جريدة الجرائد

الطريقي والوطن -1

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



محمد بن عبداللطيف آل الشيخ


عن دار رياض الريس للكتب والنشر صدر مؤخراً للكاتب السعودي محمد السيف كتاب بعنوان: (عبدالله الطريقي صخور النفط ورمال السياسة). الكتاب رصد دقيق، وبلغة أدبية راقية، لسيرة رمز من رموز هذا الوطن، والمؤسسين الرواد الأوائل للإدارة البترولية في المملكة.

من (الزلفي) حيث (يطأطئ جبل طويق الشهير هامته) - كما يقول المؤلف - ابتدأت مسيرة هذا الرجل، لتمر بمحطات جغرافية وعلمية وعملية متعددة، ابتدأت بجامع الزلفي الكبير طالباً عند المطوع (ابن عمر) الذي علمه الحرف الأول في مسيرته العلمية، فالكويت والمدرسة الأحمدية، فالهند، فالقاهرة وثانوية حلوان، وبعدها جامعة الملك فؤاد (القاهرة حالياً)، ثم أمريكا و(جامعة تكساس) في مدينة أوستن، وفي الختام العمل في أرض الوطن حتى نال شرف تأسيس وزارة البترول والثروة المعدنية وكان أول وزير لها؛ ولتنتهي هذه المسيرة العلمية الغنية والعملية بمقبرة النسيم في الرياض حيث مثواه الدنيوي الأخير، بعد تاريخ حافل ومليء بالإنجازات الوطنية، سيتحدث عنها مؤرخو التنمية في هذه البلاد طويلاً.

من يقرأ الكتاب سيلحظ أن مؤلفه بذل فيه جهداً كبيراً، وبحث ونقب عن كل شاردة وواردة في حياة هذا الرمز، وسافر والتقى بأصدقائه ومعاصريه خارج البلاد إضافة إلى من هم في الداخل، وانتهى بعد هذا الجهد إلى هذا الكتاب (الثري)، والذي سيبقى أحد المراجع الهامة لتاريخ صناعة النفط في هذه البلاد للأجيال القادمة.

وأنا هنا سأتحدث على وجه التحديد عن نقطتين وجدت أن عبدالله الطريقي تميّز بهما، وهما جديرتان بأن يسلط عليهما الضوء ويُحتفى بهما، وهما تتعلقان بذوبان (الأنا) عند هذا الرائد في الأرض والهوية الوطنية، في زمن أصبحت (الأنا) تتقدم على الوطن، و(الذات) وإيثارها تحتل في ممارسات البعض محلاً بارزاً، لتصبح الأرض - بالتالي - قضية ثانوية أمام انتفاخ الذات، عبدالله الطريقي عندما يتحدث عن إنجازاته لا ينسبها لنفسه، وإنما ينسبها لبلده الذي كان يشغل فيه منصباً وظيفياً، سواء عندما ترك المنصب، وعاش وعمل خارج البلاد أو عندما كان في المنصب، الموقف ذات الموقف، لم يتغير ولم يتبدل.
وكان في اختلافه مع بعض قرارات الحكومة عندما ترك عمله الوظيفي يؤكد هذا الموقف ولا يحيد عنه قيد أنملة. يقول - مثلاً - في رد له في جريدة (الرأي العام) الكويتية بعد أن ترك منصب وزير البترول كما جاء في الكتاب: (قضية المحاسبة على أساس السعر المعلن أثارتها السعودية في مؤتمر البترول الثاني عام 1960م، ومسألة تنفيق العائدات أثارتها السعودية في مؤتمر البترول الثالث، ومسألة تحديد الإنتاج بحيث يتناسب مع الطلب في الأسواق أثارتها المملكة).

وعندما سأله أحد الصحفيين عن موقفه المختلف مع حكومته بعد خروجه منها قال: (أنا أنتقد حكومتي لأنهم بني وطني وأهلي وعشيرتي وأنا أهتم ببقائهم. أنا أعيش في السعودية، وأقول للحكماء ماذا أفكر فيه أمامهم، هذا لأني قلق عليهم وليس لأني ضدهم)!!

ويقول المؤلف: (وحينما تحدث السيد أحمد زكي يماني، خلفه في وزارة البترول والثروة المعدنية عن المشاركة، وأنها كانت (حلمه) الأول، كتب الطريقي في افتتاحية مجلته (نفط العرب) قائلاً: (يحلو للسيد أحمد زكي يماني أن يتفلسف أحياناً ويقول إن المشاركة كانت (حلمه) الأول منذ البداية، والذين كانوا يتابعون الأحداث النفطية في الخمسينات يعرفون أن (السعودية) كانت قد رفعت شعار المشاركة من البئر إلى السيارة، وأنها قد حققت ذلك في اتفاقيتها مع الشركة اليابانية في نهاية الخمسينات).

ورغم هذه الذهنية المتقدة بكل ما هو (عملي) ووطني في الوقت ذاته، فلابد من القول إن (النزعة) الناصرية الديماغوجية التي اتسمت بها بعض مواقف وكتابات الطريقي كانت قد (أساءت) له عند كثيرين، وكاتب هذه السطور واحد منهم. غير أنني بعد أن تأملت مواقفه، وقرأت بعض المقاطع التي أوردها المؤلف في الكتاب عن بعض مقالاته ومواقفه من الناصرية، وجدت أن أهمية عبدالله الطريقي كرمز ورائد تكمن (حصراً) في أنه واحد من أهم (التكنوقراط) السعوديين تاريخياً، وعندما يخرج الطريقي في الرؤية والكتابة والتنظير عن (الشأن التكنوقراطي) المتخصص، فليس ثمة ما يُميزه عن متعلمي الحقبة الزمنية التي ينتمي إليها، حيث الإيديولوجيات العروبية آنذاك، ومنها الناصرية، تأسر بوهجها وإعلامها الجميع بمن فيهم التكنوقراطيون السعوديون. ومن الظلم وعدم العدالة (محاكمة) مواقف الطريقي على أساس نتائج اليوم، بعد أن اتضح للجميع (عوار) الناصرية، وكوارثها، ليس على مصر فحسب، وإنما على المنطقة برمتها.

ونكمل يوم الثلاثاء القادم، حيث الحلقة الثانية من هذا المقال عن هذا الرمز الوطني الخالد.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف