جريدة الجرائد

لماذا تنتصر إسرائيل.. دائماً؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

د. عبدالحميد الأنصاري


أدان تقرير لجنة "فينوغراد" وهي لجنة مشكلة برئاسة القاضي الياهو فينوغراد للتحقيق في حرب لبنان رئيس الوزراء الإسرائيلي (أولمرت) ووزير الدفاع (بيريتس) ورئيس الأركان (حالوتس) وحملهم المسؤولية عن الإخفاق في القضاء على حزب الله وتحرير الجنديين.

ينتقد التقرير (أولمرت) لأنه اتخذ قرار الحرب بتسرع وبدون خطة عسكرية مفصلة، ومن غير ضمان كاف لتحقيق الأهداف المعلنة، ولأنه لم يجر مشاورات لازمة خارج إطار الجيش ولم يضع بدائل أخرى ولم يأخذ في اعتباره إمكانية قصف حزب الله للجبهة الداخلية.

وصحيح أن التقرير لم يطالب باستقالة (أولمرت) إلا أن له تداعيات سياسية، منها تراجع شعبية (أولمرت) إلى أدنى مستوى وزيادة حملة المعارضة باستقالته وتراجع حزبه (كاديما) وحصول استقالات من كبار العسكريين.. لقد تسلم أولمرت التقرير مؤكدا احترامه للتوصيات، معترفا بالأخطاء، واعدا بتصحيحها قائلا: سندرس التقرير وسنحاول فورا استخلاص العبر وتصحيح الأخطاء.. وعلينا ان نضمن أنه في أي سيناريو مستقبلي، سيتم تفادي الإخفاقات التي أشرتم إليها.

هذه هي إسرائيل، وهكذا يحترم رئيس الحكومة تقرير اللجنة التي شكلها شخصيا، هكذا يعالجون قضاياهم بنقد الذات! هكذا يعترفون وبكل شجاعة بمسؤولياتهم ولا يحملونها الآخرين هكذا يصححون أخطاءهم ويتعلمون من تجارب الفشل والنجاح!

وهكذا يضمنون تفوقهم الشامل عسكريا وفي النهاية.. هكذا يحققون النصر دائما ولكن ماذا عن رد الفعل للجانب العربي؟ من الطبيعي ان يسعد التقرير حسن نصر الله فها هو العدو يعترف بإخفاقه باعتبار انه شهد شاهدان من أهلها، والفضل ما شهدت به الأعداء.

ولكن ما قاله الدكتور عبدالوهاب المسيري أكبر متخصص في الشأن اليهودي وصاحب الموسوعة الشهيرة أمر محير لعقولنا! لقد طار (المسيري) فرحا بالتقرير وكتب مقالة بعنوان "الاعتراف سيد الأدلة" لقد اعترف العدو بالهزيمة فتأكد ادعاء حزب الله بالنصر!! لقد كان الأجدر بمن هللوا للنصر الإلهي أن يصابوا بالغيرة كيف تأتي لشعب صغير محاط بالأعداء من كل جهة الشجاعة الكافية لنقد الذات وثقافة المساءلة لا يحصل مثل ذلك لأمة تجاوزت الـ 300 مليون فرد رغم هزائمها المنكرة والمتكررة؟! عليهم ان يحزنوا لقصور أمتهم لا أن يفرحوا بقصور عدوهم ويبيعوا الأوهام للناس فيؤيدوهم وهما.

الوقائع الدامغة على الأرض تقول لا إسرائيل هزمت ولا حزب الله انتصر ولو كان قد انتصر لما كان هذا حال لبنان اليوم، لقد كان حاله أفضل بكثير قبل هذا النصر المزعوم، على هؤلاء المنظرين الذين شايعوا حزب الله نصره ان يكونوا صادقين مع أنفسهم ليجيبوا: هل للنصر او الهزيمة معيار موضوعي محدد أم انه متلون بحسب المنظور الأيدلوجي والسياسي والحزبي؟

إذا كان للنصر معيار موضوعي محدد فإن التقرير لا يتحدث عن نصر أو هزيمة وإنما يحدد مواطن القصور أو الفشل في إدارة الحرب حتى يتلافاها المسؤول مستقبلا من أجل تحقيق الأهداف كاملة لأنهم لا يقتنعون إلا بالنجاح الكامل بنسبة 100% فلا يكتفون بـ 80% مثلا ولهذا شكلوا لجنة برئاسة قاض مستقل له كامل الصلاحيات وبعيداً عن الأهواء السياسية حتى يساعدهم التقرير الذي تتوصل إليه اللجنة من أجل تحقيق المزيد من النجاحات، هؤلاء يبحثون عن نصر ساحق حسب معيارهم ونحن نفرح لأن زعيم حزب الله نجا برأسه وهذا في حد ذاته (نصر) لأن المهم في معيار النصر العربي بقاء الزعيم والنظام فحسب، أما الأوطان والديار والبشر والمصانع والمؤسسات والمساجد والمدارس فنتهون!! المهم أولاً وأخيراً حياة القائد الزعيم وكل ما عداه فداء له.

ان الفشل الإسرائيلي الذي يهللون له ويطيرون به فرحاً قد حقق الآتي:

(1) تدمير الاقتصاد وضرب الموسم السياحي وتدمير البنية التحتية ومئة ألف منزل وخسائر اقتصادية فاقت الـ "15" مليار دولار.

(2) مقتل أكثر من 700 من الحزب و1300 مدني لبناني غير الآلاف الذين جرحوا أو نزحوا.

(3) تدمير ما نسبته 90% من مراكز الحزب العسكرية والمدنية.

(4) إبعاد حزب الله إلى ما بعد (الليطاني) وحلول (اليونيفل) والجيش اللبناني محله كحاجز يحمي إسرائيل ويشّل تحركات حزب الله ـ مستقبلاً ـ ضد إسرائيل.

(5) وهذا هو أعظم إنجاز إسرائيلي: إشغال الحزب بالصراع على السلطة وانغماسه في تأجيج الفتنة الطائفية وإثارة الاضطرابات والتوتر في الداخل وشلّ الحركة الاقتصادية والسياحية وتسريحي الآلاف من العاملين وتعطيل عمل الحكومة اللبنانية.

(6) ضعف الثقة الدولية في الاقتصاد اللبناني مما يهدد بهروب الاستثمارات.

(7) تزايد أعداد الراغبين في الهجرة من الشباب اللبناني حملة الشهادات العليا إلى 60% من اللبنانيين.

اذا لم تكن كل تلك الانجازات التي حققتها إسرائيل، نصراً فماذا يكون النصر إذن؟

نعم لقد اعتاد العرب ان يخدعوا أنفسهم فيسموا الأشياء بغير أسمائها، فقد قالوا عن (48) نكبة وفي (56) تغنوا بالنصر السياسي رغم الهزيمة العسكرية، وفي (67) قالوا: نكسة كما أنهم ـ دائماً ـ حمّلوا الآخرين مسؤولية هزائمهم: الغرب، أميركا، المؤامرات، الخيانة، إذا أدركنا هذا الخداع للذات عرفنا لماذا تنتصر إسرائيل وننهزم!! تنتظر إسرائيل لأنها لا تخدع ذاتها بمفهوم زائف للنصر.

بل تنقد نفسها وتحاسبها وتعترف بأخطائها ونحن لا نفعل ذلك تنتصر إسرائيل لأن شعبها يملك حق المساءلة لرئيسها وحكومتها ونحن لا نملك ذلك تنتصر إسرائيل لأنها تحترم سيادة القانون واستقلال القضاء ولا أحد فوق القانون ولا أحد بمنجاة من المساءلة كما يقول البغدادي (هناك دولة واحدة في الشرق الأوسط يتم فيها توجيه الاتهام بالتحرش الجنسي لرئيسها ويستقيل، والفساد السياسي لرئيس وزرائها، والرشوة السياسية لابن رئيس الوزراء ويستقيل رئيس الأركان لشبهة استغلال المنصب، هل تعرفون الدولة؟ إنها إسرائيل).

تنتصر إسرائيل، لأنها تطبق مبدأ (المواطنة) لكافة عناصرها وأقلياتها بمن فيهم ـ العرب فتمنحهم كافة الحقوق السياسية وتشكيل الأحزاب السياسية والمشاركة في البرلمان والحكومة، وتنتصر إسرائيل لان عندها التعليم المتطور والجامعات المعترف بها عالمياً والمراكز البحثية المتميزة وترصد لموازنة البحث العلمي أعلى المعدلات العالمية، وتنتصر إسرائيل لانها تكفل كافة الحريات، والصحافة حرة تماما، ولا يمكن أن يسجن فيها أي مثقف أو كاتب بسب نقد لقضايا دينية أو سياسية" (البغدادي).

تنتصر إسرائيل لأنها لا تحكم رجل الدين في شؤون حياتها، وتفصل بين المؤسسة الدينية والسياسية ولا تسمح بتدخل رجل الدين في تخصصات غيره كما هو حاصل في معظم مجتمعاتنا التي ترجع إلى عالم الدين في كل صغيرة وكبيرة من الشؤون الدنيوية في تجاهل لقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام (اننا الأعلم بأمور دنيانا) وعلينا إدارتها من غير وصاية عالم الدين ومع ذلك أبينا إلا أن يتدخل عالم الدين في كل شأن من حياتنا، يتدخل في السياسة الداخلية فيقود المظاهرات.

وفي السياسة الخارجية فيقرّر من هو العدو، وينازع أهل الاقتصاد فيفتي في البورصة والتأمين ويقود مظاهرات المقاطعة الاقتصادية، وينافس الأطباء اختصاصهم فيقول انه عرف علاج الايدز، وينافس العلميين اختصاصهم بالإعجاز العلمي ويزعم أنه الأعلم من علماء النفس بالصرع والمس، وينتقد التربويين في عدم قولهم بالضرب وسيلة تربوية وتأديبية، ويعترض على القانونيين في تشريعاتهم.

ويحتكر هلال رمضان والعيد والحج دون الفلكيين، ويتدخل في خصوصيات الناس وملابسهم وهيئتهم، ويفتي في الجنس وقضاياه، ويتدخل في الحريات ويطالب بمصادرة كتب ومنع فضائيات وحرمان كتاب، ويوزع الاتهامات ويحتكر الصواب والحق والحقيقة، ثم بعد كل ذلك لا يسمح لأحد بنقده، هذا هو عالم الدين عندنا يرى أن من حقه أن يتدخل في كل شؤوننا وهذا لا يحدث في إسرائيل ولذلك فهي تتقدم وتتفوق وتنتصر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف