آل الشيخ يوضح الفرق بين ترك الفتوى والسكوت عن الحق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
حتى لا يختلط الأمر على الدعاة والمفتين
الرياض ـالوطن
صالح آل الشيخ
أوضح وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ الالتباس الحاصل اليوم بين الدعاة والمفتين حول ترك الفتوى والسكوت عن الحق وقال: ليس لأحد السكوت عن الحق وبيانه باللسان، ولكن بالأسلوب الشرعي، فالصحابة لم يسكتوا عن بيان الحق وإن كانوا تركوا الفتوى طلباً للسلامة.
وفرق الشيخ صالح آل الشيخ بين ترك الفتوى والسكوت عن الحق، وقال: إن ترك الفتوى عن عدم تعيين الإفتاء فيها يقتضيه الورع, وهذا من هدي السلف، أما إذا تعينت الفتوى ويكون على المفتي العلم في المسألة ولا يوجد غيره فيلزم هنا بالإفتاء فيها لأنه إذا لم يفعل سيبقى المستفتي على الجهل, يدفعه إلى الأخذ بالهوى أو بالرأي أو نحو ذلك، أو يسأل من لا علم عنده، فحينئذ يلزم أن يفتي لأنه تعينت عليه الفتوى.
أم السكوت عن الحق فقال الشيخ صالح آل الشيخ: إنه مرتبط بسعة الوقت وبالإمكان والمصالح التي يراها والمفاسد.
وأضاف: أن كتمان العلم وتأخير البيان عن وقت الحاجة يعدان سكوتاً عن الحق في وقته، وهذا يختلف عن الفتوى، فليس لأحد أن يسكت عن بيان الحق باللسان أو الأسلوب الشرعي الذي أمر الله -جل وعلا- به في كتابه, وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما بال رجال يشترطون شرطاً ليس في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط".
وعن الفرق بين الفتوى والقضاء قال الشيخ صالح آل الشيخ: إن الفتوى باب والقضاء باب آخر والفرق بينهما أن القضاء يكون بين متخاصمين في إلزام أحدهما بأداء الحق لصاحبه، والذي يحكم بينهما هو القاضي الذي نصبه ولي الأمر ليقضي بين الناس فيما اختلفوا فيه، وتشاجروا عليه.
أما المفتي فإنه يبين الحكم الشرعي من دون إلزام ويترك العمل بالفتوى أو عدم العمل بها لما يكون من ورع المستفتي وتقواه، فلا يبحث المفتي عن حال المستفتي: هل التزم أم لم يلتزم.
وأما القاضي فإنه يلزم بتنفيذ الحكم بما فوضه ولي الأمر، ولهذا قال العلماء: إن القاضي لا يصح له أن يفتي في المسائل التي يقضي فيها، فلا يصح أن يفتي في مسائل البيوع ولا في مسائل النكاح ولا في مسائل الشركات ولا في مسائل القتل ولا في مسائل الأعراض، لأن الناس إذا علموا فتوى القاضي في هذه المسائل فإنهم يؤولون أمورهم عند الرفع إليه، وعند التنازع بما يوافق فتواه، ولهذا نص ابن قدامة في (المغني) في (كتاب القضاء) على أن للقاضي أن يفتي في أمور العبادات فيما بين المرء وبين ربه جل وعلا.
ولذا ترون المشايخ إذا عرضت على أحدهم مسألة استفتاء فيها خصومة يقول المستفتي: اختلفت أنا وأخي في كذا أو ووالدي في كذا، أو حصل بيننا كذا، فيقول المفتي: هذه الخصومة مردها إلى القضاء، فيحيل ذلك إلى الحاكم أو إلى القاضي الشرعي.
أما المفتي فإنما يفتي في المسائل التي لا تتعدى المستفتي إلى غيره ممن عليه خصومة، فإذا تعدت فإن المسألة لا تكون حينئذ من باب الإفتاء بل تكون من باب آخر وتنبني على هذا تصرفات المفتي والقاضي.
وعن أصول الإفتاء والاستفتاء والحكم والتحاكم قال: إن أصول الإفتاء والاستفتاء والحكم والتحاكم جاءت في قوله - جل وعلا - في آخر سورة التوبة: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
فقد قال ابن حزم -رحمه الله- في هذه الآية في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام): بين الله -عز وجل- في هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم لقسمين أحدهما: يخص المرء نفسه وذلك مبين في قوله "ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم"، فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل الحكم بما يلزمه.
والثاني: تفقه من أراد الله - عزوجل - بأن يكون منذراً لقومه وطبقته، قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب مايقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله -تعال- إياه.
وقال الله -جل وعلا- في بيان وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى".
فدلت الآية على أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وحي يوحى إليه، وهذا هو الشرع وما يقابله هو الهوى.
قال الشاطبي - رحمه الله- في (الموافقات): "فقد حصر الأمر في شيئين وهما الشريعة والهوى فلا ثالث لهما، فإذا كانا كذلك فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده، فاتباع الهوى مضاد للحق".
وطالب الشيخ صالح آل الشيخ باستفتاء العلماء الربانيين طبقاً لقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، فالواجب على المسلم أن يسأل العالم إذا كان لا يعلم، فيتعين السؤال على من لم يعلم العلم المنزل أو المجتهد فيه.
وقال الله -جل وعلا- أيضاً: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا".
فدلت الآية على أن هذا الضابط في الرد عند التنازع إلى الله -جل وعلا- وإلى الرسول صلى الله وعليه وسلم، ودلت أولاً على أنه هو الواجب، وثانياً على أنه مخلص للإنسان عن الهوى، لأنه إذا تنازع الناس في شيء فإنه تأتي الأهواء، فإذا كان الحرص على تتبع أمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المسلم حينئذ يرتفع عن هواه ويذهب إلى شرع الله -عز وجل.
وحذر من خطورة القول بالحلال والحرام لأن المولى عز وجل قال: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون".
وهذا يبين لك شدة خطر القول إن هذا حلال وهذا حرام كما عنون بعض المؤلفين كتبهم بالحلال والحرام، وهذا من أشد الأشياء التي تقال لأن المرء لا يجزم بموافقة حكم الله -عز وجل- في المسائل الاختلافية، أو في المسائل المجتهد فيها، وقد كان منهج السلف في هذه المسائل هو الورع والاحتياط في الدين، فلا يقولون هذا حلال إلاّ لما اتضح دليله، وكثير منهم يعبر بتعبير: (أكره) أو (لا أحبه) أو يقول (لا يجوز) هذا ونحو ذلك، وذلك بعداً منهم وخلوصاً من استعمال لفظ الحلال ولفظ الحرام ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في تخريج كلام الأمة ككلام الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهما إنهم يريدون كراهة التحريم لأن هذا ليس مكروهاً بمعنى أنه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، لكنه يدخل في قواعد الشرع في أنه في تلك المسألة أن يعاقب فاعله، لكنهم لم ينصوا على التحريم تورعاً وخوفاً من الله عز وجل، وهذا من الأدب الرفيع، بل امتثال الآية والخوف من الكذب على الله -جل وعلا- وقد قال الله -سبحانه- أيضاً بعد صدر الآية: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل أ الله أذن لكم أم على الله تفترون, وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة".
قال العلماء في تفسير هذه الآية: كفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وكفى بها باعثة على وجوب الاحتياط في الأحكام. وألاّ يقول أحد في شيء: هذا جائز وهذا غير جائز إلاّ بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فيتق الله ويصمت وإلاّ هو مفتر على الله -عز وجل - وهذا من شديد الوعيد.
وهذا يوجب الخوف من الدخول في الفتاوى في كل ما يسأل عنه الناس، وهناك غير هذه الآيات كثير.
جاء ذلك في دراسة للشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ عن الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء، عالج فيها الكثير من القضايا ذات الصلة.