جريدة الجرائد

اسرائيل وامريكا تغضان الطرف عن التقارب التركي الايراني لما فيه من مصلحة لهما

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اوروبا تحتاج طهران. وصفقة المليارات في مشروع نابوكو توهن العقوبات الاقتصادية عليها

تسفي برئيل ـ هآرتس


يُحل كل شيء سرا في ظاهر الأمر: زيارة وزير النفط الايراني، كاظم وزيري ـ همانا، أنقرة قبل اسبوعين، التوقيع علي مذكرة تفاهمات مع نظيره التركي، هيلمي غولار، والصيغة النهائية للتفاهمات ما زالت لم تنشر، والمقابل الذي ستحصل عليه كل واحدة من الدولتين.
انتهي كل شيء قبل اسبوع فقط من الانتخابات للمجلس النيابي، التي فاز فيها حزب العدالة والتطوير لرئيس الحكومة، رجب طيب أردوغان، وانتصر نصرا حاسما بنسبة 47 في المئة. اعتقد أحد ما في الحزب الحاكم أن نشر التفاهم الايراني ـ التركي قبل الانتخابات سيفيد الحزب. ويتبين أن التوجه المعادي لامريكا المؤلِب ساعد علي إغراء القوميين الأتراك من حزب ام.اتش.بي علي أن يتجاوزوا الصفوف الي الحزب الديني.
هذه صفقة اخري من الصفقات التي تُبين نوع المفارقات في الشرق الاوسط، وبرهان آخر علي أن المال الكثير والمصالح الاقتصادية يستطيعان جعل الايديولوجية تبدو صغيرة. الحديث هذه المرة عن مفارقة ثلاثية: تركيا، حليفة الولايات المتحدة، توقع علي صفقة ضخمة مع ايران، وايران عدوة اسرائيل الكبيرة لا تقلقها علاقة تركيا بالشيطان الأصغر. وفي نفس الوقت لم تفتح اسرائيل فمها لتعارض تركيا علي توقيع الصفقة مع ايران. يتبين انه عندما تشتري تركيا طائرات صغيرة بلا طيار من اسرائيل، وتحتاج الولايات المتحدة الي تركيا لتسكين العراق، وتطمح ايران الي تقوية أوتادها في الشرق الاوسط، فان العقائد تميل الي الخفوت.

الحيلة الاوكرانية

بحسب مذكرة التفاهمات، ستحصل تركيا من ايران، التي تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم بعد روسيا، علي غاز للنقل وللبيع في اوروبا من خلال أنبوب الغاز الذي سيُقام في المستقبل والذي سُمي نابوكو . هذا أنبوب غاز طوله نحو من 3.300 كيلومتر، وكلفته نحو من 4.5 مليار يورو. ستكون مصادر الأنبوب في ايران وأذربيجان، وتركمانستان وكازاخستان، وفي تشعب آخر له سيحصل علي غاز من مصر ايضا، في أنبوب ثانوي يمر بالاردن وسورية. ستحظي تركيا بكمية غير معروفة الي الآن من الغاز في هذا الأنبوب، الذي قد يمر فيه مع الانتهاء من اقامته 31 مليار متر مكعب من الغاز كل سنة، وستحصل ايضا علي الحق في تطوير ثلاثة حقول غاز في منطقة فارس في ايران، وكل ذلك من غير مناقصة.
ان صفقة المليارات توهن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت علي ايران وهنا ملحوظ، لانه علي حسب قانون العقوبات المطور من 2007 الذي اتخذه الكونغرس الامريكي، ستُفرض عقوبات علي كل من يستثمر مبلغا عاما مقداره 20 مليون دولار في تطوير صناعة النفط في ايران. لا يؤثر في تركيا ايضا اعلان البيت الابيض الرسمي وفحواه انه ليس من الحِكمة توسيع الثقة بايران كدولة مصدر وكدولة نقل للغاز الطبيعي، وايران تخضع لنظام عقوبات .
جرّ هذا التلميح الكثيف فورا اعلانا لاردوغان قال فيه: نحن نستورد النفط والغاز ونريد أن نضائل المبلغ الذي ندفعه عن الاستيراد. عرضت ايران عرضا جذابا. أليس من الواجب علينا أن نفكر في مصالح دولتنا؟ اعتقد أن الولايات المتحدة ستدرك لماذا لم نطلب إذنها .
يصعب الحديث عن تفاهم بين واشنطن وأنقرة يتصل بالصفقة مع ايران. من المنطقي أن نفترض أنه اذا كان الحديث في الحقيقة عن صفقة بين ايران وتركيا فقط، فيبدو أن الناطقين الامريكيين الرسميين كانوا سيرفعون اصواتهم، لكن الحديث عن أكثر من ذلك بكثير. الحديث عن مسابقة إنزال أيدٍ بين روسيا والولايات المتحدة، واستمرار التعلق الاوروبي بروسيا في مجال الغاز. روسيا احدي مزودات اوروبا الرئيسات بالغاز، ويأتي ما يقرب من ربع استهلاك الغاز الاوروبي منها. عندما يكون الحديث عن العضوات الجديدات في الاتحاد الاوروبي ـ جمهورية التشيك، أو هنغاريا أو بولندا ـ فان روسيا مزودة أكبر كثيرا (تزود هنغاريا مثلا بنحو 80 في المئة من استهلاك الغاز).
هدف روسيا زيادة مبيعاتها من الغاز لسائر دول اوروبا، وأن تجعل في واقع الأمر مركز اوروبا وغربيها متعلقين بالغاز الروسي، بثمن تستطيع روسيا أن تحدده علي انفراد تقريبا. تطمح اوروبا، في مقابلة ذلك، الي تنويع مصادر غازها، وبخاصة بعد الحيلة التي قامت بها روسيا مع اوكرانيا بداية السنة الماضية: قررت روسيا وقف بيع اوكرانيا الغاز علي خلفية ما عُرف انه عدم تفاهم علي السعر. زودت روسيا اوكرانيا بنحو من 8 في المئة من استهلاكها للغاز بسعر مدعوم هو 50 دولارا لكل ألف متر مكعب، أي أقل بـ 200 دولار من سعر السوق.
والي ذلك أخذت اوكرانيا نحوا من 15 في المئة من الغاز الروسي الذي يمر في ارضها الي اوروبا كأرباح. في آذار (مارس) 2005 أعلنت شركة غاز فروم (التي تملكها حكومة روسيا) لاوكرانيا أن الدعم سيلغي وأن سعر الغاز سيرتفع بنحو 300 في المئة. كانت اوكرانيا مستعدة لرفع السعر، بشرط أن تحصل علي قدر أكبر من الغاز كأرباح. لكن لان اوكرانيا و غاز فروم لم تتوصلا الي اتفاق، قررت شركة الغاز الروسية وقف تزويد اوكرانيا بالغاز.
من المنطقي أن نفترض أن سبب حيلة غاز فروم كان سياسيا كما يبدو ايضا، علي خلفية معارضة روسيا الحكم الجديد في اوكرانيا، الذي أعلن بمشايعة اوروبا، وتقارب مع حلف الناتو وابتعاد عن روسيا. لكن يصعب البرهان علي ذلك، لانه بعد أن سقط نظام الحكم الجديد في اوكرانيا ايضا وقام بدلا منه نظام مشايع لروسيا، لم ينخفض سعر الغاز بل ارتفع.

المعضلة الامريكية

بعد القضية الاوكرانية وبعد أن رفعت روسيا الأسعار في روسيا البيضاء ايضا، أدركت دول اوروبا أنها مضطرة الي تنويع مصادرها من الغاز. جاء الحل علي هيئة مشروع نابوكو ، الذي يفترض أن ينقل الغاز من ايران ومن تركمانستان (التي ستنقل غازها الي ايران في أنبوب قائم) مرورا بتركيا ومن هناك، مرورا ببلغاريا الي النمسا واوروبا. لا توجد أية مشكلة للاتحاد الاوروبي كما يبدو أن يستثمر في مشروع ضخم ينقل الغاز الايراني، بشرط أن يزود باستهلاكه من الغاز كاملا. للولايات المتحدة، من جهة ثانية، مشكلة مضاعفة. عندما لا تتفق الولايات المتحدة وروسيا علي الأحداث في العالم وبخاصة في الشرق الاوسط، تفضل واشنطن أن تكون اوروبا ايضا أقل تعلقا بروسيا. بيد أن البديل ايضا غير مثالي. فأنبوب الغاز الي اوروبا الذي سيعتمد علي مصادر في ايران هو آخر شيء كانت تريد واشنطن بوش أن تراه. إن مشروعا كهذا يقف للامتحان سياسة العقوبات الامريكية وجهد تحرير المنطقة من التهديد الذري الايراني، فضلا عن أنه يجعل ايران لسان الميزان في المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا.
تعجّل فلاديمير بوتين، الذي يدرك أهمية الخطوة الاستباقية، توقيع عقود مشتركة مع هنغاريا، من جهة، ومع ايطاليا من جهة ثانية، ترمي الي اقامة خزان غاز ضخم في هنغاريا ونقل الغاز الروسي الي ايطاليا ومنها الي سائر اوروبا. كانت تلك طلقة البدء لمسابقة الغاز الكبري، التي سيحظي الفائز فيها بالسوق كلها، أي أن مشروع نابوكو ، الذي يفترض أن يبدأ في 2009 وينتهي في 2012، يتوقع أن يصبح غير ذي صلة اذا وصل الغاز الروسي الي اوروبا قبله.
في الحقيقة أن مدير المشروع وعد نهاية الاسبوع بأن ينطلق نابوكو في طريقه في الوقت وأن يحظي بالتمويل المطلوب، لكن تجربة الماضي تدل علي أن مشروعات مشابهة (كأنبوب الغاز بين تركمانستان وتركيا، وأنبوب الغاز العابر لبحر قزوين مثلا) بدأت بأحلام كبيرة وتصريحات ضخمة وأُهملت بعد ذلك.
سواء أنُفذ المشروع أم لا، وفي جملة اسباب ذلك الخوف من أن لا تستطيع المزودات بالغاز ـ تركمانستان الملتزمة الآن لروسيا، ومصر ودول اخري ـ الثبات للكميات، فان هذا تدريب مهم علي فهم صعوبة فرض عقوبات ذات شأن علي ايران.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف