جريدة الجرائد

الولايات المتحدة مهددة بفقد الذاكرة الجمعية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ماري - لور جرمون

ترجمة : أحمد عثمان

أصدر الكاتب والسيميولوجي الإيطالي امبرتو اكو لدى دار نشر جراسيه كتابه الخامس والأربعين، وهو مجموعة من المقالات والمداخلات المكتوبة ما بين 2000 و2005 عنوانها: "للتقهقر: حروب ساخنة وشعبوية إعلامية".
وهذا حوار مع المجادل الكبير ...

٭ تناضل ضد خطر الشعبوية التي يتبدى أنها ستربح أوروبا كلها . كيف تشرح هذا؟

- نرتاب من المداولات المبكرة . العودة المزعومة للقوميات - تحديدا في دول أوروبا الوسطى والشرقية - تنساب جوهريا من مسعى انهيار الإمبراطورية السوفييتية. في خضم الإعصار الحالي، ننسى طويلا تاريخا يتمدد على مدى العصور. طلبت من جاك لو جوف، مدير سلسلة تاريخ أوروبا، أن يعمل على نشر كتاب عن ثمن نهاية الإمبراطوريات. هذه المؤسسة كبيرة للغاية بحيث أن أحدا لا يستطيع أن يخاطر بالاقتراب منها، للأسف. كتاب من الممكن أن يكون جوهريا لأجل فهم العالم المعاصر. استمر البلقان، على سبيل المثال، في دفع ضريبة ثقيلة مع انتهاء الإمبراطورية الرومانية. كما أن الشرق الأوسط يكفر عن انحلال الامبراطورية العثمانية. من الضروري أن تكون هناك سنوات قبل أن تتم تصفية حسابات انهيار النظام السوفيتي. نهضت القوميات الغربية من بنيوية أديم الإمبرياليات، بعد صدمة الانهيار، من اللازم إذن توافر أعوام حتى تترسخ الصفائح القومية وتتلاشى أمواج الصدمة .
٭ كتبت في آخر كتبك : "للتقهقر، حروب ساخنة وشعبوية اعلامية" أن هذه الشعبوية لا تتعلق بالشعب، لماذا؟
- ببساطة، لأن هذا الشعب الشهير غير موجود! أو يتعلق الأمر بتعسف اللغة التي تشير إلى شمولية البلد الذي لا نعرف فكره إلا يوم الانتخابات. ليس الشعب الذي يتعلق الأمر به وإنما الناخب، ببساطة كنه إحصائية! تعتمد الشعبوية ليس على الشعب وإنما على العرض المثالي والاستيهامي لاجتماع ربح دليله وحيث أن الوظيفة تتمثل في إيجاد فعله. فضلا عن ذلك، تتجنب الشعبوية، نسقيا، كافة المجابهات الحقيقية مع الشعب. بيرلسكوني لم يذهب إلى البرلمان وإنما أذاع خطاباته عبر وسائل الإعلام. تتمثل الأهمية في أن وسائل الإعلام والمثقفين الفرنسيين لما تعارض "حالة بيرلسكوني" ترفع قبل أي شيء الخشية من أن تتحقق حالة شبيهة في فرنسا. أسمع جيدا أن ساركوزي وسيجولان روايال سوف يتجابهان، مع الانتخابات الرئاسية، حول مهارة التواصل عن المزاحمات المبرمجة. لقد أعطى نموذج بيرلسكوني درسا للفرنسيين!

٭ ترتاب من الإفراط في المعلومات؟

- هذا التضخم الإعلامي بدأ لما كينيدي ربح نيكسون ليس بفضل أفضلية سياسية يقينية، بل بفضل طبيعة مثلى تتميز عن منافس عاجز عن حلق ذقنه! هذه النقطة الافتتاحية لهذه الظاهرة. قبلا، في عالم بدون وسائل إعلام، لم يكن هناك احتكاك بين الشعب وحاكميه. لا يرى الشعب أبدا ملكه سوى مرة واحدة طيلة حياته، عندما يزور أقاليمه. منذ ذاك حينما أنشأت السياسة تتبدى، أصبح ممثلا. أصبح من الصعب أن لا يكون الإنسان الشريف صفقة نظام. اليوم، الساسة احتفظوا بباكورة تصريحاتهم في التلفزة قبل أن يتوجهوا إلى البرلمان الذي مكنهم مع ذلك من تدعيم اقتراحاتهم. هذه بداية الشعبوية. بالتمتع بمزية التجربة الإعلامية، اكتفوا أنفسهم بشعار واحد. أصبحت هذه التجربة إجبارية. رفض إطاعة هذا المنهج يعني إنكار وجوده السياسي. وقع بيرلسكوني على توكيله عندما قال عكس ما صرح به في الصباح. غير أن الزمن الإعلامي سريع بحيث يشجع النسيان. وهذا لمقاومة هذه الظاهرة التي اخترتها لكي أبقى في الجامعة طيلة حياتي، إذ أنها توفر لي مكانا مميزا حيث يثقف الشباب الذاكرة الطويلة، البطء والمعنى الكرونولوجي التاريخي.
٭ معنى للتاريخ أضر حسب رأيك بما وراء الأطلنطي، يتأتى من ناحية المحافظين الجدد تحديدا...
- لم تفهم أمريكا المعاصرة معنى التاريخ ولا الدور الذي يجب أن تضطلع به الدولة القائدة. الأمم المتحدة تقوم، في عصرنا، بتمييز حق الحرب. أفكارها تتمثل في فرض جاذبية الإمبراطورية الأمريكية عبر الصراعات المحلية التي ترد إلى القرن التاسع عشر. تستحم أمريكا المعاصرة في الماضي. تحت إدارة بوش، عالجت الولايات المتحدة مشهدية العودة إلى مرجعية إيديولوجية. شيء رهيب التفكير في أن الحكام الأمريكيين تعلموا، خلال الأربعينيات، على يدي الآنثروبولوجي روث بندكت، الذي حاول فك طلاسم العقلية اليابانية قبل الدخول في حرب معهم. متعلقا بوضع يرجع إلى الإمبراطورية الإنجليزية السابقة، لم يتنازلوا أبدا عن مساءلة المستشرقين الكبار قبل أن يتدخلوا في الشرق الأوسط .

٭ كيف تفسر، بالضبط، هذا البوار؟

- لنفكر مليا في بؤسنا ! لوث فقد التاريخ، مرض الولايات المتحدة، بصورة تدريجية الأجيال الأوروبية الجديدة. لنسأل شابا بريطانيا أو فرنسيا أو إيطاليا من هو رئيس بلدهم في الخمسينيات، سيكد ذهنه في الإجابة، على عكس أبناء جيلي! تجلب المدرسة الى التلاميذ رؤية تتابع الأحداث. المثير للقلق أن هذا يستمر حتى الكلية. في قسم الفلسفة بجامعة برنستون، حذر زميل جامعي طلبته أن الدخول الى قسمه "ممنوع على مؤرخي الفلسفة". هذا كل شيء! بالنسبة للأمريكيين، في استيهامهم عن رؤية العالم الما قبل عدمي، من اللازم استدعاء الكلام السابق، الحكمة السابقة، وهي روح أوروبية. بالمثل كما مذاقنا للتاريخ. الولايات المتحدة مهددة بفقد الذاكرة الجمعية. وبالانطلاق، من إخفاق الموسوعات، أي جملة المعرفة التي - في كل المجتمعات - تحتل وظيفة ثنائية: وظيفة الحفاظ على الذكرى وترشيح الحكاية التي لا تحفظ ألبتة سوى التاريخ. سيطرة الانترنت، الممثلة في عناصر غير مرتبة، تؤكد فقد المنظور التاريخي. ومع ذلك، شمولية المعلومات خطيرة : كشف بورخيس عنها في "فوينس أو الذاكرة" لما أشار إلى إمكانية الموت من هياج الذاكرة، إذ أن فائض الذاكرة يجعل الحياة لا محتملة.

٭ تستغل الولايات المتحدة الحياة الثقافية الثرية والمتشعبة!

- لكن هذه الانتلجسنيا لا تمتلك أي سلطة! أنها موجودة في جيتوهات مرفهة هي حرم الجامعة. أبدا لم يتدخل الجامعيون في صفحات النقاش بالصحف. وحينما يقررون الدخول إلى السياسة، يكفون مجددا عن أعمالهم الأكاديمية، كما جرى مع بريزنسكي وكيسنجر. علاوة على ذلك، أقرت فضيحة جونتر جراس "انضمامه إلى الشرطة السرية النازية، المترجم" الوعي القومي الغير قابل لوجوده في الولايات المتحدة. في أوروبا، حينما يوقع المثقفون على بيان، إذا لم يعمل به، فانه على الأقل لا يمكن تجاهله.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف