الحق و«ابن عمه».. في شرح الأزمة اللبنانية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
إياد أبو شقرا
بغض النظر عن الموقف الشخصي من الحكم في دمشق، أعتقد من موقع التحليل السياسي أن سورية حافظ الأسد نجحت في التحكم بلبنان أكثر من أي قوة إقليمية أو دولية، بما فيها إسرائيل... وطبعاً الولايات المتحدة. فعلى امتداد ثلاثة عقود من الزمن نجحت دمشق في تحقيق عدة أهداف، أبرزها:
- توريد تجربة تقبل الشعب حكم أجهزة الأمن حفاظاً على "الوحدة الوطنية" ومقاومة للفرز الفئوي والطائفي. وللأسف تُستخدَم الكارثة العراقية اليوم أمثولةً أمام العقل العربي الجريح على أن الأمن وما يفرضه بالقوة من "سلم أهلي" مصطنع... أثمن بكثير من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامته.
- بناء ولاءات مصلحية وأمنية ـ بل وكيدية ـ محلية، صار لها ركائز في المجتمع اللبناني المطلوب تعميق شرذمته، توصلاً إلى تأكيد حاجته الدائمة للرعاية والإشراف "الأمنيين".
- اختراق المؤسسات الأمنية اللبنانية والسيطرة عليها وعلى شلل زبائنها ومخبريها من مختلف المستويات والطوائف، وتأهيل هؤلاء الزبائن والمخبرين لتبوء مواقع سياسية بارزة في هرم سلطةٍ تابعةٍ.
- ضرب أي فرصة لبناء تلاقٍ عقلاني جدّي بين اللبنانيين يقوم على تنظيم خلافاتهم والتخفيف من حدّتها. وأوضح مثال على ذلك التفسير الانتقائي والتطبيق المعطل لـ"اتفاقات الوفاق الوطني" في الطائف، ولاسيما بنود "إلغاء الطائفية السياسية" واعتماد "اللامركزية الإدارية الموسعة" وإنشاء "مجلس شيوخ". ومعلوم أن الغاية من هذه البنود الثلاثة كانت بناء مجتمع معافى يزول فيه عند المسيحيين هاجس الخوف على المصير... ويرتاح فيه المسلمون من عقدة الغبن.
غير أن ثمة تحولات خطيرة حدثت لاحقاً داخل لبنان، وكذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي تركت انعكاسات مباشرة وسلبية جداً على الوضع اللبناني.
ولئن كان الواحد منا ليتذكر على الفور تداعيات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والقمع الإسرائيلي المستقوي بدعم "المحافظين الجدد" في واشنطن، وشن هؤلاء حرباً سيئة التصور والتخطيط والتنفيذ لـ"تجفيف منابع الإرهاب" كان من شأنها أن عزّزت مواقع الأصوليات ورفعت أسهم التطرف في كل مكان، فلا يجوز الاستهانة بالنقلة النوعية التي حصلت على قمة السلطة في دمشق خلال السنوات القليلة الاخيرة من حكم الرئيس الأسد "الأب" وبعيد وفاته... وتسلم نجله الرئيس بشار الأسد الدفة.
فالقيادة الجديدة الحريصة على إثبات هويتها المتميزة اعتمدت نهجاً أقلّ دبلوماسية مع محيط سورية العربي، وداخل لبنان أيضاً حيث تبين أنها كانت تربّي جيلاً من "الزبائن" والأتباع وفق معايير تختلف عن معايير الرئيس الأسد "الأب".
أيضاً، بعد فترة طويلة من ممارسة دمشق "البراغماتية" في اللعب على التوازنات الإقليمية سارت القيادة الجديدة بلا تحفظ مع الخيار الراديكالي الذي برز في إيران بعد خذلان واشنطن تجربة محمد خاتمي الإصلاحية. وبالتالي، كان بديهياً، في مناخ العداء المتصاعد والمبرر لسياسات واشنطن في العراق وفلسطين، أن تطرح إيران "ولاية الفقيه" نفسها قوةً إسلاميةً حاويةً وجامعة بوجه ما يسمى بمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الأميركي.
هنا مع تقدم المدّ الإيراني، المستفيد الأكبر من الاحتلال الأميركي للعراق، فقدت قيادة دمشق الجديدة زمام التحكم التكتيكي بالتحالفات، وسلّمته كلياً لإيران وامتداداتها التنظيمية العربية، سواء في لبنان وفلسطين أو غيرهما من دول المنطقة. وعند هذا المنعطف بالذات وقعت مجزرة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه يوم 14 فبراير (شباط) 2005، أمام خلفية تخوين واتهامات سورية فظيعة. وتلاحقت كما هو معروف الأحداث بدءاً من السحب الاضطراري للقوات السورية من لبنان، ومروراً بمسلسل الاغتيالات والتفجيرات الدامية، ووصولاً إلى افتعال المعارضة اللبنانية المدعومة من دمشق وطهران أزمة الحكم الراهنة.
هذه المعارضة تخوض اليوم معركة إسقاط الحكومة الحالية تحت عدة شعارات تبريرية كلها نضالية ونبيلة... على الأقل لمن لا يدرك الأسس الحقيقية لهذه المعركة. وهي أسس لم يتنبه لها بعد قطاع واسع من الشعب العربي اعتاد لأسباب منطقية على الشك في نية أي دعم دولي لأي فريق في أي بلد عربي.
فالحكومة متهمة على لسان قادة المعارضة بأربع جرائم هي: العمالة لواشنطن، والعمل لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والسعي إلى التقسيم أو "الفدرالية"، والاستئثار بالسلطة.
حول التهمة الأولى الغريب أن المعارضة تتناسى سعي دمشق لمحاورة واشنطن وتل ابيب بلا قيد أو شرط.
وبما يخص توطين الفلسطينيين يعرف السيد حسن نصر الله والرئيس اللبناني إميل لحود والنائب ميشال عون جيداً أن السواد الأعظم من الإخوة الفلسطينيين المسيحيين الذين لجأوا إلى لبنان منحوا الجنسية اللبنانية، أي جرى توطينهم، منذ عقود. وعليه، فإن القضية أولاً وآخراً قضية طائفية بحتة، وهي ركيزة تحالف "حزب الله" والتيار العوني ـ أي الشيعية السياسية المتطرفة وغلاة التطرف المسيحي ـ الذي قام على أساس التصدّي لإمكانية تجنيس عشرات الألوف من المسلمين السنّة. ولربما اختلف الأمر لو كان ما تبقى من لاجئين من الشيعة أو المسيحيين!
وتتهم المعارضة بعض الموالاة بالسعي إلى "التقسيم" أو "الفدرالية"، مع أن "الفدرالية" التي تتجسد في "اللا مركزية الإدارية الموسعة" منصوص عنها صراحةً في "اتفاقات الطائف"، والقصد منها قطع الطريق على التقسيم. أما الذي يعمل فعلياً للتقسيم فهو الذي يتآمر على سلامة الدولة ومؤسساتها وينشئ مؤسسات موازية لها بل أكبر منها وأقوى، ويعتمد أسلوب الوكالة اليهودية الملتوي (في فلسطين) في شراء الأراضي بأموال مصدرها مجهول ـ معلوم، ومن ثم يدفع شركاءه في الوطن دفعاً إلى طلب "التقسيم" والحماية الأجنبية في وجه مشروع "الهيمنة".
وأما الاستئثار... فتهمة مضحكة مبكية. لأن الجهة الشاكية تستأثر برئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والسلاح الصاروخي والمال "الإلهي" والسياسي، وتحتل بصورة غير قانونية أملاك الدولة والمواطنين في وسط العاصمة، وتسيطر على ثلاثة أرباع أجهزة الإعلام المكتوب والمرئي، وتستفيد من كل أسباب الدعم عبر الحدود.
صحيح ... "الفاجر أكل مال التاجر"!