رأس أيمن نور الطائر!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
سليم عزوز
لم يشأ شهر يوليو أن ينصرف قبل ان يغلق ملف الدكتور ايمن نور زعيم حزب الغد المصري ومؤسسه، ففي آخر يوم فيه صدر حكم محكمة القضاء الإداري برفض طلب الإفراج الصحي عنه، وفي نفس اللحظة أصدرت لجنة الأحزاب برئاسة الرائد متقاعد صفوت الشريف قرارها بتسليم الحزب إلي الجبهة الموالية للأجهزة الأمنية، التي قادت انشقاقا تحت رعاية هذه الأجهزة، منذ بداية الأزمة التي تعرض لها الحزب عقب حصوله علي الشرعية القانونية.
أيمن نور - لمن لا يعلم - كان قد صدر حكم بإدانته بتزوير عدد من التوكيلات الخاصة بالحزب، من محكمة يترأسها المستشار عادل عبدالسلام جمعة، وقد عوقب بالسجن خمس سنوات، وعلي الرغم من ان رجال القانون قالوا وعادوا، في ان الواقعة لو صحت، فإنها تأتي خلوا من ركن مهم من أركان جريمة التزوير المجرمة قانونا، وهو استفادة الفاعل بفعلته، إلا ان كلامهم ذهب أدراج الرياح. وقد أحاط غبار كثيف بالقضية منذ البداية، ولم يسلم أي إجراء من إجراءاتها من روح الانتقام والتفشي، فقد بدأت الإجراءات في يوم واحد، هو يوم العطلة الأسبوعية، وفي اليوم التالي كان مجلس الشعب يجتمع ويرفع الحصانة عن ايمن نور بوصفه نائبا فيه، وقتها، وفي ذات اللحظة التي كان فيها رئيس المجلس يعلن الموافقة علي القرار، كانت قوات الأمن تقتحم مكتب نور، الذي هو المقر المؤقت للغد، في هجمة بربرية نشاهدها علي شاشات التلفزيون، عندما تقتحم قوات المارينز بيوت العراقيين بحثا عن شئ ما!
ولم يكد نور يخطو خطوة خارج البرلمان الا وكانت قوات الأمن تلقي القبض عليه، ولم تكتف بذلك، فقد قام أحد الضباط البواسل بالاعتداء عليه أمام مجمع التحرير، حيث يوجد مبني مباحث الأموال العامة، التي شهدت طبخ القضية، وحدث هذا أمام المارة، وكان الهدف هو إهانته أمامهم، والجميع يعلمون ان هذا المعتدي لم يكن يقدم علي فعلته لولا ان هناك أوامر عليا صدرت له، فنفذها، ولا تثريب عليه فهو عبد المأمور .
وحرص زعيم الغد علي ان يعقد في هذا المكان اخر مؤتمر في حملته لانتخابات الرئاسة، وقد كنت مارا بالمصادفة، فهالني حجم الجماهير التي احتشدت لتستمع له، وتهتف باسمه، ولم يكن غريبا بعد ذلك ان يحصل علي المركز الثاني، بعد مرشح الحزب الحاكم الرئيس مبارك، علي الرغم من حملة التشهير التي قادها الإعلام الأمني ضده، وهي حملة بلغت سفالتها حد أنها دخلت في غرف النوم، وتعرضت للحياة الخاصة لإنسان، بدا كما لو كان يواجه دولة قررت ان تفتك به، وعلي الرغم من ذلك فإن القوم قد احتشدوا حتي لا يكون ترتيبه علي هذا النحو، وزجوا بالدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد العريق كي يخوض الانتخابات، ليكون منطقيا ان يحصل علي المركز الثاني، كأن لديهم القدرة علي ان يحيوا من في القبور!
وقبل هذا وبعده فقد جرت هذه الانتخابات تحت إشراف لجنة ترأسها رئيس المحكمة الدستورية العليا، المعين في موقعه من خارج تشكيل هذه المحكمة، بالمخالفة لتقاليدها، والذي عندما فوجئ من عينوه انه سيبلغ سن التقاعد خلال شهور من قرار التنصيب، تم رفع سن الإحالة للمعاش للقضاة إلي الثامنة والستين، قبل ان يصدر مؤخرا المد إلي سن السبعين. ورئيس اللجنة التي أشرفت علي الانتخابات هو بشحمه ولحمه وزير العدل بعد ذلك ممدوح مرعي، الذي ذكرنا بأيام زكي بدر وزير الداخلية الأسبق رحمه الله، ان شاء، والذي كان يتمتع بلسان ينقط شهدا وقد استخدمه في الاشتباك مع المعارضين، و كان لسانه هو ما دفع القيادة السياسية إلي إقالته مضطرة ، بعد ان امسكته جريدة الشعب الموقوفة الان، من لسانه، ونشرت بذاءاته ضد رموز الوطن.
وزير العدل هذا هو الذي أثار أزمة مع نادي القضاة، عقب تعيينه مباشرة، وهو من تسبب الان في أزمة مع نادي مجلس الدولة، الذي تقدم رئيسه ببلاغ للنائب العام ضده، يتهمه بالسب والقذف، لانه وصف رئيس النادي بأنه مثل أمينة رزق، بسبب بكائه في برنامج تلفزيوني علي مرض أحد القضاة الأعضاء في ناديه، والذي رفض الوزير علاجه علي نفقة الدولة، وتدخل الرئيس فأصدر قراره بعلاجه في الخارج.. ونعم الاختيار بصراحة!
السرعة في رفع الحصانة، لم نشاهدها سوي مع المعارضين، فقد رُفعت عن ايمن نور في سرعة قياسية، هي كلمح بالبصر، في الوقت الذي ظل ممدوح إسماعيل صاحب العبارة الشهيرة، متمتعا بها، إلي ان سافر إلي لندن تصحبه السلامة، وأرسل من هناك يخطر القوم بأنه اصبح في أمان، فهنا فقط قرروا رفع الحصانة عنه ذرا للرماد في العيون، أي بعد اكثر من ستة شهور، من جريمة شحن اكثر من ألف مصري إلي الدار الآخرة، وهم العائدون من السعودية بعد سنوات الغربة والعذاب، وتبين انه يخضع لحماية قيادات في الدولة المصرية، وحصل بمساندتهم علي حق احتكار الملاحة، وأهمل في عباراته حتي أصبحت لا تصلح للإبحار، ولو في ترعة الزمر.
حصانة ممدوح إسماعيل كانت منحة، فهو عضو معين بقرار رئاسي في مجلس الشوري، في حين ان حصانة ايمن نور منحتها له الجماهير، لكن في عالمنا العربي، فان منح السلاطين، أهم وابقي من إرادة الشعوب، ولهذا فان حصانة نور تبخرت في سرعة البرق، في حين ان حصانة ممدوح لازمته، إلي ان أصبحت عبئا عليه، ولم يعد بحاجة إليها.
هناك مفارقة لها دلالة، فقد تم سجن ايمن نور بتهمة تزوير توكيلات، لم يستفد منها، ولم تفده حتي في عملية إنشاء الحزب، فخمسون رأسا يكفون لعملية التأسيس، وقد قضت المحكمة التي أدانته، بان عدد التوكيلات غير المزورة يكفي ويزيد، وعليه فلم يلحق بالحزب أي ضرر قانوني من جراء ذلك، ومع هذا فقد صدر الحكم برئاسة المستشار عادل عبد السلام جمعة بحبسه خمس سنوات، في حين ان مغنيا اسمه تامر حسني، او شئ من هذا القبيل، قام بتزوير شهادة جامعية، لم يحصل عليها، كما قام بتزوير شهادة اداء الخدمة العسكرية، حتي يتهرب من خدمة وطنه، ومع ذلك فقد صدر حكم علي التهمة الأولي بحبسه ستة شهور مع إيقاف التنفيذ، وفي الثانية تم سجنه ست شهور، لا اكثر، قضاها وخرج ليشارك اهل الحكم احتفالاتهم بانتصارات اكتوبر، ويغني في حضورهم.. يبدو ان اسمه فيه البركة.. راجع اسم المغني لو سمحت!
جريمة ايمن نور انه قرر منذ إشهار حزب الغد ان يكون حزبا حقيقيا، وليس حزبا ورقيا مثل جميع الأحزاب التي تشهدها الساحة المصرية، وللدقة العلمية فان لدينا أحزابا ورقية واخري كرتونية. لقد دُعي إلي ما سمي بالحوار الوطني، وهي جلسات الدردشة التي عقدها الحزب الحاكم مع المعارضة، حتي يبعث برسالة للخارج ( البيت الأبيض علي وجه التحديد) تؤكد علي الديمقراطية المصرية الخلابة، وبالمرة يتمكن رؤساء هذه الأحزاب من رؤية الطلعة البهية للرائد سالف الذكر الأمين العام للحزب الحاكم، ويقفوا بأنفسهم علي التقدم الطبي المذهل، الذي وصلت إليه البشرية، والذي يجعل رجلا مثله بلغ ارذل العمر، ومع هذا فان وجهه مفرودا وبدون كشكشة، كما لو كان في ريعان الشباب!.
عندما دعي الداعي إلي المؤتمر المذكور ارسل ايمن نور إلي صفوت الشريف رسالة يستوضح فيها عن طريقة إدارة الجلسات.. طمع - ولا مؤاخذة - فلم يكفه أنه سيكون في حضرة مراكز القوي في البلاد. وقال ان تمثيل الحزب الحاكم اذا كان سينخفض إلي درجة الأمين العام، فانه لن يحضر، وسيكتفي بإرسال الأمين العام لحزب الغد الدكتورة مني مكرم عبيد، أما اذا كان رئيس الحزب الحاكم هو من سيمثله، فانه يشترط للحضور، ان تكون رئاسة الجلسات بالتناوب، علي ان يكون الاحتكام للسن، والمعني ان تكون الجلسة الأولي برئاسة الحاج أحمد الصباحي رئيس حزب الأمة، والمعني أيضا ان يكون الرئيس مبارك حاضرا في هذه الجلسات وغيرها، تحت رئاسة زيط، ومعيط، ونطاط الحيط، من السادة رؤساء الأحزاب الورقية والكرتونية، وهو امر يعد إساءة للأدب من جانب ايمن نور، لانه تصور انه في بريطانيا، ولم يعلم ان الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة، لها تقاليد راسخة وضاربة بجذورها في أعماق الأرض، وهي تلك التي تنظر إلي الحاكم باعتباره رب العائلة، وسيد القبيلة، والرئيس الأب، وقد كان الرئيس السادات رحمه الله رحمة واسعة يقول: انا رب العائلة المصرية يا ولاد!
القوم نظروا إلي ان ايمن نور بهذه الرسالة قد قرر ان يقوم بدور الزعيم السياسي، كما جاء في الكتاب، وهنا كان القرار بتدميره، حتي يتعلم الجميع من رأس الذئب الطائر، كما يقول المثل، ولنجعله آية، لمن يتصور ان العين يمكن ان تعلو علي الحاجب، والذي زاد وغطي ان الإعلام الدولي تعامل مع نور علي انه يمثل البديل المريح للرئيس وحزبه، فهو شاب في الأربعين من عمره، وهو يتزعم حزبا ليبراليا، لن يقرر حمل الناس علي إسباغ الوضوء علي المكاره، وكثرة الخطي إلي المساجد، لو حكم، ولن يمثل خطرا علي الدولة المدنية، بالشكل الذي يمثله البديل الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين. وقرر زعيم الغد ان يلعب الدور للنهاية، وفي الواقع ان أحلامه كانت سابقة علي ذلك، في ظل أنظمة تري ان الأحلام ترجمة لما في العقل الباطن للمرء، وبالتالي تقوم مقام الفعل عندما يتجاوز الحلم الحدود المسموح بها.
فأحلام بعض السياسيين قد تنحصر في الجلوس مع المهيب الرائد صفوت الشريف والنظر إلي وجهه الكريم، والبعض تنحصر أحلامهم في ان يكلمهم السيد جمال مبارك عبر الهاتف علي النحو الذي كتبه رئيس لاحد الأحزاب شحط محط ، والبعض يحلم برخصة صحيفة او الموافقة علي حزب، او عضوية البرلمان، اما ان يحلم بأن يكون السيد الرئيس، فهذه أحلام خطرة حتي علي الحالة الصحية للحالم.
قبل سنوات قال لي الزميل عبده مغربي رئيس تحرير جريدة الأنباء الدولية ان نور قال له وما المانع في ان احلم بان اكون رئيسا للجمهورية؟، عندها قلت له: لقد ركب الهواء اذن.
ولم اكن ادري انه سيأتي يوم تحدث فيه انتخابات تعددية وان نور يخوض هذه الانتخابات ويحصل علي ( 600) ألف صوت، وبالمركز الثاني في انتخابات تم تحديد مدة الدعاية فيها بشهر لا أكثر، في حين ان الدعاية المضادة ضده كانت سابقة علي ذلك بشهور.
لقد كان طبيعيا ان يتم سجنه خمس سنوات بسبب ذلك، فكل مئة ألف صوت بسنة، والقوم تركوا المئة ألف الأخيرة رحمة به، لم يتم حسابه عليها. دائما أري ان الأنظمة في عالمنا العربي رحيمة بشعوبها، لكن المشكلة في طمع الشعوب، وفي أحلام اليقظة لدي نفر منها.
وهؤلاء ينبغي تهذيبهم بالسجن، كما جري مع ايمن نور، ولا ينبغي لهم ان يطلبوا عفوا صحيا، حتي وان كان قد حصل عليه متعاطٍ للمخدرات في نفس الجلسة التي نظرت طلب صاحبنا.
الحمد لله أنا لا أحلم بأكثر من وجبة كباب علي كفته كل يوم والصحة حتي استمتع بذلك، ولو كان هذا يهدد الأمن والسلام الدوليين فوجبة كل شهر تكفي. ولا اخفي عليكم ان اكثر ما يقلقني ان بعض البلدان العربية تسمي الكفتة كبابا، وهذه إساءة بالغة للكباب، الأمر الذي يحتم علي جامعة الدول العربية ان تضع حدا للتشويه الذي يرتكبه البعض في حق الكباب، وعليها ان توحد الاسم، استعداداً لوحدة الامة العربية.. ان شاء الله!