؟
هذا الأمر يصبح اعتياديا في مجتمع مفتوح لا تعيبه القضايا الاجتماعية بقدر ما يسئ اليه الدخول في أروقة وملفات القضاء وفي واجهات الصحف وعلى شاشات التلفزة والقنوات.
في إسرائيل الأمر مختلف تماما فالخوف ليس من الفضيحة بل الخوف من الاستغلال السياسي لها لجعلها سببا في الاطاحة برصيد أي سياسي أو رجل أمن كما يحدث الآن في تل ابيب .
هذا الاستغلال يطرح مزيدا من التساؤلات الكبيرة، وهي اذا رجل بحجم أولمرت تسقطه سكرتيرة ووزير أمن يذهب للقضاء ورئيس دولة ينتهي بفضيحة ، فما حجم الفضيحة اذا عندما تكون فشلا سياسيا وإخفاقا حربيا وسقوطا في دائرة الحصار الاستراتيجي لدولة تتلاشى وتكثر مشكلاتها. مؤتمر هرتزيليا الأخير والذي يناقش كالعادة مناعة الامن القومي الاسرائيلي قال في توصياته ان هناك تراجعا كبيرا في استراتيجية المناعة القومية الاسرائيلية وان المطلوب البحث عن علاج جديد لمواجهة نقص المناعة تلك ، والسؤال الذي يطرح نفسه هل تفاجئنا تل ابيب مستقبلا أم ان عنصر المفاجأة بات مفقودا لا بل ان كلفته باتت عاليrsquo; ، وهل المفاجأة ستكون هذه المرة بالبحث عن الامن والسلام ام عبر الحرب التي اصبحت خيارا ليس استراتيجيا . باحث اسرائيلي قال ان ما يحدث في اروقة مجلس الوزراء من الفضائح هو منظر مصغر لحالة المجتمع والثقافة الاسرائيلية !!

---

يقول المثل العربي: لكل زمان دولة ورجال.. ولكن في إسرائيل باتوا يرددون: لكل حكومة فضيحة وأبطال.. وذلك في ظل الكشف عن مسلسل طويل من فضائح الجنس والمال التي تورط فيها كبار الساسة في الدولة العبرية، ودائما تبقى الحكمة: ما خفي كان أعظم.. وربما أعظم بكثير. وكانت الفضيحة الأعلى ضجيجا، هي فضيحة تورط رئيس الدولة موشيه قصاب (67 عاما) بعدة عمليات اغتصاب وتحرش جنسي قد توجت مسلسلا من الفضائح الجنسية التي شهدتها أروقة السلطة السياسية والعسكرية، كما لم تنج المؤسسة الدينية من هذا الوباء الذي سرى مفعوله في الرأي العام الإسرائيلي سريان الهزة الأرضية.
وتحت ضغط الرأي العام اضطر رئيس الدولة العبرية موشيه قصاب (وهذا هو النطق الأصلي لاسمه حيث تعود جذوره إلى أصول إيرانية) إلى أن يغادر مقر رئاسته في القدس الغربية بعدما صادق الكنيست على طلبه بتعليق منصبه لثلاثة أشهر ريثما يتمكن محاموه من محاولة إقناع المستشار القضائي للحكومة بعدم تقديم لائحة اتهام بحق موكلهم، وكانت فضيحة قصاب قد تفجرت عشية العدوان على لبنان العام الماضي ولم تقو نيران المدافع والسحائب السوداء التي غطت المنطقة أن تلقي بظلالها على الفضيحة.

المثير أن أصل هذه الفضيحة يعود إلى تحرك تم بمبادرة من رئيس الدولة ذاته وبنصيحة مستشاريه، الذين أشاروا عليه بضرورة إبلاغ المستشار القضائي للحكومة بمحاولة ابتزازه من قبل موظفة سابقة كانت الصحف الإسرائيلية قد رمزت إلى اسمها بالحرف (أ) وهي تبلغ من العمر 33 عاما، وعملت معه حينما شغل منصب وزارة السياحة، لكن قصاب لم ينجح بضربته الاستباقية في الإفلات بفعلته، بعدما ارتدت ضربته كيدا على نحره في شكل كرة ثلج انتهت بالفضيحة، فمن جانبها نفت (أ) ما نسب إليها من تهم بمحاولة ابتزاز رئيس الدولة بمطالبته بـ200 ألف دولار وإلا ستقدم شكوى ضده باغتصابها، وسرعان ما قدمت شكوى بذلك أدت إلى فتح (عش الدبابير) ضد قصاب حيث تبين أن هناك تسع سيدات اشتكين من قصاب، الذي كان قد دأب على التحرش بهن، والقيام بأعمال مشينة معهن، أو اغتصابهن بشكل كامل في مكاتبه.

وبعد أن خضع قصاب للتحقيق بشأنِ فضائحه الأخلاقية داهمت الشرطة مكتبه، وقامت بعمليةِ تفتيش ديوانه وصادرت وثائقه، وحاسوبه الشخصي، وتتبعوا محادثاته وبريده. كما خضع قصاب على مدى 7 ساعاتٍ للتحقيق من قِبل محققي الشرطة حول طبيعة علاقاته، وعجز عن تفنيد الشبهات المنسوبة إليه، كما اعترف بأنه يعاني من الأرق منذ أن قدمت ضده إحدى العاملات في مكتبه شكوى تتهمه فيها باغتصابها مستغلاً منصبه، وقالت لصحيفة (يديعوت أحرونوت) إن قصاب لا يستطيع النوم من دون تناول أقراص منومة مشيراً إلى أنه يمر الآن بأصعب فترات حياته، إن لم تكن أكثرها صعوبة. وعلى خلفية هذه الفضيحة بدأت تطرح أسماء مرشحين محتملين لخلافته، خصوصًا شمعون بيريز، نائب رئيس الحكومة الذي هزمه قصاب بفارقٍ صوت واحد في البرلمان عام 2000. وفي محاولة يائسة للدفاع عن نفسه قدم قصاب خطابا متلفزا مطولا نقلته وسائل الإعلام بالبث الحي والمباشر فتح فيه النار على الصحف الإسرائيلية، واتهمها بإدانته وإصدار الحكم عليه قبل المحكمة، واتهم قصاب أوساطاً إعلامية وسياسية واسعة بالتآمر عليه ملمحا بتلميحات غليظة بأن النخب الأشكنازية الإسرائيلية (اليهود من أصل غربي) ثأرت منه لكونه شرقيا، ولانتزاعه لقب رئيس الدولة من شمعون بيريز، وردت وسائل الإعلام عليه بالمثل واتهمته بالتضحية بالدولة وبرموزها وهيبتها على مذبح مصلحته الشخصية، وردت الصحافة اتهامات قصاب وتساءلت كيف يمكن أن تلتقي مجموعة كبيرة من النساء في (مؤامرة) واحدة على رجل واحد؟

فخامة الرئيس!

وكانت مجموعة من كتاب مقالات الرأي الإسرائيليين قد كتبوا سيلا من الكلمات بما يشبه الرثاء والهجاء لرئيس الدولة موشيه قصاب. وذهب الكاتب البارز عوزي بنزيمان إلى حد القول في صحيفة (هأرتس) في مقال بعنوان (فخامة الرئيس) إن موشيه قصاب يقف اليوم عاريا أمام لائحة الاتهام وما حدث معه مخجل لدولة إسرائيل كلها لأن منصب رئيس الدولة كان أكبر منه منذ البداية، وأضاف (هناك سياسيون يسعون (أحيانا بتشجيع من زوجاتهم) إلى الوصول إلى المناصب العالية جدا حتى يُدفنوا في آخر عمرهم في مقبرة عظماء الأمة. وكأن ذلك هو التأكيد على مكانتهم، لا نعرف إذا كان دافع موشيه قصاب للوصول إلى رئاسة الدولة مثل غيره ممن سبقوه، ولكن عندما نشر المستشار القضائي للحكومة حول عزمه تقديمه للمحاكمة، طرح التساؤل عن سبب اختيار هذا الشخص أصلا لمثل هذا المنصب الرفيع، ذلك لأن قصاب كان ناشطا سياسيا رماديا بدا أن منصب رئيس الدولة كبير عليه بعدة أرقام، واليوم تنظر الدولة كلها لرئيسها، وتشعر بالخجل لأن هذا الشخص هو رمزها الوطني، وعلى الرغم من أنه مثل غيره يتمتع بحق البراءة إلى أن تبت المحكمة في أمره، وتثبت إدانته، ولكن الحكم عليه على المستوى الأخلاقي قد صدر فعلا، ليس بسبب تقديم لائحة الاتهام التي يقف لها شعر الرأس، وإنما بسبب سلوكه منذ أن بدأت عملية التحقيق ضده، فقد تبين أن قصاب رجل صغير لا يقول الحقيقة، ولا يتوانى عن استخدام أية وسيلة للخلاص من قفص الاتهام، وهناك الكثير الذي لم يقله هو والمقربون منه عن مضمون الشكاوى، زاعمين أنها في مجملها فرية سياسية حيكت ضده من أجل إزاحته عن مقر الرئاسة، وقالوا إنها مظهر من مظاهر الملاحقة الطائفية وأنه يخوض كفاحا مريرا ضد ثلة من المجرمين، وفي الأيام الأخيرة ادعى أحد محاميه أن إحدى المدعيات هي بائعة هوى كانت تبيع جسدها من أجل المال، وفي حالة أخرى حاولوا تشويه سمعة إحدى المدعيات من خلال مجرم سابق اعترف أنه حصل على المال مقابل خدماته.

المصنع الرئاسي للعلاقات الجنسية

إلى ذلك كتب المعلق البارز بن كسبيت في صحيفة (معاريف): إننا أمام قضية من نوع جديد يصبح فيها الـمواطن رقم واحد هو ذاته الـمتهم رقم واحد، وإذا ما ثبتت التهم عليه، فسيكون من الواجب الزج بموشيه قصاب في السجن لوقت غير قصير، وإذا لـم تثبت، فسنضطر جميعا إلى الاعتذار له وسيتبين مرة أخرى أن النيابة العامة للدولة والـمستشار القضائي للحكومة لا يتمتعان بالقدرة على التفكير السديد وأن الشرطة بلا قدرة حقيقية على حسم الأمور، ولكن في هذه الأثناء، يجب على البعض وأن يُبين لفخامة الرئيس أنه يجب عليه أن يمضي إلى البيت، أن يُخلي قبضته عن حاشية الـمنصب، وأن يجمع متاعه وأن يبتعد عن بيت الرئيس في القدس في أسرع وقت ممكن، فلـم تعد هذه كرامة الرئيس بل كرامة الإنسان، غير أنه في حالة موشيه قصاب، الكرامة الشخصية عملة نادرة، وبدلا منها تزود الرئيس بالغرائز، الكثير جدا من الغرائز الوحشية، والبواعث الغامضة، تلك التي جعلته بعكس جميع التوقعات رئيسا للدولة، وجعلت منه حيال كل الإغراءات مصنعا خصبا للعلاقات الجنسية القسرية.
يشار إلى أن رئيس الدولة السابق عازر وايزمن كان قد تورط في فضيحة مالية بعدما حاز على أموال كتبرعات من جمعية دون أن يبلغ سلطات الضريبة بذلك لكن المؤسسة الحاكمة آثرت طي الموضوع مراعاة لمكانته وعمره وخدماته كقائد سابق في سلاح الجو ووزيرا للدفاع مقابل مغادرته ديوان رئاسة الدولة قبل انتهاء مدته بشهور عام 2000.

(قبلة) أطاحت بمستقبل رامون السياسي

وتتداخل فضيحة قصاب بفضيحة جنسية أخرى تورط فيها وزير القضاء حاييم رامون (56 عاما) من الحزب الحاكم (كديما) عشية شن العدوان على لبنان، واضطر رامون على إثرها إلى تقديم استقالته من الوزارة في العشرين من آب (أغسطس) الماضي، حيث نسفت المحكمة كل مزاعم رامون وأدانته بتقبيل مجندة رغما عنها ما اعتبرته عملا مشينا، وبسبب الإدانة انقلبت الأمور رأسا على عقب، فمن كان وزيرا واعدا ويتمتع بشخصية كاريزمية ويتطلع لاحتلال قمة الهرم في سدة الحكم، قد يجد نفسه خلف القضبان لمدة ثلاث سنوات.
ولا تزال (قبلة) رامون تثير عاصفة من النقاش في أوساط الرأي العام في إسرائيل، بين من يشد على أيدي القضاة والمحكمة وينادي باستقالة الوزير من البرلمان أيضا، معتبرا الحكم الصادر بمثابة جدار لحماية النساء، وبين متحفظ ومشكك في نزاهة الحكم.
وزيرة التربية والتعليم سابقا والناشطة النسوية المخضرمة شولميت ألوني كانت قد حملت على قرار المحكمة ووصفته بالجنون وأضافت (يتضمن قرار المحكمة مجاملة واضحة وتفرقة بين الجنسين حيث جعلت من القبلة جريمة). ولفتت ألوني إلى أن المجندة وافقت على القبلة، ولولا ذلك لما تم التقاط صورة مع الوزير مرة ثانية، ولما بدت فيها راضية، وأضافت: كان بوسعها أن تصده، ثم لماذا دعته لمرافقتها في رحلة لأمريكا اللاتينية وزودته برقم هاتفها الخليوي؟

وفي ذات الوقت فإن أصواتا من جانب بعض الجهات المقربة من رامون قد اتهمت أوساطا في وزارة القضاء بالتآمر على رامون وإقصائه من الوزارة لاعتبارات شخصية.
ويعود أصل الحكاية إلى الثاني عشر من تموز (يوليو) الماضي حينما كان رامون في طريقه إلى جلسة مجلس وزاري مصغر لإعلان الحرب على حزب الله فاستوقفته مجندة في وزارة الدفاع طلبا لصورة مشتركة معه، وبعد التقاط الصورة أخذ الوزير وهو على مسافة دقيقتين من قرار الحرب على لبنان بتقبيل المجندة المعجبة قبلة غير بريئة. في شكواها قالت المجندة، التي درج على الرمز لاسمها في الصحف الإسرائيلية بحرف الهاء، إن الوزير زج بلسانه ودون استئذانها في فمها معتبرة ذلك عملا جنسيا بغير اتفاق.

وسارع المقربون من رامون إلى نفي صحة الادعاء، على اعتبار أن ما جرى يحمل طابع صداقة فقط، في حين ادعى رامون أن المجندة هي التي بادرت إلى التقرب منه وإلى مغازلته، في المقابل نفت (هـ) البالغة من العمر 22 عاما ذلك عقب إدانة رامون ولفتت إلى أنه لم يخطر على بالها أن ترى في رامون شريكا للغرام وأضافت كيف يمكن أن أفعل ذلك وهو يكبر أبي بأربع سنوات؟ ولكن بعض المراقبين تساءلوا عن شرعية ما جرى حتى لو بادرت المجندة للتحرش بالوزير لافتين إلى أن الأخير كان في طريقه إلى جلسة حكومية حاسمة لاتخاذ قرار الحرب على لبنان.

وزير الدفاع السابق يتعاطف مع الرئيس

ورغم توالي الأيام لم تمح من ذاكرة الإسرائيليين فضيحة أخرى عصفت بالبلاد حينما تورط وزيرالدفاع والمواصلات الأسبق إسحاق مردخاي عام 2000 باغتصاب ثلاث نساء قدمن شكاوى ضده ما أدى إلى استقالته من الوزارة عام 2000 ومن البرلمان بعد عام، إدانته بأعمال اغتصاب. وقد أدت إدانته إلى موته سياسيا بل وطلاق زوجته كوخي وكذلك محاولة نزع النياشين العسكرية منه لولا رفض المحكمة لدعوى النيابة العسكرية، وكان الجنرال مردخاي (63 عاما) وهو كردي الأصل قد شغل مناصب رفيعة في الجيش منها قيادة ألوية الشمال والجنوب والوسط قبل أن ينضم إلى السياسة ضمن صفوف حزب الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو الذي عينه وزيرا للدفاع بعد فوزه عام 1996 لكنه استقال من الوزارة جراء خلافات مع زعيم الحزب، وكان مردخاي قد شارك في تأسيس حزب الوسط وشغل منصب وزير المواصلات في حكومة أيهود براك بدءا من عام 1999، وأخيراً أعرب مردخاي عن تعاطفه مع موشيه قصاب الذي لم يستلطف ذلك خاصةً أن مردخاي أُدين بالاغتصابِ والتحرش الجنسي، كما أنه واجه حياةً زوجيةً صعبةً مع أكثر من زوجة نتيجة (اندفاعاته) الشهوانية الجنسية.

حاميها حراميها

كما اضطر خلال الشهر ذاته وزير البوليس تساحي هنغبي (كديما) لتقديم استقالته من الوزارة إثر تقديم لائحة اتهام ضده بتهمة تعيينات سياسية والكذب والتزوير والتدليس وتعيين أصدقائه في مناصب حكومية حينما أشغل منصب وزير البيئة في حكومة أرئيل شارون الأولى، وجاء هذا الاتهام بعد أن عاد هنجبي من الولايات المتحدة التي هرب إليها فور اندلاع الحرب على لبنان هو وأسرته. وقد أبدى النائب اليساري السابق يوسي سريد قلقه البالغ حيال تقديم لائحة الاتهام ضد وزير البوليس معلقا على ذلك بالقول: (بتنا نعيش في دولة حاميها حراميها)، ولا يزال الوزير ينتظر البت في قضيته في المحكمة.

الاستقالة الصامتة لقائد الشرطة

وسيطرت الأفكار ذاتها على الرأي العام الإسرائيلي في أعقاب استقالة قائد عام الشرطة الإسرائيلية موشيه كرادي وقائد لواء شرطة القدس، في أعقاب الإفراج عن تقرير لجنة زايلر المكلفة بالتحقيق في ممارسات الشرطة، حيث استقال كرادي دون أن يكلف نفسه مشقة الدفاع عن نفسه، وأعلن وزير الأمن الداخلي آفي ديشتر تعيين ياكوف جانوت الذي كان يشغل منصب رئيس السجون في المقعد الشاغر، وقد كانت الاستقالة الصامتة مثار تعليق العديد من المراقبين السياسيين حيث احتوى التقرير الرقابي الذي أصدرته لجنة زايلر على معلومات خطيرة تفيد عدم تمكن الشرطة من التحقيق بشكل محايد في قضية قتل جرت وقائعها عام 1999 تتضمن شبهة تورط لصالح شبكة دولية في مجال الجريمة المنظمة.
والجدير بالذكر أن قائد الشرطة المستقيل كان قد عين في منصبه قبيل الأحداث التي صاحبت إخلاء مستوطنة جوش قطيف من المستوطنين في ظل حكومة أريئيل شارون، وهو ما جعل مؤيديه يشيرون إلى أن التحقيقات شابتها بعض الأهداف الانتقامية من الجماعات اليمينية التي لم يرق لها اتخاذ حكومة شارون قرارا بإخلاء المستوطنات.

شارون وأسرته

وكان رئيس الوزراء السابق أرييل شارون نجمًا هو الآخر في مجالِ الفضائح هو وأسرته؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) عام 2002م بدأت شرطة مكافحة الغش والاحتيال التحقيق حول طلب أعضاء في اللجنة المركزية لحزب الليكود أموالاً مقابل أصواتهم في اقتراعٍ الانتخابات الحزبية التمهيدية لاختيار أعضاء للبرلمان قبل الانتخابات العامة في كانون الثاني (يناير) عام 2003م، وعزل شارون ناعومي بلومينتال وهي نائبة وزير دون حقيبة في حكومة شارون السابقة بزعم تورطها في الفضيحة لينجو بنفسه من الفضيحة بينما حُكِم عليها بالسجن الفعلي لتورطها في الرشوة. وفي يناير عام 2003م بدأت الشرطة الإسرائيلية التحقيقَ في سلسلة مخالفات تتعلق بالتمويل في حملة شارون لزعامة حزب الليكود اليميني المتشدد، حيث طالت الفضيحة شارون ونجليه جلعاد وعومري، وتعتقد الشرطة أن الاثنين استخدما قرضًا بقيمة 1.5 مليون دولار، من رجل أعمال جنوب إفريقي كضمان لدفع تبرعات غير مشروعة في حملة شارون، علمًا أن إسرائيل تحدد سقف التمويل للحملات السياسية، ونفى شارون التهم في حينها وادَّعى أن ولديه دبَّرا أمر نفقات الانتخابات التمهيدية.

وفي 21 كانون الثاني (يناير) 2004م اتهم مدعون دافيد أبيل وهو مقاول بارز ونصير قوي لليكود بمحاولة رشوة شارون عندما كان وزيرًا للخارجية في أواخر التسعينيات، وأكد أبيل براءته، وقال المدعون إن الأخير تعاقد مع جلعاد عام 1999م للعمل كمستشارٍ من أجل شراء جزيرة يونانية، ودفع له مبالغ ضخمة بهدف إقناع والده الذي كان وزيرًا للخارجية بمساعدته في الترويج للصفقة التي لم تتم رغم أن شارون كوزير خارجية رتب بناء على رغبة المقاول دعوة لرئيس بلدية أثينا لزيارة البلاد، واتهم أبيل بدفع أكثر من 2.6 مليون دولار في محاولة لرشوة شارون ونائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت أيهود أولمرت؛ لمساعدته في المضي قدمًا في صفقة الجزيرة.
ولم تشر لائحة الاتهامات إلى أي دليلٍ على أنَّ شارون قبل عن علمٍ أموالاً مقابل خدمات سياسية، حيث قام شارون وابنه جلعاد بإتلاف أدلة تثبت تلقيهما أموالاً غير مشروعة، أما ابنه النائب عمري شارون فقد حُكم عليه بالسجن الفعلي لتسعة أشهر لتورطه في فسادٍ مالي، ولكنه لم يبدأ بتنفيذ الحكم بعد.

أولمرت المرتشي

ولم تبتعد الفضائح عن رئيس الوزراء الحالي أيهود أولمرت وأسرته بل على العكس، فقد قرر المستشار القضائي للحكومة فتح تحقيق رسمي معه حينما كان في زيارة رسمية للصين الشهر الماضي، وتتمحور الشبهة في قيام أولمرت باستغلال منصبه السابق كوزير للمالية في حكومة أرئيل شارون الثانية بالتدخل لصالح جهة مالية معينة كي تفوز بعطاء لتخصيص البنك الوطني، ويقوم مراقب الدولة القاضي المتقاعد ميخا لندنشتراوس بفحص شبهات بتورط رئيس الحكومة إيهود أولمرت وزوجته بتلقي رشا بقيمة نصف مليون دولار من رجل أعمال إسرائيلي مقيم في أمريكا عن طريق ابتياعهما منه منزلاً سكنيا وحديقة في القدس بسعر بخس، كما يشتبه مكتب مراقب الدولة في أنَّ مقربين من أولمرت عملوا على مساعدةِ شركة المقاولات التي باعت لعائلة أولمرت البيتَ وقامت بترميمه وزيادة مساحته، بالحصول على مصادقة استثنائية من بلدية القدس، والتي ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في زيادةِ أرباح المشروع، وحسب تقديرات مكتب مراقب الدولة فإنَّ القيمةَ الشرائية الحقيقية للمنزل من 1.6- 1.8 مليون دولار فيما تم شراؤه مقابل 1.2 مليون دولار فاعتبر الفارق بمثابة رشوة، كما أن المنزل الذي اشتراه أولمرت بمساحة 330م تمَّ تغيير وضعه القانوني إلى بيتٍ سكني، وزيادة مساحة المبنى إلى 750م بشكلٍ غير قانوني.. وهذه الفضيحة ربما تدفع في اتجاه تقديم أولمرت استقالته خاصةً بعد الهزيمة الأخيرة في الحرب على لبنان.

فضيحة البورصة

رئيس الأركان السابق الجنرال دان حالوتس كان له نصيبٌ كبيرٌ من الفضائح الأخلاقية والمالية فمع بدءِ الحربِ على لبنان، أسرع حالوتس فور مقتل خمسة جنود وخطف جنديين في الجبهةِ الشمالية بعملية (الوعد الصادق) بالتخلص من أسهمه في البورصة حتى لا تنخفض بفعلِ الحرب، وهو ما أثار سخط الرأي العام وتشكيكه في إخلاص ووطنية رئيس الأركان الذي كان منهمكًا في بيع أسهمه المالية في إحدى الشركات خوفًا من انهيار البورصة، واعتبروا هذا السلوك (لامبالاة من قبل القائد العسكري الأول بما يحدث وفقدان الثقة بقدرة جيشه على الانتصار) وقد علَّق مسؤولون في القيادةِ العامة للجيش وضباط ميدانيون شاركوا في الحربِ على لبنان؛ حيث قالوا لصحيفة معاريف: (لن يكون أمام حالوتس مفر سوى الاستقالة مع انتهاء انسحاب الجيش من لبنان؛ لأن مثل هذا السلوك يُشكِّل عيبًا أخلاقيًّا إذْ لا يعقل أنه بينما يقتل جنود في الجبهة الشمالية ويعمل جنودٌ آخرون على إنقاذِ مصابين ينشغل حالوتس في أموره الخاصة).

الشريط الساخن

وكان زعيم حزب الليكود ورئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتانياهو قد خضع للتحقيق الشرطوي لساعات وعدة مرات بعدما نسبت له شبهة الحصول على هدايا ثمينة هو وزوجته دون أن يعيدها إلى خزينة الدولة كما يلزمه القانون، كذلك تورط نتانياهو في علاقات غرامية خارج نطاق الزوجية ما دفعه إلى الاعتذار لزوجته في بث متلفز عرف بـ (الشريط الساخن)، كما كان رئيس الوزراء الأسبق ووزير الدفاع أيهود براك قد استجوب في فضيحة مالية إثر قيامه بالحصول على أموال تبرعات غير قانونية لتمويل حملته الانتخابية عام 1999 واضطر لتسديد غرامة مالية.

تاجر المخدرات

ولا يزال وزير الطاقة السابق طبيب الأطفال جونين سيغف يمضي محكوميته بالسجن الفعلي لمدة خمس سنوات بعد إدانته بالمتاجرة بالمخدرات عام 2004، وكانت الشرطة الهولندية قد ضبطت بحوزة سيغف في مطار أمستردام 30 ألف حبة مخدر من نوع (أكستازي). وأدين سيغف الذي انتخب للكنيست عام 1992 وشغل منصب وزير الطاقة والبنى التحتية في حكومتي رابين وبيريز بسوء استغلال الجواز الدبلوماسي الذي بحوزته كوزير سابق وبالمتاجرة بالمخدرات.

فضائح الحاخامات

الفضائح الأخلاقية والمالية ليست قاصرةً فقط على مجتمع السياسيين ورجال الحكومة؛ بل إنها أكثر انتشارا واتساعًا في مجتمع الحاخامات، ورغم الفضائح التي تنشرها الصحف اليومية بشكلٍ شبه دائم عن فضائح الحاخامات إلا أن كثيرًا من هذه الفضائح يتم التعتيم عليه بسبب الطابع المحافظ المغلق للمتدينين، وتعتبر فضيحة الحاخام (آرية درعي) وزير الداخلية الأسبق عن حركة (المتدينون الأصوليون الشرقيون) المعروفة اختصارا في وسائل الإعلام باسم (شاس) أشهر جرائم الحاخامات، وولد درعي عام 1959 في مدينة مكناس المغربية وعين وزيرا في حكومة اسحق شامير عام 1988 وبعد ثلاث سنوات قدمت بحقه لائحة اتهام بالحصول على رشوة بقيمة 150 ألف دولار من رجل أعمال لكنه لم يتنح عن منصبه في وزارة الداخلية في حكومة اسحق رابين حتى تم تقديم التماس ضده لمحكمة العدل العليا التي أمرت باستقالته، وما لبث أن اتهم في قضية أخرى قام خلالها بتحويل ميزانيات حكومية لمؤسسات حزبه بشكل غير قانوني، وفي عام 1997 حاول الافلات من الحكم عليه من خلال قيامه بصفقة سرية مع رئيس الحكومة وقتذاك بنيامين نتانياهو بموجبها تصوت كتلة شاس في الكنيست لصالح تسليم مدينة الخليل للسلطة الفلسطينية مقابل تعيين صديق درعي المحامي روني بارأون مستشارا قضائيا للحكومة كي يساعده في تخفيف الحكم، لكن القناة التلفزيونية الأولى كشفت عن الفضيحة وأحبطت الصفقة ولم تقدم لائحة اتهام ضده غير أنه أدين بالقضيتين السابقتين -بالغش وتلقي الرشوة وخيانة الأمانة- وأمضى ثلاث سنوات بالسجن الفعلي بدءا من عام 1997 واعتزل العمل السياسي فور خروجه من السجن ولا يزال يدعي أنه لوحق لكونه من أصل شرقي على يد النخب الأشكنازية (الغربية) المهيمنة داخل دوائر صناعة القرار في الدولة العبرية.

الاغتصاب لمنح البركة!

أخيراً، أصدرت المحكمة المركزية في تل أبيب حكمًا يجبر حاخام منطقة جاني تكفا السابق الياهو زباري على دفع تعويض قدره 140 ألف شيكل إلى امرأة رفعت دعوى قضائية ضده تتهمه باغتصابها قبل عشر سنوات عندما ذهبت إلى مكتبه للحصول على بركته ودعواته وصلواته من أجل ابنها المريض، وخلال صلاة المباركة قام الحاخام باغتصاب المرأة التي رفعت الدعوى منذ زمنٍ طويل، ولكن كانت هناك مماطلة من قِبل المستشار القضائي للحكومة السابق الياكيم روبنشتاين من أجل إعطاء فرصة لحل هذه المشكلة دون ضجيجٍ أو ضوضاء، وبسبب تدهور صحة الحاخام المتهم.

أسباب الظاهرة: ممارسة ديمقراطية أم انهيار أخلاقي

ويتساءل الخبراء والمعلقون عن دوافع ما يمكن تسميته بـ (تسونامي الفضائح الأخلاقية) التي تعصف بإسرائيل في العقد الأخير: هل هي ظاهرة جديدة وترتبط بأزمة قيمية جديدة أم أنها قديمة؟ وما الجديد الذي يكمن بالكشف عنها بفضل تطور الصحافة وأجهزة المراقبة؟
وفي محاولة للإجابة على هذه التساؤلات يذهب بعض المسؤولين الإسرائيليين، ومنهم مراقب الدولة ميخا ليندنشتراوس إلى أن تفشي الفساد يشكل خطرا استراتيجيا على إسرائيل بسبب مساس هذه القضية بصناعة القرار في مختلف المستويات وهدم ما يسمونه الديمقراطية، ويواظب ليندنشتراوس في محاضراته على الدعوة إلى ضرورة اجتثاث الفساد، محذرا من هيمنة التوجهات القائلة بأن أحدا لا يستطيع تغيير الواقع ولا بد من التعايش معه.
وبدوره اعتبر وزير السياحة إسحاق هرتزوغ أن الكشف عن الفساد ومقاضاة المتورطين فيه يعزز مناعة ما سماها الديمقراطية ومدى قوتها، أما رئيسة كتلة حزب (ميرتس) في الكنيست النائبة زهافا جالئون فنفت أن تكون هناك أزمة قيمية بعكس تقييمات معاكسة وقالت إن مرد ذلك يعود إلى قوة وسائل الإعلام، فيما أعرب الصحفي أيتمار عنباري من صحيفة معاريف عن بالغ قلقه من تعاظم نفوذ أصحاب رأس المال في السياسة، وقال إن ثقافة الرشا باتت متفشية بقوة في إسرائيل لافتا إلى أن ما يجري في الدولة العبرية هو جزء من ظاهرة عالمية أوسع.

الطيبي: الفضائح أزمة بنيوية وليست حدثا عارضا

وفي تصريح لـ (المجلة) دعا النائب أحمد الطيبي العرب إلى أن يكونوا صادقين مع أنفسهم ورؤية كل أجزاء الصورة بدلاً من اجتزائها وتحديدا كي لا تشوه الحالة الادراكية للإنسان العربي، وأضاف: إسرائيل ليست آيلة للسقوط بالرغم من أمراضها، وهي ليست مجتمعا (أوهي من خيوط العنكبوت) بل إن كيانها المبني على النظام الديمقراطي البرلماني أقل سوءاً من الأنظمة الدكتاتورية التي تقمع مواطنيها ولا تأبه لرأيهم أو تعيره وزناً، وما من شك في أن مسلسل فضائح الفساد المالي والاخلاقي وأزمة القيادة ليس حدثا استثنائيا عارضا بل هو عوارض لأزمة بنيوية عميقة تجتاح النظام في إسرائيل ولكن الكشف عنها لا ينم عن حالة ضعف قاتل بل عن رغبة لاشفاء الخلل ومعالجة المرض مهما كانت عملية الكشف محرجة ومؤلمة، وهذا مصدر قوة وليس مصدر ضعف.
وأشار الطيبي إلى أن دولة تحاكم رئيسها الذي كما يبدو اغتصب واحدة من مواطناته (أو أكثر) هي أكثر قوةً وتماسكاً من دول يغتصب زعماؤها الوطن والمواطن دون أن يسألهم أو يسائلهم أحد بل إنهم يكتفون بالزج في السجن بالمواطن الذي يسرق دولاراً, أو يقول رأياً مغايراً، ويتعاملون مع سارقي الملايين وناهبي موارد البلد بكل نعومة، واستذكر الطيبي مقولة جبران خليل جبران:
(فالسجن والموت للجانين إن صغروا والمجد والفخر والإثراء إن كبروا، فسارق الزهر مذموم ومحتقر وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر).

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف