جريدة الجرائد

هل التاريخ يعيد نفسه؟ العراق بين احتلالين

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



د. محمد آل زلفة

مع تطور أحداث المسألة العراقية ووصولها إلى ما وصلت إليه باندلاع حرب العشرين من شهر مارس 2003م بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة حليفتها بريطانيا، ومتابعة ما يحدث بدقة، ومقارنته بما حدث في عام 1914م، حينما قررت بريطانيا - القوة الضاربة الكبرى في العالم حينذاك - غزو العراق واحتلاله، ومن ثم رسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة جعلتني - من منظور تاريخي- أبحث عن أوجه الشبه بين دوافع بريطانيا في عام 1914م التي أدت بها إلى احتلال العراق، وبين الدوافع التي ساقت أمريكا إلى القيام بما قامت به بريطانيا حينذاك، وكيف تطابقت الأهداف والوسائل والإدعاءات في الوصول إليها. الغريب أن هناك شبه تطابق في الغايات والوسائل والتبريرات التي استخدمتها بريطانيا مبررات لاحتلال العراق وبين ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية الآن، وكأن فارق ثمانين سنة من الزمن لم تغير من التاريخ شيئاً.

أولاً: الجذور التاريخية والمنظور الإستراتيجي الإمبراطوري

كانت بريطانيا عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى أقوى إمبراطورية على وجه الأرض امتدت إمبراطوريتها فشملت القارات الخمس، وأساطيلها تجوب البحار والأنهار والمحيطات دون منافس، وحكمها مبسوط على أهم وأغنى مناطق العالم، وتفرض هيمنتها وسيطرتها على أهم المضائق الإستراتيجية في العالم، ابتداء من مضيق جبل طارق، ومضيق قناة السويس، ومضيق عدن، ومضيق هرموز. كما كانت تتحكم في أهم الطرق والمعابر البرية في آسيا. والبحر الأحمر والخليج العربي كانا يكادان بالكامل ويقعان تحت نفوذ التاج البريطاني.

ولكن مع كل هذه القوة وهيمنة الإمبراطورية البريطانية فإنها كانت تدرك بأن هناك قوى تتشكل -ربما أو هي فعلاً- أصبحت منافسة لها أو محرضة لمواطني مستعمراتها على الثورة أو التمرد. وكان أبرز تلك القوى:

(1) روسيا التي تشكل بحكم موقعها وقوتها وتطلعاتها التوسعية في آسيا، وفي شرق أوروبا وعلى حساب أملاك الدولة العثمانية التي أصبحت في حالة الاحتضار وعلى وشك لفظ نفسها الأخير.

(2) فرنسا الدولة الاستعمارية المنافسة الدائمة للإمبراطورية البريطانية، ولكنها منافس لا يشكل خطورة كبيرة، ولكنها ماهرة في خلق أجواء التوتر والشغب، وغالباً تخرج من دون فائدة تذكر لأن ساسة بريطانيا بما يملكونه من خبرة ودهاء ومكر سياسي لا يستطيع أحد أن يجاريهم في هذا المجال، كانوا يعرفون كيف يرضون فرنسا، وكيف يسكتونها لأن فعلها في مجابهة مصالح الإمبراطورية العتيقة لا يتجاوز في كثير من الظروف دائرة الكلام، مثلما هو موقفها الآن من الأزمة العراقية.

(3) ألمانيا تلك العفريت الجرماني الخطير الذي يريد أن يخرج من قمقمه باحثاً عن دور، وعن نصيب من غنيمة الخريطة الاستعمارية التي أخذت كل قوة أوروبية -بما في ذلك بلجيكا وهولندا، وحتى إيطاليا- وهي قوى في نظر ألمانيا أقل منها قدرة وأقل كفاءة، إلا أن لعبة التوسع الاستعماري صنعة لا يجيد لعبتها إلا من له جذور عريقة في إيجاد التعامل معها. وألمانيا لم تكن صاحبة خبرة في هذا الميدان خارج القارة الأوروبية القارة التي تجيد اللعب في ساحتها بشكل جيد، فهي منذ تشكلها وانخراطها في كيان سياسي كبير وقوي وخطير بقيادة زعيمها الموحد الكبير بسمارك في مطلع العقد السابع من القرن التاسع عشر أصبحت تشكل خطورة على تغيير الخارطة السياسية الأوروبية من وقت لآخر، وأصبحت بفضل نهضتها الصناعية، واعتزاز شعبها بأصالته، وأنه الشعب الأكثر تميزاً، تشكل خطراً على الكيانات السياسية الأوروبية التقليدية. ووجدت توسع نفوذها ومصالحها خارج القارة الأوروبية من خلال التحالفات مع قوى أخرى، خاصة الدولة العثمانية التي ارتبطت معها بأقوى عرى التحالف، خاصة في المجالات العسكرية والاقتصادية، التي قادت في النهاية إلى أن تكون حليفتها في الحرب العالمية الأولى. أما نصيبها من النفوذ أو الغنيمة الاستعمارية فلم يكن شيئاً مذكوراً، عدا مستعمرتين هامشيتين في شرق إفريقيا.

أضحت ألمانيا -من خلال تحالفها مع الدولة العثمانية، وقيامها بتنفيذ أهم وأكبر شبكة خطوط حديدية في أراضي الإمبراطورية العثمانية- بما في ذلك خطي حيدر باشا على الضفة الشرقية للبسفور، الذي يمتد عبر الأناضول إلى بلاد الشام، ثم بغداد ثم كان مخططاً له أن يتجاوز إلى الكويت عبر البصرة، وخط الحديد الحجازي الذي يتفرع من خط الأناضول عبر دمشق إلى المدينة المنورة، وكانت الخطة أن يصل إلى الحديدة وصنعاء عبر تهامة عسير -وكأنها تخطط للوصول إلى هذه المناطق، حيث يقع أهم ممرين مائيين يصلان بريطانيا بمستعمراتها- في الشرق- وعلى رأسها درة تاجها -الهند- وهذا يعني تجاوز ألمانيا النقاط الحمراء للمصالح البريطانية، ومن هنا بدأت الإمبراطورية الكبرى في الإعداد للحيلولة دون حدوث هذا.

وأول وسائل الردع التي قامت بها بريطانيا هو العمل بشدة، وبكل الوسائل الدبلوماسية على منع ألمانيا من إكمال مشروعها الإستراتيجي المتمثل في مد خط السكة الحديد بغداد البصرة إلى الكويت حيث تريد ألمانيا -عبر حليفتها تركيا- أن تكون لها إطلالة على مياه الخليج العربي، كما قامت بمنع أي تجاوز في علاقات روسيا مع الوحدات السياسية في منطقة الخليج الذي تعتبره بريطانيا منذ مطلع القرن التاسع عشر منطقة نفوذ خاصة بها، وعملت بكل الوسائل لتثبيت هذا النفوذ تارة من خلال توقيع الاتفاقيات مع مشايخ الخليج وتارات أخرى من خلال فرض نفوذها في هذه المنطقة الحيوية بالقوة. وظلت سياستها على هذه الوتيرة على مدى القرن التاسع عشر، مستفيدة من أي تطور سياسي تشهده المنطقة لصالحها. فنجدها في فترة بلوغ نفوذ الدولة السعودية الأولى ذروتها وما أصبحت تشكله من تهديد للمصالح البريطانية ونفوذها تتحالف مع الدولة العثمانية على ضرب الدولة السعودية، ثم نجدها تتحالف، أو تغض الطرف عن محمد علي باشا حاكم مصر في محاولته بسط نفوذه على منطقة الخليج كوريث للدولة السعودية التي ساهم بالقسط الأكبر في إسقاطها. ثم حين وجدت بريطانيا أنه تجاوز الخطوط الحمراء، عملت على ضربه وإخراجه من الجزيرة العربية كلية. وتبنت سياسة الحفاظ على الدولة العثمانية، وتماسك وحدة أراضيها لا حباً في هذه الدولة، ولكن لكي تمنع أياً من القوى الأوروبية الأخرى أو صعود أي قوة إقليمية تهدد مصالح الدولة العثمانية أو وحدة أراضيها لكي تبقى لقمة سائغة للإمبراطورية البريطانية وحدها حينما تصل الدولة العثمانية إلى أقصى مراحل ضعفها الذي كانت تراقبه بريطانيا بعناية، وتدرك أنها لا محالة دولة تحتضر، وآيلة حتماً للسقوط، وأنها ستكون وحدها -أي بريطانيا- في النهاية التي ستستأثر بأهم أراضيها، وقد بدأت فعلاً باقتطاع أراضي الدولة العثمانية على مراحل، كلما سنحت الفرصة ووجدت العذر. فاستولت على قبرض كجزيرة إستراتيجية في مقابل سواحل الشام، ثم استولت على مصر في عام 1882م كأهم نقطة إستراتيجية، حيث قناة السويس، وحيث تعد مصر مفتاح إفريقيا عبر السودان الذي تبع مصر سقوطاً تحت النفوذ البريطاني.

ولكي يكون لها نفوذ يمهد لاستيلائها مستقبلاً على العراق فقد أقامت مشاريع اقتصادية، وجذرت نفوذها في العراق في البداية من خلال هذه النافذة.

ومع غروب شمس القرن التاسع عشر، وبزوغ فجر القرن العشرين كانت بريطانيا بكل قوتها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في توجيه دفة الأمور في منطقة الخليج العربي وما يحيط به شرقاً، حيث إيران، ومنها إلى أفغانستان، وصولاً إلى الهند، ومنع أي تمدد روسي في اتجاه الهند أو منطقة الخليج.

عقدت بريطانيا خلال هذه الفترة المبكرة مع زعماء الخليج اتفاقيات حماية، مثل أمير الكويت الشيخ مبارك، والشيخ خزعل شيخ المحمرة (عربستان)، وكذلك مع بقية المشايخ في فترات متفاوتة. وقامت من خلال شركاتها بأول تنقيب عن البترول في كل من إيران والعراق واكتشفت أهمية هذه الطاقة ومستقبل تأثيرها في التحكم في مصير العالم ولذا جعلت في فرض نفوذها مستقبلاً على هذه المنطقة من خلال السيطرة المباشرة أمراً لا مفر منه.

في هذه الأثناء كان هناك صعود قوة بدأت تتشكل في وسط الجزيرة العربية، ممثلة في شخص الملك عبدالعزيز آل سعود، الذي بدأت خطوته الأولى في صعود ذرى المجد باستعادة الرياض عاصمة آبائه وأجداده في عام 1902م. وكان بريطانيا تتابع خطوات الملك عبدالعزيز بحذر شديد، وكانت في الوقت نفسه لا تريد التدخل في أوضاع داخل الجزيرة العربية، ولا في المناطق التي تبسط الدولة العثمانية عليها نفوذها بشكل مباشر، مثل منطقة الأحساء وسواحلها، مع علمها -أي بريطانيا- أن العثمانيين لا يملكون القدرة الكافية على تثبيت الأمن في هذه المناطق، وأن عبدالعزيز يتطلع إلى إعادة نفوذ آل سعود إلى منطقة الأحساء وسواحلها. وكان الملك عبدالعزيز يدرك ضعف الدولة العثمانية وعدم قدرتها على مجابهته إذا ما عزم على استعادة الأحساء، ولكنه كان حذراً من بريطانيا التي كانت ترفض أي مساس بمناطق النفوذ العثماني من قبل أي قوة أخرى إلى الوقت المناسب الذي لا تراه يتعارض مع مصالحها، وكانت تعلن رفضها الدخول مع الملك عبدالعزيز في أي شكل من أشكال العلاقة، بحجة أن الدخول معه في أي علاقة يتعارض مع علاقتها مع الدولة العثمانية. وكانت بريطانيا في الوقت نفسه لا تريد للملك عبدالعزيز أن يدخل مع الدولة العثمانية في علاقة حسنة، خشية أن تؤدي تلك العلاقة إلى إضرار بمصالحها، بل وكانت تقوم بدور المحرض بين الطرفين العثماني والسعودي.

إذا كان هذا الأسلوب التقليدي في السياسة البريطانية المعروف بسياسة فرق تسد قد انطلى على الدولة العثمانية التي يتمتع ساستها بغباء كبير فإنها لم تنطل هذه اللغة البريطانية على الملك عبدالعزيز حيث قام بالإقدام على خطوة شجاعة لم تتوقعها كل من بريطانيا ولا الدولة العثمانية، وذلك باستيلائه على الأحساء وسواحلها في عام 1911م، وإجلاء الحامية العثمانية منها.

واستمرت بريطانيا ترفض قبول الجار الجديد لها في منطقة حيوية وهامة تمتد على أكبر مساحة مطلة على الخليج. وكانت بريطانيا تعتقد بأن الدولة العثمانية قادرة على استعادة الأحساء من سيدها الجديد. ولكن المفاجأة لبريطانيا كانت دخول الملك عبدالعزيز في مفاوضات مع الدولة العثمانية انتهت باعتراف العثمانيين بعبدالعزيز ونفوذه في الأحساء، مقابل أن يكون حليفاً قوياً للدولة العثمانية وألا يدخل إلى جانب أي قوة تهدد نفوذها في جنوب العراق خاصة.

هذه الخطوة الذكية من الملك عبدالعزيز قوت شوكته على جميع الأصعدة أولها كان ذهول خصمه اللدود ابن رشيد في حائل الحليف -إن لم يكن التابع- للدولة العثمانية، والمعتمد في قوتها عليها. وذهول الشريف الحسين في الحجاز الذي كان يستمد قوة شرعية حكمه في الحجاز ومحاولة بسط نفوذه خارجها على مجابهة الملك عبدالعزيز، وبالدعم العثماني، بحجة أنه متمرد وثائر على السلطان العثماني.

ثانياً: ارتفاع سمعة وقيمة الملك عبدالعزيز في عيون حكام الخليج، وفي عيون القبائل العربية التي لم تدخل في طاعته بعد.

ثالثاً: تحرك الساسة البريطانيين في الخليج والهند إلى تغيير سياستهم من الملك عبدالعزيز وكسب وده، بدلاً من الرفض الذي كثيراً ما جوبه به من قبل هؤلاء الساسة.

وما هي إلا فترة بسيطة وتدق الحرب العالمية الأولى طبولها، ويذهب الحلفاء كل يبحث عن حليف أو قوى يقحم تابعه الضعيف في أتون حرب لا يخرج منها غانماً إلا الكبار.

وقد دخلت معظم الكيانات السياسية في الجزيرة العربية والمناطق الأخرى المحيطة الحرب إلى جانب بريطانيا، عدا أمير حائل ابن الرشيد، فلم يكن له إلا التحالف مع الدولة العثمانية حليفة ألمانيا الأولى.

أما الملك عبدالعزيز فقد دخل في اتفاقية مع بريطانيا عام 1915م ولكن ليس حليفاً في الحرب، بل حليفاً محايداً. فقد ذكر البريطانيون أنه وقع اتفاقية مع الدولة العثمانية في عام 1914م السابق ذكرها التزم بموجبها بألا يقف إلى جانب أي قوة ضدها، ووعد بريطانيا بأنه لن يقدم للدولة العثمانية أي مساندة ضد بريطانيا، وأنه لن يتدخل في شؤون الكيانات السياسية في الخليج المرتبطة بمعاهدات مع بريطانيا. وأثناء انهماك الكل في الحرب كانت الفرصة مواتية للملك عبدالعزيز - الذي لم ينشغل مثل غيره كطرف في هذه الحرب انتظاراً لوعد موهوم أو غنيمة زائفة - بل مضى قدماً في إنهاء مشروع توحيد بلاده. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى كان قد أنجز الجزء الأكبر والأهم من تحقيق مشروعه الوحدوي.

أما بريطانيا - المخطط الكبير لتمكين نفوذها في المنطقة - فقد دخلت الحرب وهي تعرف ماذا تريد، وانتهت الحرب وقد حققت كل ما تريد. فلقد كانت سياستها مرتكزة على بسط نفوذها في المناطق المهمة، ودخلت مع حليفتها فرنسا في توزيع مناطق النفوذ بعد القضاء على الدولة العثمانية، ورسم سايكس وبيكو خريطة مناطق النفوذ التي بموجبها سيكون نصيب بريطانيا فلسطين وشرق الأردن والعراق، ولفرنسا سوريا ولبنان. وبتحقيق أهداف بريطانيا تضمن سلامة مواصلاتها البرية والبحرية مع الهند، وبلادها الأم عبر طرق آمنة وسالكة لا يعارض فيها أحد والهمها هيمنتها على العراق كي تضمن سيطرتها أكثر على سلامة نفوذها الإمبراطوري في الهند عبر ضمان سلامة أفغانستان من الوقوع تحت سيطرة الروس والهيمنة على بترول العراق وإيران وتأكيد هيمنتها على منطقة الخليج كأهم ممر مائي يربطها بالهند. أما وعودها لحلفائها الذين انضموا إليها في الحرب فلم توف بأي منها. فلا الشريف أصبح ملكاً للعرب، ولا الشيخ خزعل ظل شيخاً على المحمرة، ولا الإدريسي ظل أميراً على منطقة نجران، ولا فيصل بن الحسين ظل ملكاً على سوريا، ولم توف إلا بوعد واحد وهو وعدها لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين.

لماذا العراق

بعد أن قدمنا صورة مختصرة للظروف والخلفيات التاريخية والسياسية الدولية والإقليمية والمحلية التي مهدت لاستيلاء بريطانيا على العراق، نأتي إلى صلب الموضوع ومحور هذه المقالة وهو لماذا احتلت بريطانيا العراق والكيفية التي تم بها الاحتلال والمبررات التي اتخذت منها حجة للاحتلال والطريقة التي أدارت بها العراق ومختصر لسير المعارك مباشرة بعد الحرب والاحتلال ومقولاتها بأنها جاءت إلى العراق محررة لهم من نير الاحتلال والحكم التركي والتشابه بين هذه المبررات وتلك التي اتخذتها الولايات المتحدة من مبررات لغزوها للعراق في العشرين من مارس عام 2003م.

يتبع...

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف