الرقص مع الدب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
خيري منصور
قد يبدو هذا العنوان لكتاب ألفه محلل استراتيجي عن الحرب الباردة أو ما بعدها، وقد يخدع هواة تربية الحيوانات وعشاق السيرك أيضاً، لكنه في الحقيقة عنوان كتاب غلافه أهم منه بكثير، لأنه مرصع بالماس وتكلفة طباعته المرصعة هي ستة مليارات دولار.
وتكتمل المفارقة إذا عرفنا أن مؤلف الكتاب يعرضه للبيع في روسيا، ليس فقط لأنها بلاد الدببة، بل لأن فيها مليارديرات قد يتنافسون على اقتناء الكتاب الماسي، وليس من أجل قراءته، فهو على الأرجح لا يستحق أن يقرأ.
روسيا التي كان الملايين فيها يقرأون أعمال كبار كتابهم من طراز ديستوفسكي وتولستوي بطبعات شعبية شبه مجانية، والذين كانوا يشاهدون البولشوي قبل أن يشاهده القادمون إلى بلادهم من أجله، تغيرت أحوالهم، فالأحفاد باعوا على رصيف شارع أرباط أشهر شارع في موسكو يؤمه السياح نياشين أجدادهم الذين قتلوا في الحرب دفاعاً عن روسيا، والنساء الروسيات اللواتي كتب عن إحداهن مكسيم جوركي رواية الأم الشهيرة التي أثارت جدلاً وسوء تفاهم بينه وبين لينين لم يعدن كذلك.
أما الكرملين ذو القباب الذهبية شديدة اللمعان فلم يعد بيت ستالين أو حتى خرتشوف، وأصبح بإمكان أي سائح أن يتجول في أروقته مقابل بضعة روبلات.. هذا بالرغم مما يقال في هذه الأيام عن يقظة الدب من سباته الذي دام عدة شتاءات متصلة منذ وضعت الحرب الباردة أوزارها.
كانت موسكو تقدم للعالم، خصوصاً في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كتباً مرصعة بغير الذهب والماس، كانت تلك الكتب والكراريس التي تطبعها دار التقدم ويترجمها إلى مختلف اللغات لاجئون سياسيون من العالم الثالث إلى الاتحاد السوفييتي في ربيعه الغارب.
كم تبدل العالم، وكم تبدلت روسيا وما حولها، رغم محاولات بوتين الإعلان عن الوجود، واستخدام مصطلحات وشعارات من بقايا معجم الحرب الباردة!
ما الذي يمكن للروسي حتى لو كان مليارديراً أن يقرأه في كتاب بلغت تكلفة طباعة النسخة الواحدة منه ستة ملايين دولار.
هل سيقرأ اكسير الحياة مثلاً؟ أو يعثر على تلك العشبة السحرية التي تحقق الخلود، والتي قامت عليها ملحمة جلجامش؟
إن هذا الكتاب العجيب هو بمثابة تنكيل رأسمالي بالذاكرة الروسية، وقد يكون أطروحة ثقافية رمزية ومضادة لما سمي الواقعية الاشتراكية لعدة عقود.
لكن، لماذا كان الكتاب ضحية هذه التجارة التي كان من الممكن لها أن تبقى في نطاق تجارة المجوهرات، ومافيات الماس؟
لماذا اختار السيد روجر شاشوا وعاء ثقافياً تقليدياً لعرض ستمائة قطعة ماس على غلافه؟
إن هذه البهرجة والغلو في استعراض الثروة، من إفراز الرأسمالية في ذروة توحشها وساديتها.
فمن سيشترون الكتاب الماسي ليسوا المشتغلين في أواني القصدير والساكنين في بيوت الصفيح، لأن هؤلاء يبحثون عن كتاب آخر مرصع بدموع مؤلفه الذي يشهد على عذابات أربعة مليارات إنسان في هذا الكوكب الذي قد يضرب قريباً عن الدوران.