جريدة الجرائد

كردستان الحرة: موساد وجرائم شرف وتطهير عرقي للعرب والتركمان

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سماح ادريس


أسوأ ما في الصحافة الثقافية والاعلام شبه الثقافي هو ان يتصدي مثقفون عرب، وباسم الوعي النقدي الحديث ، للبني التقليدية المتخلفة، والغيبية العربية، والسلطات القومية المستبدة، والظلامية الاسلامية، واليسار الديكتاتوري.. لكنهم لا يلبثون ان يمتدحوا الاعتدال السعودي والوهابي والجنبلاطي، والمرونة المصرية، والواقعية الفلسطينية، والعقلانية الغربية. هكذا، مثلا، نقرأ ادونيس ينتقد الهياكل الثابتة والاصوليات العربية انتقادا استشراقيا مليئا بالعموميات والاحادية (علي طريقة رافاييل باتاي احيانا)، لكنه يكرس كتابا كاملا، اختار نصوصه وقدم له هو والدكتورة خالدة سعيد، في فكر الشيخ الامام محمد بن عبد الهاب ، وذلك ضمن سلسلة ديوان النهضة: دراسات ونصوص تمثل رؤية جديدة للنهضة العربية (بيروت: دار العلم للملايين، 1983). وهكذا تحول احد عتاة الفكر الجامد والثابت، وعلي يد احد رموز الحداثة، الي احد رواد النهضة العربية!(1) وبالمثل، وان علي مستوي فكري ادني بكثير، نجد شاكر النابلسي، بعد ان طلق الماركسية والقومية ثلاثا، يمتدح شعر (نعم، بكسر الشين) الامير خالد الفيصل، بل ويعده من رواد الحداثة والفكر العربي.(2) وكنت في سنة ماضية قد ذكرت كيف تحول كثير من مثقفي الحداثة في لبنان الي مبخرين للماكينة الحريرية، بحيث جيروا حداثتهم وعلمهم الكبير في مديح الرئيس الراحل رفيق الحريري، وخليفته الشيخ سعد، وصديقهما الرئيس السنيورة. طبعا من حق اي كان ان يمتدح من يعتبره اهلا للمديح، ولكن ان يصبح الحريري شاعر الامكنة علي لسان شاعر الحداثة بول شاوول (في برنامج خليك بالبيت علي شاشة المستقبل شتاء العام 2005)، وان يصبح الرئيس الراحل نفسه مثقفا ما بعد حداثيا (لو كان حداثيا فقط لفهمنا!) ذا فكر مركب، خلاق، متعدد الوجوه علي لسان مثقف العقل التحولي والناقد التفكيكي لـ اوهام النخبة علي حرب (وعلي الشاشة نفسها)، فذلك ما يزرع الشك في النفوس. ولا يهم ان يصوب الشك الي المثقفين انفسهم، بل الي افكارهم الحداثية التي افنوا عقودا في اشاعتها، ذلك ان مثل هذا الشك، خلافا لما توهمه مداحو السلطة والثبات الحداثيون ، سينمي في عقول القراء التفكير الاصولي والفكر التقليدي اللذين حاربهما اولئك المثقفون (وبتفان احيانا) كل ذلك الزمن. تصوروا مثلا حال الناس الذين يستمعون الي اولئك الليبراليين الحداثيين يمتدحون الاعتدال السعودي بعد ان كالوا اللعنات للاستبداد البعثي السوري والعراقي، كيف سيفكرون؟ ألن يميلوا، في هذه الحال، الي تأييد السعودية بدلا من افكار الحداثة؟ او تصوروا الناس يقرأون مدحا (وان ادعي الموضوعية!) للامام محمد بن عبد الوهاب، ألن يفضلوا حينها ان يناصروا الفكر الوهابي بدلا من الفكر الحداثي؟ فاذا كان الحداثيون التقدميون، التحوليون التفكيكيون، النقديون الواعون، يصفقون ( موضوعيا !) للوهابية والحريرية والمباركية.. فلماذا لا يميل القراء العاديون الي الاصل الممدوح لا الي النسخة المادحة، والي المصفَق له لا الي المصفِق؟
طبعا، هذا التحول لم يأت وليد الساعة الراهنة، بل هو نتيجة لعقود من الهزائم والاحباطات، وعقود من تراجعات اليسار، وعقود من توزيع الجوائز والالقاب والاوسمة والوعود الرسمية والغربية علي المثقفين العرب، وعقود من الاستضافات العربية والغربية وتذاكر الدرجة الاولي وفنادق النجوم الخمس. لكنه بات يترافق، منذ سنوات ايضا، مع تنظير ممل ضد ما يسميه الليبراليون الجدد بـ الشعاراتية الفارغة ـ وهي نفسها، كما كتب عزمي بشارة، شعار فارغ: اذ ما معني اسباغ نعت الاعتدال علي نظام عربي يتحالف مع جزار العالم الاعظم، اي الولايات المتحدة، نظام يقمع حقوق الانسان وحقوق المرأة والاقليات وحرية التعبير؟(3) وما هي مصداقية المعتدلين و الواقعيين و البراغماتيين الذين يصرون علي حل الدولتين (الفلسطينية والاسرائيلية) رغم ان مقومات بناء الدولة الفلسطينية علي الضفة وغزة قد ابيدت ابادة كاملة بسبب وحشية الكيان الصهيوني بمختلف انظمته ؟ وما مصداقية نقاد صدام حسين ومقابره الجماعية (وهي مريعة مثله) حين يمتدحون الطالباني والبارزاني؟
هنا آتي الي لب الموضوع، اذ ان حالة كردستان ـ العراق تقدم نموذجا مثاليا لفراغ الشعاراتية الفارغة نفسها، ولتناقض الليبراليين الجدد (فلنسمهم: المحافظين الجدد)، او ـ بشكل ادق ـ لكسلهم عن تقصي اوهام الديمقراطية (العراقية) الجديدة وازالة هالة الاسطورة عنها، بعد ان حبروا مئات الاوراق في شتم عراق صدام.

ہ ہ ہ

بين 29 نيسان (ابريل) و6 ايار (مايو) من هذا العام اقيم مهرجان المدي الثقافي الخامس في اربيل، عاصمة اقليم كردستان ـ العراق. فلم تبق جريدة لم تدع الي هذا المهرجان، وتدفقت المدائح السلطانية لنشاطات المهرجان وراعيه ( الرئيس جلال الطالباني) ومديره الناشر الزميل فخري كريم الذي يساوي وحده ورشة كاملة بحسب ما كتب الصديق احمد بزون في جريدة السفير .(4) وباستثناء انتقادات خفيفة من قبيل تذمر بعض الصحافيين (بزون) من ضعف التنظيم او خلو شوارع كردستان من أية ملامح للغة العربية، او انتقادات اقوي من قبيل تذكير صحافيين آخرين (وائل عبد الفتاح) بأن اسبوع المدي الثقافي اقيم برعاية نظام حفرت طريقه الدبابة الامريكية وبأن السيد فخري كريم صادف قبل وضعه الراهن سنوات من الجدل حول ادواره السياسية والثقافية قبل السقوط المدوي لصدام ،(5) فان التغطية الصحافية والاعلامية لمهرجان المدي اسقطت فرصة مهمة امام القراء لمعرفة واقع الحال في كردستان ـ العراق، وواقع المشرفين علي الوضع الثقافي في العراق ككل. واكثر ما علق في ذهن قراء الصفحات الثقافية العربية حول المهرجان المذكور هو ضخامته (800 مثقف عربي وكردي واجنبي)، وشموله انواعا متعددة من النشاطات (سياسة، اقتصاد، سينما، مسرح، غناء، معارض للكتب، فن تشكيلي، ازياء فولكلورية،..)، فضلا عن ديمقراطية الطالباني ومرحه، والاستقرار الامني في كردستان، وتطورها الاقتصادي. فكأن ما فعله اكثر الصحافيين الذين ذهبوا الي كردستان ـ العراق يشبه ما كان يفعله بعض المستشرقين السياح القدامي: التنزه في ربوع الوطن وجباله ووديانه، واستقاء المعلومات من افواه الحكام والمسؤولين وأبواقهم. وهذا لا يكشف عن تآمر ثقافي مسبق علي الحقيقة (أنا، مثلكم، سئمت الحديث عن المؤامرة، لا لأنها غير موجودة، بل لان وجودها يفقأ العيون)، بل يكشف عن كسل مريع صار لازمة من لوازم الصحافة الثقافية العربية للأسف. هكذا، صار يكفي ان يقرأ الواحد من صحافيينا ومثقفينا قصيدة او اثنتين لشاعر كردي عظيم مثل شيركو بيكه س،(6) او يحفظ كلمة كردية او اثنتين (كـ كاكا و مام )، او يطالع مقالا او اثنين عن جرائم صدام، حتي يستطيع ان يحكم علي وضع كردستان الراهن... ووضع العراق بأسره!
اين العقل النقدي الذي فلقتمونا به ايها الزملاء النقديون؟
هل تعلمون اوضاع كردستان حقا؟ هل تعلمون واقع المرأة هناك، وحوادث الشرف التي تتعرض لها؟ هل تعلمون واقع الموساد (المخابرات الاسرائيلية) هناك؟ هل تعلمون اوضاع السجون في كردستان؟ حرية التعبير؟ التوقيفات الاعتباطية؟ هل تعلمون كيف صارت (اذا صح انها صارت) كردستان جنة آمنة في العراق؟ هل تعلمون وضع العراقيين من غير الاكراد هناك؟ هل تعلمون من شجع صداما علي ان يدمر اقساما كبيرة من كردستان ـ العراق اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية؟ هل تعلمون مقدار الدمار الذي ألحقه الحزبان الكرديان الأساسيان بكردستان بعد حرب الخليج سنة 1991؟ هل تعلمون من الذي استدعاه مسعود البرزاني لسحق خصمه الكردي (الاتحاد الوطني)، ومع من تعاون جلال الطالباني لقتال خصمه الكردي (الحزب الديمقراطي)؟ هل تعلمون تاريخ مدير المهرجان الذي امتدحتموه بالقول انه فرد يساوي وحده ورشة كاملة ؟ هل قرأتم شيئا عن احوال كردستان قبل سفركم الي واحة الديمقراطية هذه، بما في ذلك ما كتبه شخص تحترمونه بلا شك هو الشاعر الكبير سعدي يوسف؟
اعرف انكم مشغولون بأمور يومية ملحة اخري. لذا، قمت ببعض القراءات السريعة لملء الفراغ الذي خلفتموه، وسأنقل هنا شيئا قليلا مما قرأته، لا في وصفه حقيقة مطلقة، بل علي سبيل اكتشاف جوانب ابعد من التقارير الصحافية الساذجة التي تلمح الي التطور الاقتصادي في كردستان لمجرد ان الرئيس الطالباني قال ان السليمانية صار فيها الف مليونير بدلا من ستة اثناء حكم صدام،(7) وتتغني بالديمقراطية لمجرد ان الطالباني قال ان في العراق ديمقراطية اكثر من اي بلد آخر ـ ومن مؤشرات هذه الديمقراطية (صدقوا او لا تصدقوا) حق 14 مليون شيعي بعد صدام.. في البكاء (!) . وقد يكون اسوأ من هذا وذاك ان تسكت تقاريركم الصحافية عن تلطي الديمقراطية العراقية ـ الكردية الجديدة، القادمة علي ظهور الدبابات الامريكية، برمز شعري كبير هو المرحوم محمد مهدي الجواهري،(8) الذي نصب رمزا لمهرجان المدي الاخير مع انه سبق ان رفض الغزو الامريكي للعراق عام 1991، بل وقال (علي ما يروي الكاتب العظيم عبد الرحمن منيف) انه مستعد لان يكون ضمن العشرة الاوائل لمواجهة الغزو علي البصرة .(9)

ہ ہ ہ

عن الدور الاسرائيلي في كردستان ـ العراق. في حزيران (يونيو) 2004 كتب الصحافي الامريكي المعروف سيمور هيرش في مجلة نيويوركر عن تنكر اسرائيليين في شمال العراق بزي رجال اعمال، بهدف تنظيم عملاء اكراد يجمعون لهم المعلومات، تحضيرا لعمل اسرائيلي ـ امريكي محتمل ضد ايران. وفي الصيف الماضي تحدثت هاآرتس الاسرائيلية عن شخص اسرائيلي اسمه شلومي مايكلز يخضع لتحقيق اسرائيلي رسمي بسبب عمله في كردستان من دون ترخيص من السلطات الاسرائيلية. ومؤخرا، في 11 نيسان (ابريل) 2007، كتبت لورا روزن عن تحقيق اجرته طوال العام الماضي، وتبين خلاله ان مايكلز وشريكه داني ياتوم (رئيس جهاز الموساد الاسرائيلي السابق) جزء من مجهود كردي ـ غربي لاعطاء الاكراد مزيدا من القوة في العراق ولاعادة احياء العلاقات الاسرائيلية بحلفاء اكراد تاريخيين ، وذلك من خلال اعمال مشتركة (اسرائيلية ـ غربية ـ كردية) تطاول البني التحتية والتنمية الاقتصادية والمشاريع الامنية. وقد جاء مايكلز (بحسب يديعوت احرنوت الاسرائيلية) بضباط اسرائيليين ليدربوا قوات الامن الكردية علي محافحة الارهاب (تنظيم القاعدة وخلافها) في مخيم سري (اسمه Camp Z) في العراق، مقابل بضعة ملايين من الدولارات . لكن السلطات التركية (التي عبر الاسرائيليون بجوازات سفرهم من امامها) تنبهت للامر واخطرت السلطات الاسرائيلية، فأجرت هذه الاخيرة تحقيقات مع مايكلز وغيره، بيد انها وافقت عمليا علي ارسال المعدات الدفاعية والاتصالية الي كردستان ـ العراق من اجل تنمية وجود لها في المنطقة الكردية (10).
لا ينفي ممثلو الحكومة الكردية انفسهم الوجود الاسرائيلي عندهم، وان كانوا يحصرونه بـ القطاع الخاص (وكأن هذا في ذاته امر بسيط). وهو ما اعترف به، امام لورا روزن، ابن الرئيس جلال الطالباني، ممثل الحكومة الكردية في واشنطن، متبجحا بأن كردستان ستكون البوابة الي العراق .
ولكن، بوابة من، نسأل؟
اما في اربيل، حيث ذهب الصحافيون العرب لتغطية مهرجان المدي، فهناك مكاتب للموساد، اعترف رئيسه السابق اليعازر جيزي تسافرير امام الصحافية روزن، بأنه ساعد المخابرات الكردية والملا مصطفي البارزاني: فقد تقدموا (اي الاكراد) الينا، قائلين ان احدا لا يساعدهم في العالم، وان شعبنا (الكردي) عاني هو ايضا (مثل اليهود). فزودناهم (اي الاسرائيليون) بالمدافع، والبنادق، والمعدات المضادة للطائرات، وشتي انواع المعدات الاخري، بل وساعدناهم بأعمال الكولسة Lobbying ايضا . وختم تسافرير تصريحه لروزن بالقول: الاتصالات بيننا، والتعاطف بيننا، ستدوم اجيالا قادمة !
ان تكون كردستان ـ العراق واحة للديمقراطية وحقوق الانسان، فذلك ما سنتحقق من صحته للتو. لكنها بالتأكيد، وللاسف، ساحة اليوم لرجال الاعمال الاسرائيليين وللموساد الاسرائيلية والـ CIA طبعا ضد بلدان مجاورة، وضد الشعب العراقي نفسه.
حقوق الانسان (والمرأة) في كردستان العراق:
يخصص تقرير بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق قسما مهما لتقصي حقوق الانسان في المنطقة الشمالية من العراق خلال الشهور الاولي من هذا العام. صدر التقرير في نيسان (ابريل) 2007 ويتحدث عن قلق جدي حيال حرية التعبير، والتوقيفات، وظروف المرأة في كردستان. وفي حين انكر مسؤولو الحكومة (التي تشرف علي اربيل والسليمانية ودهوك) ذلك، اكد ناشطون اكراد من داخل اربيل (حيث مهرجان المدي) ان تقرير الامم المتحدة قصر عن ذكر كل الانتهاكات في كردستان واكتفي بذكر ابرزها. يقول في هذا الصدد ناشط كردي يدعي ربين رسول اسماعيل: تبين الحقيقة الراهنة ان حقوق الانسان (هنا) سيئة جدا، ولست متفائلا بخصوص مستقبل حقوق الانسان في كردستان والعراق . (11)
هذا، ويركز تقرير الامم المتحدة علي ثلاثة امور في كردستان: جرائم الشرف، واوضاع السجناء، وحرية التعبير. ففي ما يتعلق بجرائم الشرف، يتحدث التقرير عن احراق 358 امرأة انفسهن حتي الموت في محافظة اربيل منذ العام 2003 (هل شاهد زوار المهرجان قبور اي منهن بالمناسبة؟) وعن محاولة 218 امرأة اخري القيام بالامر نفسه، وكل ذلك بسبب الضغوط المتزايدة من قبل الذكور في العائلة . وهذا يعني ان الديمقراطية الكردية في اربيل، ان صح وجودها، لم تصل بعد الي المرأة، التي يتغني بها، وبضرورة تحررها الكامل، مثقفو الحداثة العرب، بل ويعتبرون (مصيبين) ان لا ديمقراطية حقيقية من دون حرية المرأة.
اما بخصوص السجناء، ولا سيما المشتبه بقيامهم بأعمال ارهابية ، فان تقرير الامم المتحدة المذكور يتهم السلطات الكردية المحلية باستخدام التعذيب وسوء المعاملة ضد الموقوفين ، ويؤكد ان كثيرين اعتقلوا فترات طويلة من دون اي اتهام . ويعقب الناشط الكردي (اسماعيل) علي التقرير بأنه لا يمكن وضع الناس خلف القضبان سنوات عديدة لمجرد الاشتباه في انهم يشكلون تهديدا للنظام السياسي او الاجتماعي .
واخيرا، فان تقرير الامم المتحدة اعلاه يضع تباهي حكام كردستان ـ العراق ـ بـ حرية التعبير النسبية موضع شك وتساؤل. فقد اوقف كثير من الصحافيين خلال السنوات الماضية علي يد قوات الامن الكردية، وهدد آخرون او ضربوا من قبل اشخاص مجهولين . وقال فرهاد عوني، رئيس نقابة صحافيي كردستان: اننا نشعر بأن الصحافيين احيانا ضحية للمزاج السياسي لقوات الامن .
وضمن مجال انتهاك حقوق الانسان ينبغي ان يضاف الي ذلك كله وضع العرب داخل كردستان (هل يهتم المثقفون الزوار العرب كثيرا بأوضاع الجالية العربية هناك؟!) فبعض التقارير يتحدث عن وجود 150 الف عراقي عربي لاجيء في كردستان، وان الاكراد لا ينسون كيف عاملهم صدام (العربي)، ولذا فهم ينظرون بحقد الي العرب. وفي المقابل، يشعر كثير من العراقيين غير الاكراد بأنهم يعاملون في كردستان وكأنهم درجة ثانية ، وهذا ما يفصح عنه موظف في فندق في اربيل، من الطائفة المسيحية الاشورية، اسمه ولاء متي، كان قد هرب من الموصل، ويصيح بألم: انا عراقي، وهذه بلادي، لكنني احس هنا كأنني غريب (12). ويشعر العراقيون العرب ايضا بالاستياء (وربما الحقد) حين يسمعون بالاماكن والمنتجعات السياحية في مناطق الاكراد مثل القرية البريطانية و مدينة الحلم في حين تستباح بغداد وغيرها علي يد الامريكان. (2) وهم لا يرضون ان يكون الاحتلال ثمنا لرخاء بعض المتمولين الأكراد (وغير الاكراد).
مسؤولية تدمير كردستان ـ العراق:
يبدو ان اكثر الصحافيين الليبراليين العرب نسوا من دمر كردستان ـ العراق خلال العقدين الاخيرين. فتنشيطا لذاكرتهم ربما، نورد ان اجزاء كبيرة من كردستان دمرت خلال الحرب العراقية ـ الايرانية (1980 ـ 1988) التي بدأها صدام حسين فعلا، ولكن بتشجيع وتحريض وتمويل وتسليح وتأييد من قبل الولايات المتحدة الامريكية والانظمة الخليجية وغير الخليجية الموالية لها(13). وشنت الولايات المتحدة وحلفاؤها حربا علي العراق عام 1991، وحولت كردستان الي منطقة آمنة (او محمية امريكية بالأحري) يتقاسمها حزبان: الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي. لكن الحزبين شرعا في الاقتتال في ما بينهما، فكان ان استدعي مسعود بارزاني (الحزب الديمقراطي) صداما ليسحقا، معا، من كان آنذاك عدو بارزاني اللدود، جلال طالباني (الاتحاد الوطني)، المستنجد بدوره بايران، وذلك بعد عامين من القتال الداخلي ذهب ضحيته آلاف الاكراد. اما جلال طالباني نفسه، الذي يصفه اللبناني فؤاد عجمي اليوم بـ العلماني الكردي ذي التمدن والعلم الكبيرين (14) (وهو وصف يذكر بوصف بعض الصحافيين لطالباني اثناء لقائهم به في كردستان مع مئتي مثقف عربي آخر)، فقد سبق ان تعاون علنا وبوحشية مع حزب البعث الحاكم ضد حزب بارزاني(15). ومما يضاف الي سجله الديمقراطي الباهر و تمدنه وعلمه الكبيرين ما كتبه الشاعر العراقي سعدي يوسف في العام 2005، وهو ان طالباني متهم بـ قتل عشرات من النصيرات والانصار الشيوعيين العرب الذين كانوا يقاتلون نظام صدام حسين في ما عرف بأحداث بشت آشان سنة 1983، وذلك بطلب مباشر من صدام نفسه(16)!
اذا كان بعض المثقفين العرب نسوا ذلك لأنه حدث قبل زمن طويل، فهل نسوا ان طالباني هو الذي وقع، بعد شهور فقط من اجتياح بغداد عام 2003 وثيقة الاستسلام امام الغزو الامريكي؟!
ولكن، أهو النسيان فعلا؟
يحكي سعدي يوسف عن محاولة الرئيس طالباني شراءالمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج لكم افواههم (وهذا يذكر بما فعله صدام نفسه، وان بأموال اضخم كما يرجح). ويضع سعدي في هذا السياق تشكل اتحادات وجمعيات ثقافية في السويد والمانيا وهولندا واستراليا، بدعم وبتمويل من الممثليات الديبلوماسية للادارة غالعراقيةّ العميلة (17). فهل يندرج مهرجان المدي ضمن خطوات طالباني (ومستشاريه الثقافيين) لشراء ضمائر المثقفين والصحافيين العراقيين والعرب، وكم افواههم عن قول الحقيقة، وجعلهم اشبه بببغاءات سوفييتية يرددون ما يقوله الملك الجديد؟
ان شبكة الانترنت تكاد تختنق بما يكتب دوريا. وكثير من الاخبار والتعليقات مكتوب بالعربية، ان كان مثقفونا ومراسلونا لا يتقنون لغات اخري. فاذا كانوا ما يزالون يجهلون استخدام الانترنت ايضا (وهو امر مشكوك فيه)، فيكفي ان يلتقوا بأي شيوعي عراقي، مخضرم نظيف، من حزب الرفيق فهد، ليعلموا اين آلت اموال الحزب الشيوعي العراقي، اموال الفقراء والطلاب وعائلات الشهداء، وليعلموا صلات بعض الشيوعيين العراقيين القدامي/الجدد بمخابرات صدام نفسه في الستينات والسبعينات، فضلا عن المخابرات العربية والامريكية والبريطانية في ما تلي ذلك من عقود. ام ان ذلك كله لا يهم ما دام بعض المتمولين العراقيين الكبار، الحديثي النعمة، يقيمون المهرجانات الثقافية، ويدعمون الثقافة الشعبية بكتاب مجاني يوزع بالملايين كل شهر، ويقيلون عثرة بعض الشيوعيين السابقين ممن قرروا لحس ماضيهم و محاكمة ماركس ولينين والاشادة بالديمقراطية العراقية الجديدة؟

ہ ہ ہ

ان وطننا، الوطن العربي، في مأساة لا لأننا ابتلينا بأنظمة مستبدة فحسب، وبأطماع امبريالية وصهيونية متعجرفة فقط، بل لأننا ايضا ازاء تراجع حاد في الوعي النقدي الحقيقي. ان ادعياء الوعي النقدي اليوم يهاجمون ظالمين مستبدين، لكنهم يسكتون عن ظالمين مستبدين آخرين. وكانوا قبل سنة 2003 ينددون بالاحتلال والديكتاتورية معاً، ولكن حين سقطت الديكتاتورية سكتوا عن الاحتلال وصنائعه واكتفوا بالتنديد بالديكتاتورية... والديكتاتورية (السابقة طبعا). بل ان احدهم لم يتورع عن القول في مهرجان المدي في كردستان العام الماضي: انني سعيد الآن لأنني في مؤتمر حر علي ارض حرة! (18).
بئس هذه الحرية التي ثمنها سبعمئة الف ضحية عراقية بريئة خلال اربع سنوات، وتقسيم الشعب والوطن والعراقيين، وتغلغل الموساد، وتزايد جرائم الشرف، وتدهور حقوق الانسان وحرية التعبير داخل القسم المحرر نفسه.
وبئس هذا الوعي النقدي المزيف!

ہ كاتب من لبنان

هوامش

(1) راجع في هذا الصدد ما كتبه صبري حافظ في قضايانا أم قضايا ادونيس الراهنة؟ ، الآداب 3/4، 1995، ص 34 ـ 37، وايضا ما كتبه صبحي حديدي في الآداب 7/8 من السنة نفسها بعنوان ادونيس والمحاججة الفقيرة ، وذلك ردا علي رد ادونيس علي منتقديه في الآداب (راجع: ادونيس، الثقافة، الجريمة، التسلية ، الآداب 5/6، 1995، ص 4 ـ 8).
(2) من مقابلة اجرتها محطة NBN اللبنانية التلفزيونية مطلع هذا الشهر مع النابلسي، الذي يدعو نفسه، منذ زمن، ليبراليا .
(3) عزمي بشارة، (الشعاراتية الفارغة شعارا فارغا ، جريدة الاخبار، 2/4/2007.
(4) احمد بزون، الطالباني في لقاء مع مثقفين عرب ، السفير، 4/5/2007.
(5) وائل عبد الفتاح، الي كردستان ذهبنا ورأينا ، الاخبار، 12/5/2005.
(6) من اجمل ما قرأته له، بالمناسبة، كتابه الصادر عن دار الآداب عام 2002، وهو بعنوان اناء الالوان. نقله عن الكردية: شاهو سعيد.
(7) السفير، مصدر مذكور.
(8) السفير، 9/5/2007، ص 18.
(9) عبد الرحمن منيف، مجلة الطريق ، العدد السادس، 1997، ص 101.
(10) Laura Rozen, "Kurdistan's Covert Back - Channels,"
www.motherjones.com..
(11) Mohammed A. Salih, "Iraq: UN Report Sparks Uproar in Kurdistan" hp://ipsnews.net/news.asp?idnews-37630.
(12) Andrew Lee Buers, "Kurdistan: Iraq's Next Baleground?" April 12,2007,Time,www.time.com/time/printout.
(13)Husayn Al - Kurdi, "The CIA in Kurdistan", Dec. 1996,
www.zmag.org/zmag/ articites/dec96kurdi.htm.
(14) "A secular Kurd, of great civility and learning".
www.iris.org.il/bt09/archives/2335 - The Great Circle - of - Enmity.html.
(15) Husayn Al - Kurdi, op.cit.
(16) سعدي يوسف، جلال طالباني الي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي 18/2/2005 (
www.rezgar. com).
(17) سعدي يوسف تأطير المثقفين العراقيين في الخارج استعماريا 2/10/2006،
www.saadiyousif.com/syasa/21.html.
(18) الزميل الشاعرعباس بيضون، في كلمة وزعتها علي الانترنت جهات عراقية معارضة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف