جريدة الجرائد

الإعلام يطيل أمَد الحرب

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

نورمان سولومون

تطول الأيام أكثر، لكنّ الظلال التي تلقيها وسائل الإعلام لا تصبح أقصر بينما تغطّي الحرب في العراق بعيون أميركية نصف مغمضة في شمس واشنطن الشاحبة.

لا تزال الحرب الحالية التي تُناقَش كمسألة من مسائل السياسة، تُجرَّد من الحياة. تزدهر الأفكار التجريدية داخل الأوساط السياسية بينما تستمرّ الجهود الحربية: تموّلها الخزينة الأميركية كلّ يوم بينما تتكرّر جريمة الاجتياح الأولى مع الاحتلال.
أكثر من أيّ وقت آخر، وتحديداً بعد الحكم الذي صدر بحقّ سكوتر ليبي، وسائل الإعلام الأساسية في البلاد مستعدّة للإقرار بأنّ الطريق السياسي إلى الحرب في العراق كان محفوفاً بالخداع. لكنّ وسائل الإعلام نفسها أدّت دوراً أساسياً في رصف الطريق المؤدّي إلى الحرب - وتؤدّي الآن دوراً أساسياً في إطالة أمد الحرب.
بالمنطق عينه الذي ساد قبل عام وعامَين وثلاثة أعوام، الحكمة الإعلامية الامتثالية هي أنّ قطع الأموال عن الحرب ليس عملياً. وفي كابيتول هيل أيضاً، هناك الكثير من التهديد والوعيد عن الطريقة التي يجب أن تنتهي بها الحرب - لكن يقال لنا إنّ تمويلها يجب أن يستمرّ. على غرار سكّتين على المسار نفسه، يحملنا موزّعو الحكمة الإعلامية والسياسية التقليدية إلى مزيد ومزيد ومزيد من الحرب.
بدأت الحركة المناهضة للحرب توافق على الإجراءات التي يروّجها زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ هاري ريد ورئيسة مجلس النوّاب نانسي بيلوسي.
لدى بيلوسي وريد عمل يقومان به. ولدى الحركة المناهضة للحرب عمل تقوم به. والعملان ليسا متشابهين.
يجب أن يكون هذا واضحاً - لكن انطلاقاً من النقاشات العامة والخاصة التي تدور بحدّة الآن بين الناشطين التقدّميين والمنظّمات التقدّمية، هناك الكثير من التشويش في الأجواء.
لا يستطيع الكلام المتحاذق في كابيتول هيل، مهما بلغ حجمه، أن يغيّر واقع أنّ "معايير" هي كلمة مجازية تعني مزيداً من الحرب. وعندما يدّعي الناشطون خلاف ذلك، فإنّ كلامهم يصبّ لمصلحة من يريدون الحرب أن تستمرّ... وتستمرّ... وتستمرّ.
يعني النزول عند رغبة القيادة الديموقراطية الموافقة على الثغر التي تترك الباب مفتوحاً على مصراعَيه لاستمرار الأعمال العسكرية الأميركية في العراق سواء بُرِّرت بأنّها هجمات على المقاتلين الذين يُعرَفون ب"تنظيم القاعدة" في العراق، أم أعيد تصنيف القوّات الأميركية بأنّها عبارة عن "مدرّبين" وليس "قوّات قتالية". ومن شأن الحرب الجوّية الأميركية التصعيدية أن تستمرّ في قصف المناطق العراقية لسنوات.
الموقف الذي يعبّر عنه الجمهوريون باربرا لي وماكسين ووترز ولين وولسي وآخرون في الكونغرس هو الموقف الذي يجب أن تتّحد وراءه الحركة المناهضة للحرب - من أجل تأمين التمويل الكامل لعودة الجنود إلى ديارهم بطريقة آمنة ومنظّمة، مع إنهاء الاحتلال الأميركي والجهود الحربية برمّتها بحلول نهاية 2007.
يطلبون منّا أن نجد العزاء في واقع أنّ النقاش في واشنطن تحوّل إلى "متى" - بدلاً من "هل" - يجب أن تنتهي الحرب. لكن يمكن أن يستمرّ إرجاء وضع حدّ للحرب لسنوات عدّة بينما يتكاثر الجدل حول "متى" ويعتمل. حصل هذا في حرب فيتنام، سنة تلو الأخرى، بينما كان الموت يحصد عشرات آلاف الجنود الأميركيين الإضافيين، وربّما مليون فيتنامي إضافي.
بيلوسي هي رئيسة مجلس النوّاب، وريد زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ. لكن لا أحد منهما يتحدّث باسم الحركة المناهضة للحرب التي نحن بحاجة إليها، فكم بالأحرى أن يقودها.
عند النظر إلى وقائع الأمور، الوصف الأدقّ لبيلوسي وريد هو على التوالي رئيسة وقائد حركة إدارة الحرب.
إحدى مآسي التاريخ أنّه يبدو أنّ المنظّمة التقدّمية الأقوى "موف أون" تبنّت الحساسيات السياسية لريد وبيلوسي وآخرين على رأس القيادة في كابيتول هيل. الإذعان لتلك القيادة خطأ كبير. لدينا "حزب ديموقراطي". مع مرور الوقت، تفقد مجموعة تقدّمية حيّة حيويّتها عبر خسارة استقلالها والتحوّل عملياً ملحقة بقادة الحزب.
الأسبوع الفائت، بينما كانت "موف أون" توجّه رسائل بالبريد الإلكتروني لأعضائها البالغ عددهم 3.2 ملايين تعرض عليهم ملصقات مجانية لوضعها على مصدّ السيّارة كُتِب عليها "أنهوا هذه الحرب العراقية"، كانت قيادة "موف أون" تمعن في تقصيرها عن دعم جهود "مؤتمر الكونغرس التقدّمي" من أجل "انسحاب منهجي ومموَّل في شكل كامل للجنود والمتعاقدين العسكريين الأميركيين من العراق".
هناك أسباب تدفع إلى التوحّد خلف إجراءات عملية، وهي منطقية أحياناً. لكنّ النموذج الذي تتّبعه "موف أون" مشوِّش ومتكرّر. سمسرة القوّة ليست قيادة مناهضة للحرب.
الدستور الأميركي والمحاكم الفيديرالية واضحة: لا يستطيع الكونغرس وضع حدّ للحرب إلاّ من خلال "قوّة المحفظة". من الجيّد رؤية منظّمة "موف أون" تنتج ملصقات تطالب بوضع حدّ لحرب العراق، لكن من المؤسف رؤية حفنة صانعي القرارات فيها يقصّرون عن دعم إجراء لتمويل انسحاب منظّم وسريع من الحرب.
في كابيتول هيل، يبدو أنّ معظم الديموقراطيين اختاروا مقاربة تكتيكية تقضي بالتصديق على استمرار الحرب والتنديد به في الوقت نفسه. قد تكون هذه المقاربة أو لا تكون سياسة ذكيّة في المعنى الضيّق المتمثِّل بتحقيق مكسب سياسي حزبي موقّت. لكن من المدمِّر إلى أقصى الحدود رفض القيام بالشيء الوحيد الذي يتيحه الدستور أمام الكونغرس من أجل وقف حرب أميركية - التوقّف عن مدّها بأموال المكلّفين.
بالعودة إلى الوراء، فإنّ سلوكاً مماثلاً من جانب الكونغرس أثناء حرب فيتنام - والذي استقطب موافقة متّزنة من معظم النقّاد في تلك الحقبة - أدّى إلى إطالة أمد حرب مروِّعة كان بالإمكان إنهاؤها قبل سنوات. الآن، كما في ذلك الوقت، فإنّ معظم السياسيين الذين ينصاعون لمتطلّبات وسائل الإعلام وضغوط قويّة أخرى، منهمكون في قطف "ثمار تتدلّى عن علوّ منخفض" ويتبيّن أنّها سامّة. قال مارتن لوثر كينغ قبل أربعين عاماً عن حرب فيتنام "يجب أن يتوقّف هذا الجنون. يجب أن نتوقّف الآن". هل كان الوضع آنذاك مختلفاً جداً عمّا هو عليه الآن؟ كلا.
قال كينغ "مطلوب منّا أن نتحدّث باسم الضعفاء ومَن لا صوت لهم وضحايا بلادنا وأولئك الذين تسمّيهم أعداء". وأضاف "نواجه الآن واقع أنّ الغد هو اليوم. نواجه الطابع الملحّ بشدّة للحظة الحالية. في أحجية الحياة والتاريخ التي تتجلّى أمامنا، يمكن أن يفوت الأوان".
عندما شجب كينغ "جنون العسكريتارية"، لم يكن يحاول التودّد إلى زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ أو إثارة إعجاب رئيس مجلس النوّاب حول الطريقة التي يمكنه أن يقدّم بها الدعم. كان يتكلّم بصدق ويعارض الحرب صراحةً. كان هذا ضرورياً عام 1967. إنّه ضروري عام 2007.

ناقد أميركي متخصّص في وسائل الإعلام الأميركية تنشر "قضايا النهار" مقالاته بالاتفاق معه (ترجمة نسرين ناضر).

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف