جريدة الجرائد

السَّائد الشّيعيّ في لبنان: دعوة إلى التَّروي في تشكيل الموازي

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


هاني فحص



في لبنان، التَّعدُّدي، دينيّاً ومذهبيّاً، وثقافيّاً إلى حدٍّ ما، دائماً كان هناك سائدٌ طائفي أو مذهبـي، إسلامي أو مسيحي، شيعي وسنـي ودرزي، مارونـي وكاثوليكي وأرثوذكسي، كلُّ في وسطه مع مساحات مشتركة ونقاط تداخل، ولكن هذا السَّائد المتجذِّر والمهيمن يغري بمخالفته الّتي حصلت بأشكالٍ متعدِّدة، كانت الأحزاب أحد أهم تعبيراتها، من الأحزاب القوميّة العربيّة والسُّوريّة إلى الأحزاب اليساريّة واليمينيّة.

ولكنَّ المفارقة أنَّ هذه الأحزاب الّتي يفترض أن تكون ناتجة عن اعتراض على السَّائد الطَّائفيّ أو المذهبـيّ، كان كثيرٌ منها متحدِّراً منه، لا ليطوِّره بل ليعود به إلى ما دون الطَّبيعي والاجتماعي، بحيث أنَّه، وبعد التَّجربة، تبيَّن لنا أنَّه لو تركت الطوائف على سيرورتها الذَّاتيّة، لما كان لبنان وقع في ما وقع فيه من مآسٍ وفتن واستنفار طائفيّ ومذهبـيّ، بلغ الآن ذروته الّتي تهدِّد بتدمير كلِّ شيء في الوطن والدَّولة والاجتماع والاقتصاد والعمران والثَّقافة الخ...

وقد انطلت علينا طويلاً طروحات وخطابات الأحزاب القوميّة الّتي تبيِّن أنَّها مسكونة بهاجس السُّلطة، ما جعل علاقتها بالمكون الدِّينـيّ والمذهبـيّ، علاقة ذرائعيّة ومن دون ضوابط، فهي مرَّة تتذرَّع بالدِّين والمذهب لتخلخل بنيات الجماعات الدِّينيّة وتستقطبها، ومرَّة تتذرَّع بشكلٍ مباشر أو مداور، بباطنها المذهبـيّ، لتقيم حالها على مذهبيّة ما موشاة بخيوط من مذاهب أخرى. ولكنَّها لا تشكِّل لحمة ولا سدى للقماش الحزبـيّ.

هذا كان في فترات كان السَّائد الدِّينـيّ والمذهبـيّ فيها قد أخذ يرتخي من دون أن يكون مهدَّداً بالزَّوال، بل وربَّما استثمر مفاصل معيَّنة في التَّاريخ الوطنـيّ أو القوميّ، ليستقوي بها، فكانت الثَّورة المصرية والسَّد العالي والعدوان الثلاثي على مصر والوحدة المصريّة السُّوريّة مثلاً لا حصراً، محطات عاد فيها القوميّ إلى الدِّينـيّ لشحذ الهمم، وعاد الدِّينـيّ فيها إلى القوميّ، ليطرح سؤالاً طالما طرحه المسيحيون في لبنان وفي مقدمتهم ودائماً بيار الجميل حول العروبة والإسلام وإذا ما كان هنا فرقٌ بينهما.

ولكنَّ هذا وغيره لَم يمنع أن يكون السَّائد الحقيقي ـ الإسلامي أو المسيحي أو المذهبـي ـ في حالة تحدٍّ بسبب أطروحة الدَّولة الحديثة الّتي تركبت على طموحات غربية ومعطيات وحيثيات وطنية منسجمة ظاهراً ومتعارضة واقعاً، فظهرت الدَّولة الحديثة وكأنَّها مشروع لإقصاء أو حصر للشأن الدِّينـيّ في إطاره الفرديّ الذَّاتـيّ، تحقيقاً لِما التقى عليه الفكر الليبرالي مع الفكر الماركسي، وإن من منطلقات مختلفة حول الفرديّة الدِّينيّة الّتي قمعت في التَّجربة الشّيوعيّة وهمشت في التَّجربة الليبرالية، وأشكلت في التَّجربة العربيّة والإسلاميّة وكان أن وصل مشروع الدُّول الحديثة أو مشاريعها لدينا إلى الحائط المسدود، فتحقَّقت سلطات شبه حديثة من دون أن يكون هناك دول لا حديثة ولا قديمة.

خصوصية الجانب المسيحيّ هنا، أنَّه حصلت مبالغة في المماهاة بين المسيحيّة والغرب، فترتب عليها تصوُّر أو تصديق بأنَّ السَّائد الغربـي هو السَّائد المسيحيّ عيناً وأثراً، لينكشف تالياً أنَّ علاقة الغرب بالمسيحيّة في الشَّرق ذرائعية ومحكومة بأنظمة مصالح غربية مئة في المئة... وإلاَّ فلماذا لَم تنهض البلاد الشَّرقيّة أو الجنوبيّة، في مقابل الغرب أو الشِّمال، ذات الصَّفاء المسيحي أو الغالبية المسيحيّة، وهي كثيرة كما هو معروف ومنتشرة من آسيا إلى إفريقيا بينما تقدَّمت اليابان.. الّتي ليست مسيحيّة، وتقدَّمت أخيراً آسيان من ماليزيا إلى أندونيسيا إلى تايلاند وكوريا الجنوبيّة وغيرها؟

في المحصلة، عاد السَّائد، على إيقاع الفشل الحداثي، في الدَّولة والاجتماع والسُّلطة والإنتاج والثَّقافة، وبعد توالي النَّكسات والردِّ عليها بما يعمِّقها ـ الانقلابات العسكريّة والحكم العسكري ـ من عام 1948 إلى مأساة غزة والضَّفة الآن مروراً بالعراق واليمن السَّعيد الخ...

والآن... الآن... مع الاصطفاف الطائفي في كلِّ مكان، ومع الدَّم الطائفيّ والمذهبـيّ اليومي، الفعلي والموعود، من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى جاكرتا.
أليس هناك سائدٌ درزي، وهل يخلُّ بكونه سائداً، أنَّ هناك اعتراضات حقيقية أو مفتعلة عليه في الوسط الدرزي، خاصَّة أنَّها ـ أي الاعتراضات ـ حزبيّة أو سياسيّة تدخل في نطاق الصِّراع على السُّلطة في الوسط الدرزي وعلى إدِّعاء بأنَّها أحرص على السَّائد الدرزي من غيرها؟

أليس هناك سائدٌ سنـيّ كذلك لَم يظهر في فترات سابقة لأسبابٍ تعود إلى الاستقرار السُّنـيّ في لبنان بمفعول اتِّصاله العضوي بالعمق السُّنـيّ العربـيّ والإسلاميّ، من دون أن يخلو الأمر من تعدُّديّة سنيّة تتنافس أو تتصارع تحت سقف ذلك السَّائد وليس في مواجهته؟

طبعاً.. أصبحت المعادلة السُّنيّة الآن أشدُّ تعقيداً أو غموضاً وخطراً مع انتشار الأصوليّة والتَّطرُّف في الوسط السُّنـيّ والّذي يجعله اضطراب مسألة المرجعيّة الدِّينيّة لدى السُّنَّة، أمراً يصعب الوصول السَّريع إلى حلٍّ له ما يجعلنا ننتظر تطورات الصِّراع العسكريّ بين الأصوليّة وخصومها في الدَّاخل والخارج.

إنَّ المشهد الأصولي السُّنـيّ لا يخل بصدقية سيادة السُّنـيّ التَّقليديّ وإن تعدَّدت اتِّجاهاته واختلفت، تحت سقفه. غاية الأمر أنَّنا أصبحنا أمام لوحة من التَّعدُّد السُّنـيّ، كما هي حالنا مع التَّعدُّد المسيحيّ في لبنان. يدخل في هذه اللوحة اللون الأكثر اتِّساعاً الآن ولأسبابٍ قد تستمر وقد تنقطع، تجمعات سنيّة لبنانيّة، جهوية، على سلبية تجاه تجربة الشَّهيد رفيق الحريري الّذي سبق الزَّعامات السُّنيّة التَّقليديّة كثيراً، فخشيت من الاستلحاق فاعتصمت بعصبياتها الموروثة ودخلت في علاقة مع سائدٍ سياسيّ غير سنـيّ، ما يقويها حالياً ويضعفها في العمق، مع عدم إمكانها أن تستثمر مظاهر قوَّتها المستعارة بقرار مستقلّ.

هذا الكلام لا يعني أنَّ السَّائد الشِّيعيّ المركَّب من المذهبـيّ والدِّينـيّ والقوميّ، والّذي يبتعد ويقترب من الوطنـيّ الكيانـيّ من دون أن يستقرّ معه على حال، لا يعني أنَّ هذا السَّائد غير ضاغط على الجماعة الشِّيعيّة وغير مانع لإنتاج سائدٍ موازٍ شيعياً، ولا أنَّه ضاغطٌ على الجماعة الشِّيعيّة والوطن والدَّولة أكثر من غيره بكثير، ولا أنَّه غير مستقوٍ بخارج قريبٍ أو بعيدٍ، شأنه في ذلك، شأن كلِّ القوى الوطنيّة الّتي تعطِّل ولو جزئياً آليات اشتغالها الدَّاخليّ فتصبح امتداداً للخارج.

ولكلِّ ما ذكرنا في الشَّأن الشِّيعيّ هنا، أسبابٌ لا يجوز إنكارها، تمتدُّ من إسرائيل المحادة والاحتلال الّذي زال وما زال يهدِّد خاصرة لبنان في الجنوب ذي الثِّقل الشِّيعيّ بشرياً، والمقاومة الّتي لا بُدَّ أن تستمرّ، ولكن إن لَم تتغيَّر أشكالها وأنماط علائقها بالدَّولة والمواطن، فإنَّها تحكم على نفسها بالنِّهاية، والتَّحرير الّذي أنجز على شبكة من المعطيات الوطنيّة مكنت الشِّيعة من أن يكونوا في المقدِّمة من دون افتئات، وكان ينتظر أن تكون ثمراته وطنيّة محسوباً فيها بدقة نصيب الشِّيعة بمعناه الوطنـيّ لا المذهبـيّ.

إلى ذاكرة الغبن والتَّهميش، الّتي يفترض أنَّ ما تبقى منها هو القليل بعد المتحوِّلات الّتي بدأت مع الإمام الصَّدر، ومرَّت بالثَّورة الإيرانيّة، واستقرَّت في المقاومة والتَّحرير والدُّخول القوي في عمارة الدَّولة. وما تبقى من هذه الذَّاكرة أو الواقع لا علاج له إلاَّ بالدَّولة، الّتي لَم تتحقَّق حتَّى الآن، بل بات ما كان يتحقَّق من بنيانها بعد الحرب، مهدَّداً بالزَّوال، إن لَم تعمد كلّ القوى القادرة في لبنان إلى تجسيد قدراتها في بناء الدَّولة، بدل استثمار ضعف الدَّولة من أجل تنمية هذه القدرات أو التَّذرُّع بهذا الضّعف للاستنكاف عن بناء الدَّولة.

وإذا ما كانت المسألة بهذا التَّركيب والتَّعقيد الإشكالي، فهل من المنطقي تبسيطها وطرح حلول متسرِّعة لها، مِمَّا يؤدِّي قهراً إلى مزيدٍ من التَّعقيد ويبعدنا عن الحل المرحلي فضلاً عن الحل النِّهائي، الكامن بخفاءٍ شديد في مدى غير منظور، وفي أفقٍ ملبَّد بحربٍ كونيّة جارية بشكلٍ جديد ومختلف عن الماضي؟

في تقديري أنَّ اللّحظة الرَّاهنة لا تحتمل المغامرة، بأيِّ مشروعٍ شيعيّ بديل أو موازٍ للمشهد الشِّيعيّ الّذي يشكو من الاختزال الّذي نشكو منه، من دون أن يكون أمراً شيعياً حصراً، وإن كان شيعياً بامتياز ولأسبابٍ لا يجوز أن ننكرها حتَّى لو أصرَّت الشِّيعيّة السِّياسيّة على المبالغة فيها من أجل ترسيخ حالة التَّعصيب الشِّيعيّ، الّتي لا شكَّ في إيجابيّة مردودها على الشيعية السِّياسيّة الآن، ولكنَّها وعلى المدى الطَّويل، وعلى تقدير انسداد أفق الحل والتَّسوية، وعلى تقدير انفتاحه وتحقيق التَّسوية، سوف تتحوَّل إلى عبءٍ باهظ على الشيعية السِّياسيّة وعلى الشِّيعة عموماً، ما يعني أنَّ التَّسوية، كما هي دائماً، في مصلحة الجميع.

إنَّ اللّحظة الرَّاهنة، تحتمل مشروعاً وطنياً لا طائفياً ولا مذهبياً، يطوِّر البداية الاستقلالية ميثاقياً تماماً كما هو في الطَّائف، على أن لا يكون نهائياً إلاَّ بمعنى إبقائه مفتوحاً على الإنجاز الدَّائم بالتَّسوية الدَّائمة طبقاً للمتغيِّرات والمستجدات ومن دون كيديّة أو توهم إمكان الغلبة المطلقة لاتِّجاه على اتِّجاه أو طرفٍ على طرف أو طائفة على طائفة، ما يترتب عليه لاحقاً ودائماً انكسارات على الغالب والمغلوب معاً، وعلى الغالب أكثر من المغلوب دائماً.

هذا المشروع يقتضي أو يسمح بحضورٍ شيعي مساوٍ أو موازٍ للتطوُّر الّذي حصل في دور الشِّيعة في لبنان. وفي حيثيات هذا المشروع هناك داعٍ وفرصة للعناية الخاصَّة والمركزة بالشَّأن الشِّيعيّ لحرارته، وحيويته، كالعناية الّتي أوليت للشأن المسيحيّ، أيام سيادة لغة الإحباط المسيحيّ، حيث شاركت جهات ورؤى إسلاميّة في المعالجات الفكريّة والعلائقيّة المنظمة للشأن المسيحيّ.

وفي كلِّ الأحوال فإنَّه ربَّما كان الأجدى أن نتروى لنرى ما تؤول إليه الحال في لبنان، فإن كانت إلى تسوية فإنَّ التَّوتر سوف يتراجع والتَّراص في الصفوف المصطفة سوف تحدث فيه انفراجات من دون تصدُّع لا تُحمد عقباه، ويجب أن نكون جميعنا حريصين على تفاديه لدى الجميع... وحينئذٍ سوف يكون بإمكان الصَّوت الشِّيعيّ المختلف أن ينطلق وأن يكون أعمق وأعرض وأبعد مدى وصدى من دون أن يكون رهناً للتشويش أو المصادرة. أمَّا إذا انفجر الوضع في لبنان ونرجو أن لا ينفجر لأنَّنا انفجرنا قبل انفجاره، فإذا انفجر فسوف تتفجَّر شظايانا.

إذا انفجر الوضع، قد يصبح الصَّوت الشِّيعيّ المختلف في حِلٍّ من مخاوفه، لأنَّه قد يرتقي في رفعه وحضوره إلى مستوى الضَّرورة، انتظاراً إلى ما يؤول إليه الصِّراع الدَّاخليّ عادةً، من تآكل، لتعود الدَّولة، بالضَّرورة الدَّاخليّة والإرادة الخارجيّة لتتركَّب وتصبح الحاجة ماسّة إلى حكماء معتدلين وسطيين أقوياء قولاً وحجَّةً وإرادة وظهيراً، لا ليحتكروا أو يختزلوا مرَّة ثانية، بل ليؤسِّسوا لشراكة داخل الجماعة ومع الجماعات الأخرى.

ليست هذه دعوة إلى تعطيل الحوارات والتَّجمعات، بل هي دعوة إلى تعميق الحوار، من أجل تحويل التَّجمعات من لقاءات لمجموعات من السّلوب المختلفة والمتعارضة والمتناقضة، والّتي لا يكفي لقاؤها على السَّلب تعطيلاً لتناقضاتها الّتي قد تنفجر عاجلاً أو آجلاً، ما يجر الخيبة واليأس من أيِّ مشروع مختلف عن السَّائد. والحل هو البحث أو الشَّراكة العميقة، بعيداً عن الهواجس الذَّاتية، أو مع تغليب الموضوعيّة بنسبة عالية ومجزية، من أجل الاستقرار على أطروحة تجمع المرونة إلى التَّماسك، ويحملها من يعتبرها أطروحته مستعداً لتطويرها باستمرار، ويستقيل منها في أوَّل الطَّريق من لا يراها كذلك حتَّى لا يصبح كثيرون عبئاً عليها.

وهذا قد يكون مطلوباً في كلِّ الطَّوائف وإن كان مطلوباً بشكلٍ أعمق إلحاحاً وأقلّ عجلة في الوسط الشِّيعيّ.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف