جريدة الجرائد

السياسات... والسيارات المفخَّخة!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


محمد السماك

في 11 سبتمبر من عام 2001 استهدف إرهابيون مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتي ركاب مدنيتين، تحوّلتا بمخزونهما من الوقود سريع الاشتعال إلى قنبلتين جويتين. أدى الحادث كما هو معروف إلى مقتل حوالى ثلاثة آلاف شخص، ودمر المركز الذي يرمز إلى القوة الاقتصادية لأغنى دولة في العالم عن آخره. لم يكن هذا الحادث المفجع الأول من نوعه الذي يستهدف الولايات المتحدة برمز قوتها الاقتصادية. في عام 1920، قام مهاجر إيطالي يدعى "مارتن بودا" بتفجير عربة يجرّها حصان في شارع "وول ستريت" وهو شارع المال والأعمال في نيويورك. أدى ذلك الحادث إلى مصرع 40 شخصاً. يومها كان عدد سكان نيويورك أقل من عشر عدد سكانها اليوم. وكان ذلك الحادث أول عملية إرهابية تجري بواسطة سيارة ملغومة.. أو سيارة مفخخة! لقد استطاع مهاجر فقير سرقة الحصان أو العربة أو كليهما. كما استطاع الحصول على كمية من المتفجرات -أصابع الديناميت، وزرعها في العربة التي كانت مثقلة بكميات من القضبان والأدوات الحديدية البالية.

وبتفجير هذه السيارة لم يكن الإرهابي يستهدف الأبرياء في الشارع المالي الكبير في عاصمة المال في العالم، ولكنه كان يستهدف هذا الرمز بالذات. وهو ما فعله في عام 2001، "بودا القرن الحادي والعشرين" أسامة بن لادن. وبالأسلوب ذاته، ومن أجل الهدف ذاته أيضاً. فالضحايا الأبرياء لم يكونوا هم الهدف الوحيد، بل كان الرمز هو الهدف أيضاً. صحيح أن ذلك لا يقلل من هول الجريمتين، سواء تلك التي اقترفها "بودا" أو ابن لادن، ولكن في الحالتين كانت الجريمة رد فعل إرهابياً وحشياً ومدمراً على سياسة الولايات المتحدة. بالنسبة لـ"بودا" كان الهدف هو السياسة الرأسمالية. وبالنسبة لابن لادن كان الهدف السياسة الخارجية. إن هذا النوع من السلاح الإرهابي الذي يوصف في الأدبيات السياسية بأنه "سلاح الفقراء"، سرعان ما انتشر في زوايا العالم المختلفة. لقد كان "مارتن بودا" أول انتحاري في العصر الحديث. وكانت نيويورك أول هدف للعملية الانتحارية. وعلى خطى "بودا" وتقليداً له اعتُمد سلاح السيارة المفخخة في الصراعات الدامية. وكانت غالباً سلاح الضعيف.

لقد لجأ إلى هذا السلاح الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الأربعينيات من القرن الماضي. والفيتناميون ضد الأميركان. والايرلنديون ضد الإنجليز. والأفغان ضد السوفييت. ولجأ إليه اللبنانيون ضد الإسرائيليين (في الجنوب اللبناني المحتل). واليوم يلجأ إليه العراقيون ضد قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية. ولكنهم يلجأون إليه أيضاً ضد بعضهم بعضاً، حتى أنه تكاد لا تغيب شمس نهار دون أن تدوي في بغداد وفي العديد من المدن العراقية الأخرى سيارة أو عدة سيارات مفخخة تحصد العشرات من الضحايا الأبرياء. ويذكر المؤرخ الأميركي "مايك دافيس" في كتابه "التاريخ المختصر للسيارة المفخخة"، أن استخدام هذا السلاح طوال السنوات الثمانين الماضية كان في معظمه رد فعل على المظالم التي ألحقتها الولايات المتحدة مباشرة بالشعوب المغلوبة على أمرها، أو من خلال حلفائها كالإسرائيليين. ويروي المؤرخ أن أول سيارة مفخخة وكانت عربة تجرّها الجياد، استخدمت في محاولة لاغتيال رئيس دولة جرت في باريس في عام 1800 واستهدفت نابليون نفسه، إلا أن المحاولة فشلت. ولاشك في أن أبشع جرائم الاغتيال بالسيارات المفخخة جرت في بيروت واستهدفت حياة أشرف وأنبل من عرف لبنان من الرؤساء وهو الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله، حيث استخدم المجرمون أكثر من طن من المتفجرات في ذلك الحادث الإرهابي المشؤوم. لقد أثبتت الوقائع أن السيارة المفخخة لم تعد سلاح الضعيف فقط. فقد أصبحت السلاح الذي تعتمده أجهزة المخابرات التابعة لدول لا تشكو من قلة في السلاح.

ولكن حيث تعجز هذه الدول عن استخدام السلاح الحربي لأسباب سياسية، أو حيث يعجز السلاح عن تحقيق الأهداف السياسية المنشودة بإثارة الذعر والهلع وتعطيل الحياة العامة وتمويه الفاعل، تلجأ إلى السيارات المفخخة. هكذا فعلت إسرائيل في استهداف حياة عدد من قادة المقاومة في لبنان وفلسطين. وهكذا فعلت سريلانكا باستهداف حياة عدد من قادة "نمور التاميل".. وهكذا قضت الولايات المتحدة على عدد من خصومها من قادة دول أميركا الوسطى والجنوبية.

ويبقى السؤال المحيِّر التالي، وهو: إذا كانت المصانع تضخ يومياً عشرات الآلاف من السيارات.. فمن الذي يعد ويبرمج الانتحاريين الذين يفخخونها ومن ثم يقودونها إلى حيث يَقتلون ويُقتلون؟ من "مارتن بودا" في نيويورك عام 1920، إلى مجهولي الأسماء والمسميات في بغداد 2006؟ إذا كانت أول عملية انتحارية بواسطة سيارة مفخخة وقعت في نيويورك بالولايات المتحدة، فإن أول حكم قضائي يعتبر مثل هذه العمليات بمثابة إبادة جماعية صدر عن قاضية أميركية في محكمة فيدرالية في نيويورك أيضاً، والقاضية هي "نينا جيرشون". والغريب أن غير أن ذلك لا يكون إلا إذا استهدفت العملية إسرائيليين تحديداً! وبموجب هذا الحكم القضائي الفيدرالي فإن أي "متهم" بتقديم مساعدة من أي نوع إلى "الإرهابيين" الفلسطينيين يمكن محاكمته أمام المحاكم الأميركية بتهمة المشاركة في جريمة الإبادة الجماعية التي تستهدف الإسرائيليين! وقد وضع هذا الحكم أساساً قانونياً لتوجيه الاتهام إلى الحكومات والمؤسسات والشخصيات العربية أو الدولية التي تبادر إلى تقديم المساعدات للفلسطينيين باعتبار أن ذلك مساعدة لـ"الإرهابيين" المتهمين بارتكاب جرائم إبادة ضد الإسرائيليين!

وأول من وُجهت إليه التهمة في إطار هذا التخريج القضائي الجديد هو بنك عربي. علماً بأن لهذا البنك فرعاً في نيويورك حيث صدرت السابقة القانونية الجديدة! لقد فتح الحكم الذي أصدرته القاضية "جيرشون" الباب أمام الحركة الصهيونية العالمية لتجميع دعاوى ضد فرع ذلك البنك في نيويورك بتهمة تشجيع الإرهاب الفلسطيني. وبالفعل تقدم 4500 يهودي من 12 دولة بدعاوى تطالب بدفع تعويضات لهم بسبب الخسائر المعنوية والمادية التي أصيب بها أقرباء لهم في إسرائيل من جراء العمليات التي قام بها فلسطينيون في أرضهم المحتلة. وحجتهم في ذلك هي أن ذلك البنك بمساعدته للفلسطينيين يشارك في العمليات الإرهابية، وتالياً أنه مسؤول عن هذه العمليات!

وهناك قانون أميركي صدر في عام 1789 "قانون ألين تورت كليمز" ينص على أنه يحق لأي أجنبي مقاضاة أي أجنبي آخر أمام المحاكم الأميركية حتى لو أن الجرم ارتكب خارج الأراضي الأميركية. غير أن مجلس القضاء الأعلى في الولايات المتحدة أصدر في عام 2004 حكماً مخالفاً يقول بوجوب مقاضاة المتهم الأجنبي إما حيث ارتكب الجريمة المتهم بها، أو حيث يقيم. وقد تجاهلت القاضي "جيرشون" السابقة التي أقرّها مجلس القضاء الأعلى وسجلت سابقة جديدة تعتبر جريمة تفجير سيارة مفخخة في مدنيين إسرائيليين في مستوى الإبادة الجماعية. ولكن ماذا إذا ارتكبت مثل هذه الجريمة ضد فلسطينيين... على النحو الذي يحدث بصورة مستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليس فقط بواسطة السيارات المفخخة، بل بواسطة طائرات الهليكوبتر والقذائف الموجهة؟ وماذا إذا كان المجرم مستوطناً إسرائيلياً، أو إذا كان الجيش الإسرائيلي هو الذي يقتحم البيوت فيقتل ويدمر وينتهك الحرمات على النحو الذي جرى مراراً في المخيمات وفي البلدات والمدن الفلسطينية؟ إن الحكم الذي أصدرته القاضية "جيرشون" يقول إن الجريمة بواسطة السيارة المفخخة لا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية إلا إذا كان ضحاياها من الإسرائيليين. أما إذا كان ضحاياها من الفلسطينيين أو اللبنانيين، فإنها تكون عندئذٍ من أعمال الدفاع عن النفس!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف