كتاب يروي سيرته: سمير جعجع من الولادة إلى الولادة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
كتاب يروي سيرة قائد القوات اللبنانية
يقظان التقي
يحكي جوزيف وديع الشرتوني القصة الكاملة لسمير جعجع، من الولادة إلى ... الولادة، سينشر تفاصيلها بقصص معروفة ومجهولة ويحكي بلهجة قدرية مراحل تلك السيرة والمسيرة من الولادة والشباب إلى النضال مروراً بالحرب والسجن في اقصى الحلم، وأقصى الحرية.
كتاب ضخم عن شخصية صارت ظاهرة سياسية، لم يضاهها أحد يتحمل اعباء السجن الأمني المخابراتي، ومع ذلك بقي واقفاً، عاد يتحرك مجدداً، بمعيارية وفاعلية وشرعية وطنية جامعة واحدة، وبأدوات متحررة أكثر.
انه "هو.. سمير جعجع" عنوان الإصدار شخصية يحاول المؤلف ان يجسدها ملمحاً وقسمات وأفكاراً من صور متكاثرة من الولادة، وبتقاطعات متعددة، متناقضة، وواضحة في آن، ليتعامل معها في مراحلها، ومرحلة ما بعد السجن هي المرحلة التي يمكن التعامل معها أكثر.
لكنها المرحلة التي تستمد أبعادها من السجن، وتنسجم مع روح المقاومة نفسها إبان المرحلة "النضالية" او مرحلة السجن. وهي روح واحدة لم تتبعثر ولم تتأثر مع سرعة التحولات والتنافرات التي تحيط بالساحة السياسية المحلية على المستويات كافة.
هي مسيرة سمير جعجع، ليست واحدة حصيلة تنافرات وتناغمات مسيرة بعلامات مختلفة وبمستويات من الأفكار والايديولوجيات والاتجاهات والتحولات والحيز المتاح والوقت والسجن والحلم.
كلها مراحل للعبة مقاومة وحرية صارت أكثر تصورات وجودية لكيان لبناني تحت ضوء الشمس.
لعبة حياة ان يصوغ الانسان مصيره ويتمرد على ما سبق من عهد وصاية ومخابرات أمنية وأجهزة امنية ويرفض ما يراه سلطة ثابتة او قدراً محتوماً.
إنها الحرية التي تصنع الانسان والانسان الذي يصنعها، وهي تتحرك في اختبار الذات والآخر. الذاتية الرافضة الظلم والتهميش وعهد الوصاية وبهذا هي انتصار لخلاص الوطن وحرية الجماعة.
ولادات
اوراق الكتاب تمشي في فصول من كاتدرائيات مغلقة وأمكنة مغلقة. وافكار متباعدة، الى بدايات أخرى وولادات أخرى وجودية، متصوفة أكثر، شعبية أكثر، من ذلك الالتزام الوطني والحزبي والرسمي والشعبي حول مفهوم الدولة الوطنية الواحدة.
رحلة التناقضات من نحو 800 صفحة من القطع الكبير يتبدى مع جعجع على امتداد هذه المسيرة في نقاط وخطوط متعرجة، متقطعة، قلقة، متنافرة وأخيراً مقنعة مع ذلك الانفتاح الخصب والحيوي والحديث المنخرط في القفز فوق الأفكار السابقة الى فقرة واحدة واضحة. فكرة بناء الدولة مبرزاً في بناها المقاومة الاسطورية المتسعة المتلاحقة. هذا الحراك المتوفر في الشخصية على عتبات وفي الماراتون الأخير لانجاز استقلال لبنان يصير أكثر كتاب في صلب الشخصية، في جلدها مادة تاريخية وميتافيزيقية الى مادة فكرية بأفكار مسبقة وأخرى جاهزة!
تنطوي في فصول الكتاب ملامح كثيرة من قصة القوات اللبنانية وسمير جعجع واحداً من كوادرها وبشخص الحكيم لاحقاً تحت سقف الطائفة التي بذلت الكثير ليبقى لبنان الى جانب ابناء الطوائف الأخرى، وان كلاً يقاوم على طريقته وهو يؤمن ان حبه هو لبنان أولاً وأخيراً.
لقد ضحى من ضحى واستشهد من استشهد وتهجر من تهجر وسجن من سجن ونفي من نفي وكله بالمبدأ من أجل لبنان، لكن بالضرورة الأمور قد تكون متغايرة لكن مراحل القوات اللبنانية تقول هذا. ضحى كثيرون، ضحى من ضحى، وتهجر من تهجر، وسمير جعجع ذهب الى السجن، ذهب بعيداً في السجن، ذهب أبعد من تصور الكثيرين في زمن الانقسام والتفرقة والتشرذم، وكاد يصير معدوماً، كاد الوطن كله يصير معدوماً لولا ارادة اللبنانيين بالتحرر من ربقة الوصاية السورية وبانجاز استقلالهم وسيادتهم وبمعايير واحدة وطنية شرعية وذات فعالية وبمعايير المسؤولية الوطنية الشاملة التي تطوي تلك المراحل السوداء من زمن الوصاية.
انه... سمير جعجع اذاً، بريق شخصية نافذة لدى من يحبها ولدى من يكرهها، تحمل بريقاً طويلاً، صار يجمع بين الذاكرة والتاريخ، والنضال والفكر والسياسة والفلسفة وبالمعايير السياسية الراهنة تندرج واحدة من ذلك البريق الوطني في هاجس الحرية.
هي سيرة ذاتية تحت قلم المؤلف واكثر هي حكاية وطن، قطعة ارض من العالم، مسرحاً لأحداث من هنا وهناك، تتباعد وتتقارب لتصوغ ما يشبه الحوارات، ومرماها ابعد من السجن... يقيم المؤلف جوزيف الشرتوني في مقدمته "الإهداء" وبنفس شاعري غنائي في جلد شخصية الدكتور سمير جعجع، يتنفس عاطفة على صفحات الأولى المقدمة او ما يشبه التمهيد لمقدمات ثلاث كتبتها ماري ابو نجم سلوم زوجة عادل رزق الله سلوم الذي استشهد في العام 1975 في البترون وهو كتائبي، ووداد منسى في كتاب مفتوح الى الوطن، ورنا بطرس خوند ابنة المخطوف بطرس خوند في لغته الى الحرية المسلوبة. معاناة شبه معاناة المئات من اللبنانيين الذين ما زالوا أسرى في السجون الاسرائيلية ومثلهم عشرات أو أقل مسجونون في السجون السورية وفي الحالتين لبنان بلد تعيس لأن قضيته هي قضية النضال والاستقلال والحرية في مواجهة عدو هو اسرائيل وجار شقيق قريب هو سوريا يريد لبنان بأي ثمن الاستقلال عنه.
هذا يصعب الأمور كثيراً على البلد الصغير، ويجعل مسألة الحلول الجذرية والمفاجئة والسريعة أمراً ليس بسيطاً ومعقداً كثيراً.
ايجابي
يقول شرتوني في تقديمه:
"قد يأخذ بعضهم على الكتاب رؤيته سمير جعجع من المنظار الأيجابي، يفهم سمير جعجع حسابات لم تصب في مواقع عديدة، واخطاء اعتذر بنفسه عنها، لكن النظرة التي تغلف الكتاب تستند الى مرتكزات واقعية طبعت فيها مفاصل عدة عاشها جعجع عبر سنوات اتسمت بعناوين متداخلة كان لزاماً تفسيرها، كي تأخذ حقها من التوضيح. فاتهامه لدى البعض باغتيال النائب طوني فرنجية واعتبارهم انه رجل الانتفاضات العسكرية وصاحب الاقدام التهجيرية اعتقاله تحت حجج واهية كانت حاضرة جوهرياً لترسيم واقع من كان ليرسم لو استقل سمير جعجع قطار دولة الوصاية حينها، وسكت عن تجاوزات وسلوكيات ومواقف الأجهزة الأمنية المخابراتية والتغاضي عن مسؤولياتها عن كل الشوائب والتجاوزات التي كانت تحصل...".
ويشير الشرتوني الى ان محاولة اصدار الكتاب تعود الى العام 1994، الى أن اطلق الكتاب من جلده، من صلب صاحبه من الولادة الى الولادة.
في الفصل الأول، "كتابات في الحكيم" هي اقرب الى بورتريه ورسم بالكلمات، ملامح وقسمات محسوسة وموصوفة، ولكل صورة مشهد محسوس، حافل بمعان ومشاهدات في المعنى الذي يتمنى المؤلف ان يصل الى من يقرأ الكتاب وفيها اي المعاني اشياء من معنى الخلاص، الذي ينتهي بخلاص الوطن من جحيم الوصاية والخيبات السياسية والأمنية.
"أحياناَ يحتاج سمير جعجع لأن ينجو "من غرقه في سجون الآخرين من هواجسه بشؤون ناسه ومؤيديه... لا يحبذ الحياة الرمادية يضج ابداً بشحنات وطاقات العمل والعنفوان".
ليست اسطورة التي تقول إن الحياة لا تنطفئ كأن الزمن يلف خيوط بكرة كالتاريخ ليروي سيرة شخصية تذهب باتجاه ابواب يحرسها الله: ينقل المؤلف عن غسان تويني قوله في سمير جعجع: "ليس بامكاني في كل دقيقة ان اعثر على زعيم استطيع ان اناقشه في الفلسفة والماورائيات كسمير جعجع، بحيث دار حوار بيننا في الذكرى الاحتفالية لمرور سنة على استشهاد الحريري ورغم ضيق الوقت... فالحكيم يعتقد ان التاريخ كله من صنع الله، بينما لا اعتبر أنا كل التاريخ من صنع الله...".
السجين الحر
سمير جعجع هو الذي استمر في السجن سنوات، مما جعله كأنه خارج الحياة... ارادة ان يعيش في الظلام، ان يتلكأ في الظلام، ان يغدو غريباً، لكنه يفاجئهم بحفنة اضواء بطاقات تنفجر ولا ترى، تصوغ حكايتها بين غياب وحضور، وفي السجن وعلى ايقاع الحياة المرتعش، يرتبك الخيط الخفي بين الحياة والموت كأن في منفى السجن نسيجاً آخر من اللحم الحي لعالم لا ينطفئ، وللجدران ابواب وهناك اصوات وهناك من يحرسها من الداخل ليبعد اماكن الوجع.
عالم السجن عالم ينظر ويرى الى اماكن الوجع الأخرى، هناك على الساحة الصغيرة المقفلة كان المسرح اخراجاً رسمياً بالظلال والجسد لقدر جعجع وعذابات يرقع بها ثقوب الجسد ليلبس قصة البلد، والرهان على جدار شريك في استثمار الحرية وليستقبل لقاء الوطن اياً كان وجهه.
البشراوي
ولد سمير جعجع في حارة المجادلة ـ الشياح قضاء بعبدا في بيت تكون من غرفة واحدة وهو الابن الثاني لعائلة كبيرها جوزيف واصغرها الابنة نهاد، وقد عمل الوالد رقيباً في الجيش اللبناني، فكان عازف ترومبيت في فرقة موسيقى الجيش في حين عرف من والدته شدة ايمانها ومواظبتها على الصلاة وحضور القداس بصورة دائمة وممارسة كافة الطقوس في جو مفعم بالتقوى والايمان. اما بشري فكان سمير جعجع يزورها ايام الصيف والعطل المدرسية.
البيت في بشري كان بيتاً قديماً، سطحه تراب وحيطانه من اللبن والتبن والحجارة.
"سمير جعجع بنى لنفسه مع بشري علاقة خاصة، فكانا توأمين لا ينفصمان. أكسبته الكثير، وبدا معها مشدوداً نحو لغة التلاقي، وتواجدت فيه كنفسه.. علاقة سميرجعجع ببشري، فعل انتماء، وطبيعة واحدة، ونظرة من أعالي القرنة السوداء على اللامحدود، لبنان والتراب والصخر، والريح والشمس، والجبل والبحر، والثلج الأبيض، والهواء النقي.
جبال تعلوها لتبلغ الذروة، ليس أوّلها القرنة السوداء، وبين أودية لها امتداد البحر والعمق وليس آخرها وادي قاديشا.. هذه العلاقة تضفي على إنسانها "الديناميكية" بتفوق مجموعة الطبيعة الحالمة (العاصفة، الريح، الثلج، المطر، المياه) وكلها تمتاز بحركة فوقية لها صفة الهبوط من أعلى نحو الأسفل.. وهكذا بدت المعطيات في بشري معطيات بقاء ووجود وتاريخ، وتصميم وتفاؤل بمعنى استمرارية الحياة هناك".
كان سمير جعجع في كل المواقع والمفاصل الأساسية التي عاش رجل مواقف لا رجل مواسم، فلم يكن مساوماً لغير قناعاته: "إن قراراتي لا تنبع إلا من قناعاتي.. أنا هيك، إما أن أقول الحقيقة كاملة وعليّ وعلى أعدائي يا رب، وإما لا أتكلم".
يقرأ المؤلف ويحلّل شخصية سمير جعجع ولغة التلاقي بينه وبين بشري مستشفاً التمرد والتحدي منذ أيام الطفولة الأولى: "معاناتي المادية والمعنوية خلقتا في نفسي روح التمرد والثورة على هذا الواقع. كل لحظة من حياتي كانت مليئة بالعبر والدروس"، والتشبث بالمواقف الى لغة العقل والحذر في عقلنة التحركات على محك التفكير وصولاً لليقين، وأكثر ما يطبع سمير جعجع بعده عن التهور وإطلاق شعارات وهمية بعيدة عن التنفيذ، فخبرته في التعامل مع الوقائع أكسبته هدوءاً واتزاناً سياسياً بروح الوعي والإدراك... هذا الى صفة التأمل والإيمان من احتضان بشري لعبق الإيمان والصلاة والتأمل، واليقظة، ذاك البعد بين طبيعة شرسة وإنسان مواجه بين الخط العمودي الذي يفيد العقل والعمق.
سبعة وعشرون عاماً بقيت بشري كما هي وبقي سمير جعجع كما هو منذ حادثة إهدن 1978 ترك سمير جعجع بشري، لكنها لم تفارق ذاكرته حتى عادها لأول مرة بعد غياب طويل في 26/10/2005. القديس شربل يبقى حاضراً محفوراً دوماً في حلم "الحكيم". لكن مجتمعاً يتخبط في الحرب ويعاني من تواصلها سنوات مديدة لا بد أن يترك نقاطاً سلبية مختلفة من مواقع ممارسة وتصاريح سلبية ضمن حياة يومية صارت "ميليشيوية".
"لماذا أنتم مستغربون الحالة التي نمر بها؟ لماذا تستغربون الحرب التي تأكل الأخضر واليابس في بلادنا؟ هذا ناتج كله من الإهمال والتصرف العشوائي، وعدم وعي قضية واضحة وضوح الشمس وعدم الالتزام بالأرض والشعب" (1982).
لقد هدف سمير جعجع، كما هدفت القوات اللبنانية الى بناء وطن، فأيد الطائف لا بل التزم بكامل بنوده المتعلقة بحل الميليشيات وبيروت الكبرى وتسليم الأسلحة.. وآمن بالسلم الأهلي والعدالة والتزام العناوين العريضة للنهوض بدولة قادرة، فدعا الجميع الى تشييد السلم بالكفاءة والجدية ذاتها التي عملوا بها في الحرب.. "إننا على عتبة سلام يتطلب جهداً كبيراً كالذي تطلبه الحرب" (الأنوار 4/10/1990).
ويضيف جعجع الى الصحيفة نفسها في 16/12/1991 يقول: "فالسلاح أصبح اليوم سلاحاً فكرياً وسياسياً، وغداً سترون كيف سيخرج رفاقكم أبطالاً في المجالين الفكري والسياسي". وما أكثر العروض التي أغدقت عليه قبل دخوله السجن مخيّراً بين النظارة أو الوزارة على حد تعبير غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، لكنه صاحب حق وموقف فقرر مصيره والتزم به وبموقفه وبقي عليه.
لقد لبى سمير جعجع نداء المسيحية في أعماقه ناقضاً المقولة التي اتهمت القوات بالأصولية وبتعصب ديني أعمى وبرغبة بالاستئثار بالوطن والكيان على قواعد الدين والمارونية السياسية، معتبراً أن "التحجّر والعزلة يخنقان الموارنة. لقد منحهم الاستقرار في الجبال بعد النظر والقرب من الله، وبالتالي فهم يتفاعلون في سرعة مع القيم الإنسانية ووجودهم مرتبط بالإخاء لمحيطهم وبالعداء. لقد كانوا دوماً صلبين وليس صليبيين كما يحلو لأخصامهم أن ينعتوهم" (النهار 16/8/1993).
الفيديرالية
لم يكن طرح النظام الفيدرالي أو اللامركزية السياسية من تأليف سمير جعجع وإخراجه على المسرح السياسي. فأمام التمدّد الفلسطيني الواسع، وتراجع مشروع الدولة تدريجاً قبل 1975، وتحويل لبنان الى كيانات تعززت مع اندلاع الحرب، بدت الدولة اللبنانية عاجزة عن حكم نفسها والنهوض بمجتمعها وحماية مواطنيها إثر انقسام لبناني حاد رمى بالوطنيين في مأزق لا وطنية. تأثرت العلائق بين اللبناني بتجاذبات الحرب المدمرة عندما تناولت الجبهة اللبنانية موضوع اللامركزية السياسية كأحد الحلول المطروحة لقيام الوطن.
وعندما طرح سمير جعجع مشروع الدولة الفيدرالية لم يعنِ بذلك التقسيم بل إيجاد نظام حكم يحفظ الكيان اللبناني، مؤكداً (1/2/1988، النهار العربي والدولي) عدم إيمانه المطلق بتقسيم لبنان لأسباب تاريخية وجيويوليتيكية واقتصادية، معتبراً أنها صيغة غير قابلة للحياة، وهذه ثابتة نهائية، ولطالما حبذ بناء لبنان القوي، الحر والمتماسك والمتعافي وهذه عناوين لا تلتقي والتقسيم على الإطلاق.
واليوم بعد ظاهرة التوحد وإثر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، طوّر سمير جعجع فكرته الى الدولة الواحدة القوية من القبيات حتى القليعة وبجذرية وطنية جامعة.
سمير جعجع والكتائب
يعالج الفصل الثالث العلاقة بين الكتائب والقوات بما لا يشير الى إنجاز حل أو مشروع حل جذري وتطبيع علاقات نهائية تكسر الجدار الفاصل من العلائق المتباينة، بل بدت مرحلة تقطيع مراحل وتسويات آنية، والحوار الثنائي غالباً ما كان يصطدم بأزمات ثقة، مع ميل القوات الى عدم مصادرة قرارها السياسي ووجودها وكيانها.
بالإشارة الى العلاقة المرتبكة الدائمة والفتور اللاحق مع الدكتور جورج سعادة وهي علاقة مضطربة أصلاً مع منطق قواتي آخر مختلف شيئاً ما عن منطق الزعامات والإقطاع حتى حين كان بيار الجميل الأب في دائرة الضوء الواسعة، لا سيما مع انفلاش حزب الكتائب نحو الشمال وانتشاره في العديد من البلدات والقرى ما أسهم في ولادة احتقان سياسي مع الرئيس فرنجية ومناصريه، ما أدى لاحقاً الى فتور بين الرئيس فرنجية وأركان الجبهة اللبنانية، مما عزّز الاحتقان وجو التوتر بين قائد القوات الشيخ بشير الجميل وقائد لواء المردة طوني فرنجية وأدى الى ما أدى من واقعة إهدن 13 حزيران 1978. والإنكفاء الكتائبي والانطلاق من أن القوات اللبنانية هي المؤسسة العسكرية السياسية التي تقود الشعب المسيحي في كل الأحداث اللاحقة وكان هذا خطأ جسيماً!
أحداث امتدت من إقليم الخروب وشرق صيدا 1984 ـ 1985 انتفاضة 12 آذار 1985، 15 كانون الأول 1986، انقلاب 9 أيار 1985، والقوات اللبنانية والعصر الذهبي 1987، ورئاسة من دون رئيس 1988، وما بعد الطائف 1990، وحيث كان للأمن تتمة ابتدأت بتطويع القوات اللبنانية وأسر قائدها ودفشها دفشاً الى خلاف مع السلطة في ظل قراءة مرتبكة لجعجع للبعد السياسي الدولي في ظل الغزل الأميركي ـ السوري الذي شجع سوريا على قضم لبنان منذ العام 1976. ويسجل لجعجع العام 1992 قوله اللاّ الأولى المدوية لتحكم الأجهزة الأمنية والمخابراتية بالمجتمع السياسي والمدني اللبناني وكان الثمن باهظاً جداً حل حزب القوات اللبنانية في 25/1/1992، وبعدها محاولة إقفال ج وتطويعها، وإعلان الحرب على المجلس الحربي وجعل القوات في عهدة الملاحقة، الى أن جاءت السنة المشؤومة 1994 عبر سوق تهمة محاولة اغتيال رئيس الجمهورية الياس الهراوي من قبل القوات في العام 1991، تلتها زيارة القرداحة ولقاءات الشوف واعتقالات ومتفجرات بالجملة وموجة شائعات ومتهمون الى أن اقتربت الساعة بعد ظهر الخميس 21 نيسان 1994 حيث اعتقل الدكتور جعجع فأصرّ على ضبط النفس وقال: "بشوف وجكن بخير" وسط جو من الوجوم والغضب الشديد.
ظلال رمادية كثيرة أحاطت بأحداث تلك الفترة وسمير جعجع فيها قيد الاعتقال والمحاكمات الأكثر تعقيداً.
سُحُب من محاكمات سياسية كما اعتبرها الراحل إدمون نعيم خيّمت على جدران المأساة في قصر العدل، في حين الجدران الأخرى في سجن اليرزة كانت شريكة الحياة والموت والقيامة.
هناك على مدى أكثر من 11 سنة، ثمة رجل كان يحاول أن يكشح عتمة سيطرة النظام الأمني المخابراتي السوري اللبناني المشترك الذي حاول الإمساك بالمجتمع المدني والسيطرة عليه والإطباق على كل أصواته، أياً تكن الوجوه والأصوات السياسية التي تحاول أن تستعيد لبنان الى لبنان ومواطنيه، وحريته وديموقراطيته وتحاول إنقاذه.
كانت ذبيحة بشرية سوداء ارتكبها هذا النظام ومرّت سنوات لم يكن فيها سمير جعجع وحده سجيناً كان لبنان كله في طور الإنحجاب، أسير نظام الوصاية السوري، معزولاً تماماً من العالمين العربي والخارجي.
لا تمثيل سياسياً فيه ولا تمثيل ديموقراطياً، ولا سلطة حقيقية والسياسيون أسرى مفرزة الأمن والاستطلاع المتقدمة في عنجر، وبعض الضواحي.
سمير جعجع أظهر مزيداً من الإيمان، باستمرار لبنان، واستمرار الحياة وأظهر مزيداً من محبة لبنان، والرغبة في إنقاذه، فرغ لسنوات الى صلواته وخياله ليستل منها صورة لهذا الإنقاذ وكان هذا وجه براءة سياسية من سلسلة أخطاء متراكمة.
"إن القوات اللبنانية هي روح وثوابت ومبادئ، لا تخضع للمساومة فمسارها التاريخي رسمته تضحيات الأجداد والآباء ولونته دماء الشهداء. وبالتالي فإن احتمال إعادة النظر في أي من هذه الثوابت يستلزم شروطاً موضوعية منها خروج من هم في السجن الى الحرية، وعودة القوات اللبنانية الى ممارسة دورها الطبيعي في الحياة السياسية.
ستريدا جعجع
"زوجي بريء، ولو كان مذنباً لما بقيَ في غدراس، وما يحصل هو محاكمة سياسية، وإدانة سياسية، سمير دخل السجن بقرار سياسي ويخرج منه بقرار سياسي، ولا شيء مؤبداً في الدنيا". عبارة تلخص أسطورة حيوات فردية وجماعية وشخوص المكان، والمطارح والحب والإيمان والإنسان، تاريخ الفرد الخاص والعام مروراً بكل المعاني وبالخيبات السياسية ومعضلة الوطن الصغير وسط كم كبير من المآزق والقضايا التي تحرمه من الاستقرار وتأخذه كثيراً وقياداته الى مفردات العيش والفوضى وأحياناً كثيرة السجن والمنفى والموت والشهادة.
سمير جعجع كان واحداً في أقصى الاختبارات، لكنه عرف كيف يحتفظ بالصمت الداخلي وبقوة الالتزام المؤمن بلبنان. هذه متعة خلاص، غريزة الحرية الوحشية والحياة والنفي الآخر لكل قيد وسجن، وهو أقصى ما يطمح إليه شاب لبناني وسياسي فتصير الأمور، كياسة سياسية وحالة وطنية وميتافيزيقية سياسية صورة صادقة عن قوة الشعب والمجتمع اللبناني، وعن تعقيدات البلد الضعيف الذي نجح في تجاوز الأوقات الصعبة ذلك الذي كان كأنه خارج الحياة، عاد إليها شغوفاً، ممسكاً بالحرية، ومقاوماً جديداً يعيش مع رفاقه في 14 آذار كل ظروفها وأحوالها وتحدياتها وتحولاتها، يصادق، ويحاور، ويساجل بشغف وحيوية هائلة وفي التزام حرّ ونهائي بالكيان والوطن الواحد.
نظنه قام من الأسر، مضموناً بمجاميع أفكار مباشرة خارج كل ذلك الالتباس الغريب، ومن دون أي إحساس بالتنازل، ويصير من وجوه الحرية ورهاناتها الجديدة.