جريدة الجرائد

نحن قبل فوات الأوان

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك



يوسف القعيد

أجدني مضطراً للبدء بنقطة نظام كما يفعلون في النقاشات الحادة وذلك بسبب حساسية الموضوع الذي أنوي الكتابة عنه ألا وهو اللجوء العربي إلي إسرائيل. لأحدد الأمور أكثر. وأقول لجوء الجماهير العربية إلي إسرائيل.

ربما كان في الجملة السابقة نوع من التعميم. فالجماهير العربية التي تلجأ لإسرائيل لا تمثل كل الدول العربية بل بعضها فقط لكن الظاهرة موجودة وامتدادها إلي دول أخري ليس مستبعداً.

ما لم نواجه الأمر بحسم: هنا والآن. أعود إلي مقصدي. ما أقصده هذه الأعداد من الإخوة السودانيين الذين يحاولون التسلل إلي إسرائيل وقد عرفت أن معظمهم من إقليم دارفور وأن خبراء صهاينة خرجوا علينا وقالوا إن العمالة السودانية أرخص ألف مرة من العمالة الفلسطينية بل وأرخص من أي عمالة أخري.

ثم ها هو إقليم دارفور يثبت حسب تصريحات الدكتور فاروق الباز أن تحته بحيرة مياه عذبة لا تماثلها بحيرة مياه أخري تحت الكرة الأرضية كلها إذن فالمسألة ليست صدفة ولا تنتمي للتصرفات الفردية.

هناك تخطيط ما من قبل العدو الصهيوني ينفذ بكل دقة ونحن نقوم بالدور المطلوب منا في اللعبة بشكل ناجح. لا أعرف لماذا لا ننجح إلا في الاستجابة لمخططات العدو بينما نفشل في كل أمور حياتنا اليومية. راهن العدو الصهيوني علي جنوب السودان وها هو يراهن علي دارفور. ولا نعرف الدور علي ماذا في السودان.

ثم سفر معارضين للحكومة السورية إلي إسرائيل وزيارتهم للكنيسيت الإسرائيلي بل وطلبهم من الحكومة الإسرائيلية ألا تبرم اتفاقاً مع الرئيس السوري بشار الأسد. ثم كل هذا الوجود الإسرائيلي في العراق. بتحديد أكثر في شمال العراق.

أيضاً فإن كل مصري يتعرض لظلم أو لضغط أو لأي موقف حتي لو كان عابراً فإن تهديده الأول والأخير يكون بأنه سيلجأ لإسرائيل. المسألة حساسة.

نحن الذين نقلنا عن الإعلام الإسرائيلي قوله ليلاً ونهاراً إن إسرائيل هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، ونحن الذين أعجبنا بمحاكمة رئيس إسرائيل بسبب قضية التحرش الجنسي، ونحن الذين نقارن ما تنفقه إسرائيل علي البحث العلمي بما تنفقه الدول العربية مجتمعة علي البحث العلمي، وتتفوق إسرائيل في النهاية، بل ظهرت إحصائية مؤخراً تقول إن الكتب التي تصدر في إسرائيل أضعاف مضاعفة لكل ما يصدر في الوطن العربي، وبعدها فوجئنا بإحصائية جديدة تقول إن ما ترجمته إسرائيل من كتب منذ قيامها أضعاف ما ترجمه العرب منذ الدولة العباسية وحتي الآن.

وعلي الرغم من أن إبراهيم المعلم رئيس اتحاد الناشرين العرب. أكد لي أن هذا الكلام غير صحيح وغير دقيق. قلت له إن بعضه نشر منسوباً له. أقسم لي أنه لم يدل بهذا الكلام إطلاقاً. ما علينا.. نحن الذين صنعنا أسطورة إسرائيل أمام المواطن العربي العادي، ونحن الآن الذين نحصد ما زرعناه.

برد فعل ما كنا نتصور وجوده من هذا المواطن العربي تجاه عدوه الأول وعدوه الأخير العدو الصهيوني لا أهدف الرد علي من تطوعوا وكتبوا بعد تقديم المتهم بالتجسس الأخير، وباعتباره أول من يتطوع بالتجسس، ويذهب بنفسه إلي عقر دار العدو. أتمني أن يكون هذا الجاسوس هو الأخير فعلاً.

كتب البعض عن الفقر والاحتياج، وعن صعوبة تحقيق الذات، واستحالة الصعود بوسائل مشروعة كمبررات لذهابه لسفارة العدو الإسرائيلي فهذا كلام لا يناقش ولا يستحق عناء الرد عليه مع إيماني أن في مصر مشكلة خلل اجتماعي، وتفاوت طبقي يعاني منها الإنسان المصري فما بالك بمن يريد طلوع السماء ولكن بدون سلالم.

هناك كلام كثير قاله أهل المتهم عن صراعاته مع رؤسائه في عمله، ووقوف البعض منهم في طريقه، وقوله لهم إن إمكانية تحقيق الأماني والأحلام في مجتمع مثل إسرائيل، لو كان فيه - هكذا قال المتهم لهم - لأصبح وزيراً في غمضة عين.

ما أقصده أن الهموم والمشاكل - وما أكثرها في الوطن العربي الآن - لا يمكن أن تدفع المصري للصفة الأخري لليأس، إلي الانتحار الوطني.

ما أريد الوصول له بسرعة، وسأركز كلامي علي مصر باعتباري أعرفها جيداً. مهما كانت جبال الهموم. أين أصبحت فكرة الانتماء في عروقنا؟ تعالوا نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية.

أين أصبحت مصر في وجداننا؟! ماذا تعني مصر بالنسبة للأجيال الطالعة؟! كثير من تصرفاتنا تقول إننا نوشك أن نقول وداعاً لمصر. في أفلامنا الجديدة لا سخرية إلا من تحية العلم.

ولا تنكيت ولا تبكيت إلا علي شخصية المعلم الذي حفظنا في طفولتنا أنه كاد أن يكون رسولا انظروا ماذا فعلنا بزعمائنا عرابي درويش . وسعد زغلول مقامر . ومحمد نجيب هليهلي وجمال عبدالناصر المستبد العادل . وأنور السادات باع الوطن .

تابعوا اختيارات القبول للوظائف المهمة في مصر الآن. إن شباب مصر الآن الذين هم نصف الحاضر وكل المستقبل يقولون في إجاباتهم إن نجيب محفوظ لاعب كرة وأن توفيق الحكيم حكيم زمانه أليس اسمه هكذا؟ وأن طه حسين صاحب محل عطارة لا يعرف أحدهم أنه صاحب قصة فيلم دعاء الكروان . هل يجرؤ شاب أن يقوم تاركاً مقعده في مواصلة عامة لامرأة مسنة سيعتبره باقي الشبان أهطل وإنساناً عبيطاً.

ملكة جمال مصر التي جري اختيارها مؤخراً اكتشف سائلوها بعد الفوز أنها لا تعرف كلمة واحدة عربية أمريكية من أصول مصرية وأهم أمانيها أن تري برج إيفيل، لم ترد الأهرامات علي ذهنها. وأنها حلمت لو أن الأميرة ديانا حضرت هذا الحفل.

ربما لا تعرف أنها ماتت وشبعت موتاً في حادث هز أركان المعمورة بل عرض في القاهرة مؤخراً فيلم عن حادث وفاتها. لا ألوم من نظموا المسابقة. ولكني فقط أردت القول إنه ثمة عطب أصاب إحساسنا بالوطن ومشاكله وهمومه. وأعتقد أن هذا الحال موجود - بدرجات متفاوتة في كل مكان من الوطن العربي- ولذلك أصرخ نحن قبل فوات الأوان.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف