بوابة تصدير الفوضى بين العراق ولبنان
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عاطف الغمري
تتجاوز الأحداث التي يشهدها لبنان حدوده كوطن، حاملة رسالة إلى بقية الدول العربية، بأن شكلا متغيرا للإرهاب عابرا للحدود، بات يتربص بالجميع.
لقد كشفت ظاهرة تنظيم ldquo;فتح الإسلامrdquo; وصدامها بالدولة في لبنان، عن الحدود المفتوحة بين العراق وبين الدول العربية المجاورة، وظهر أن بعضا من العناصر التي تلقت تدريبا على القتل والقتال وتجهيز المفخخات وتفجيرها، في ميادين نشاط تنظيم القاعدة في العراق، تخرج من هناك وسط موجات اللاجئين الذين يغادرون العراق بالآلاف في كل موجة به حتى وصل عدد اللاجئين إلى الدول الأخرى الآن إلى نحو المليونين.
ومثلما تتفق تقارير مراكز أوروبية وأمريكية، عكفت على رصد هذه الظاهرة، على أن الفوضى المنتشرة في العراق، التي كانت قد أصبحت مركز جذب للإرهابيين خصوصا من تنظيم القاعدة، قد تحولت إلى مركز تصدير للإرهابيين إلى الدول العربية المجاورة، وهو ما كشفته تفاصيل علاقة تنظيم ldquo;فتح الإسلامrdquo; بالقاعدة.
وقد استطاعت القاعدة - عن طريق حملات إعلامية مكثفة تضليل كوادر عديدة من مختلف الدول العربية، بإقناعهم بأنها تقود حرباً تكفيرية لمصلحة الإسلام والمسلمين، على صعيد أن نشر الفوضى هو قضية القاعدة الأساسية، ومحور عملها من خلال إثارة الفتن بين المسلمين وبعضهم البعض، وشن هجمات على مواقع دينية إسلامية، بدأت بتركيز الهجمات على الشيعة ثم تحولت إلى السنة، حتى تظل نار الفوضى مشتعلة لأن مثل هذه البيئة هي التي تساعد على استمرار بقائها في العراق، وكانت آخر الشواهد على ذلك ما أعلنه مجلس ائتلاف العشائر السنية في منطقة العامرية غرب بغداد، من انهم اضطروا إلى مقاتلة تنظيم القاعدة الذي دأب على قتل أهلنا، بينما يزعمون أنهم جاؤوا إلى العراق لمقاتلة الأمريكيين.
ومنذ الغارات الأمريكية المكثفة على تنظيم القاعدة وهيكلة التنظيم وشبكة اتصالاته الداخلية والدولية في أفغانستان عام 2001 تحول أسلوب عمل التنظيم إلى اللامركزية، تاركا للخلايا المحلية القائمة والمستجدة، في كل بلد التصرف حسب ظروفه، وبقي أكثر ما يربط هذه الخلايا بالقاعدة، هو الرابطة الأيديولوجية، القائمة على تبني فكر القاعدة التكفيري.
وكانت أحداث نهر البارد في لبنان قد أكدت هوية ldquo;فتح الإسلامrdquo; وارتباطه التنظيمي بالقاعدة، فبعد إلقاء القبض على 37 شخصاً من المتورطين في أعمال إرهابية وإحالتهم إلى محكمة عسكرية، تبين من التحقيقات أن أحدهم كان حلقة الصلة بين القاعدة في العراق وrdquo;فتح الإسلامrdquo; في لبنان، وأنهم جميعا ضالعون في مؤامرة لنسف أنفاق وجسور ومقار لبعثات دبلوماسية، والهجوم بسيارات مفخخة على أكبر فنادق بيروت، ذلك لإثارة فوضى داخلية عامة، تسمح ل ldquo;فتح الإسلامrdquo; والعناصر الأخرى المرتبطة بالقاعدة، بأن تختلق لنفسها وجودا في لبنان، يقترب من شكل وجودها في قلب فوضى العراق.
وقد تبين أن ldquo;فتح الإسلامrdquo; لا تعتبر تنظيماً فلسطينياً بالمعنى المعروف، فقضيتها الأساسية، ليست القضية الفلسطينية أو النزاع العربي ldquo;الإسرائيليrdquo;، وأن أفرادها خليط من جنسيات عربية متعددة.
وضمن مؤامرة تفتيت لبنان وإغراقه في الفوضى، أعدت ldquo;فتح الإسلامrdquo; خطة تقضى بإعلان إمارة إسلامية في طرابلس ومناطق أخرى في الشمال، يرأسها زعيم التنظيم شاكر العبسي، بعد أن يتيح لها جو الفوضى، اقتطاعها من تحت يد الدولة وفرض السيطرة عليها، على أن تساندها مجموعات من القاعدة كانت قد تسللت إلى لبنان، بتفجيرات تتوزع في مناطق من بيروت وغيرها، في نفس توقيت إعلان إمارة ldquo;فتح الإسلامrdquo;، لكن أجهزة الأمن اللبنانية تمكنت من إحباط هذا المخطط، بعد اعتقال أعضاء التنظيم، إثر تنفيذهم تفجيرين في سيارتي أتوبيس.
إن ما جرى في لبنان، قد كشف عن تحول في أسلوب عمل الإرهاب اعتمادا على ما أتاحته له فوضى العراق من مركز لتصدير الإرهاب، بتسلل عناصر عربية تحمل جوازات سفر مزورة، والعمل على زرع خلايا ارهابية في الدول المجاورة، وتركها تتمدد وتنتشر مثلما فعلت ldquo;فتح الإسلامrdquo; في لبنان، عندما دخلت عناصرها في فترة الحرب ldquo;الإسرائيليةrdquo; على لبنان في يوليو ،2006 إلى مخيم نهر البارد في إطار تنظيم ldquo;فتح الانتفاضةrdquo;، ثم قيامها باختطاف مقار هذا التنظيم، وأمواله وأسلحته في مخيم نهر البارد، وإنهاء وجوده لتحل ldquo;فتح الإسلامrdquo; محله، ثم التنسيق مع تنظيمات أخرى مشابهة فيما أطلق على بعضها اسم الخلايا القائمة، لدعم مؤامرة نشر الفوضى.
وهذا التوجه يمثل اعتداء خارجيا على سيادة الدولة حتى وان تم من الداخل وهو بمثابة إعلان الحرب عليها. تتولاه زمرة من أفراد، لا يحمل معظمهم جنسية الدولة المضيفة، لكنهم من جنسيات أخرى، حتى ولو كانت جنسيات عربية، إلا أنهم انتهكوا كل المعايير القانونية والأخلاقية، واعتدوا على كرامة الدولة وسيادتها، وإذا كانت ldquo;فتح الإسلامrdquo; في لبنان هي التعبير عن هذه الظاهرة، فإنها كشفت عن أنها ليست ظاهرة تخص لبنان وحده، بل إنها مقدمة لما يستهدف الدول العربية عامة، حاملة رسالة مشبوهة لنقل الفوضى وتصديرها من العراق، إلى بقية العالم العربي.
وهذا يعنى أن ما جرى في لبنان لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشكلة داخلية، يكتفي العرب الآخرون بالفرجة عليها، بل يجب أن تكون النظرة إليها شاملة جميع أبعاد الظاهرة واحتمالات انتقالها إلى غير لبنان.