عشرة ايام في مدينة تختصر جغرافيا العالم وتاريخه :دلهي.. السماء والارض
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
قلت: انا ذاهب للهند. فابتسموا. واحد طلب السلام علي اميتاب باتشان والجميع طلبوا افيالا.
السينما هي جنسية الهنود، اسمنت اجتماعي بين اغنياء يركبون احدث السيارات ويقيمون في بيوت بحدائق، وفقراء ينتظرون الحافلات العامة
سعد القرش
الهند اخيرا!
بلد العجائب، بلاد تركب الافيال .. خمس كلمات تلخص الخيال العربي عن الهند، زادت كلمتين في صيغة سؤال استنكاري: فاكرني هندي؟! . تلخيص ظالم ومخل، يتجاهل اننا نتكلم عن بلد يسهم بقسط وافر في تصنيع البرمجيات، كما دخل النادي النووي، اضافة الي انجازات مشهودة في منطقة الخليج، مجازا.
كلما قلت لاحد انني ذاهب الي الهند، ابتسم وطلب شيئا. صديق واحد طلب السلام علي اميتاب باتشان، وآخر طلب مهراجا، لكن الآخرين جميعا طلبوا افيالا. فالسينما المصرية ثبتت الصورة الذهنية للهندي، في الوعي الشعبي، اما مهراجا يتصارع الاوغاد علي سرقة جواهره الثمينة، واما مالك فيل.
لكني استبعدت هذه التصورات، واستحضرت مقولة علي لسان رام بطلة رواية (بيرة في نادي البلياردو) التي كتبها وجيه غالي في مطلع الستينيات، بعد ان غادر مصر الي بريطانيا، وانتحر بها في ظروف غامضة عام 1969. يقول رام: الهند: الناس هناك تجوع لتدفع ثمن الديمقراطية المنشودة. وفي الصين: لا تجوع الناس علي الاطلاق لانه تحكمهم دكتاتورية شيوعية. اما نحن، فلدينا اسوأ ما في النظامين معا: الدكتاتورية والجوع، بالاضافة الي عدم وجود مستقبل نتطلع اليه .
نهرو وتيتو وناصر
تحمست للذهاب الي بلد الايقونة غاندي. في نفسي يتردد اسم الثلاثي الشهير نهرو وتيتو وناصر ، ثلاثة سطروا تاريخا لعالم ثالث احتفظ باستقلال كبير، في ظل الحرب الباردة. الاول ترك دولة علمانية تتفاعل فيها ثقافات واديان واعراق. تتعايش وتتكامل، والكلمة العليا فيها للانتماء الوطني. الثاني لم تصمد دولته، بعد رحيله، الا عشر سنوات. واصابتها نبوءة قديمة لايفو اندريتش، فاشتعلت فيها حرب اهلية، اعقبها تفتيت يوغوسلافيا الي دويلات يعلن الجديد منها تباعا. الثالث راهن علي نزاهته، واراق عمره وهو ينوب عن الشعب والمؤسسات، في كل شيء، فاختطفه الموت، لتعود الملكية بعده بصيغة جمهورية. عاشت مصر قرونا دولة زراعية، والآن هي صحراوية بلا عزاء. اما الهند فكانت دولة زراعية، ثم اصبحت صناعية بامتياز.
بدا النظام دقيقا للغاية، في مراسلات استمرت شهرين مع ادارة الدورة التاسعة لمهرجان (اوشيان سيني فان للسينما الآسيوية والعربية) الذي استمر عشرة ايام (20 ـ 29 تموز/يوليو 2007). كانت السيدة ابرافيتا تستفسر عن تفاصيل صغيرة، عن صحة اسمي مثلا. اجيبها وتعود للسؤال عن موعد الوصول الي دلهي ومغادرتها، ثم تسأل عما اذا كنت افضل السفر عن طريق شركة طيران محددة، ثم تضع امامي خيارات بين بعض هذه الشركات، وموعد اقلاع كل منها من القاهرة ثم الوصول الي دلهي، وفترة الترانزيت في هذه العاصمة الخليجية او تلك. من كثرة الكرم، والمبالغة في التعامل الراقي، قلت لها: مستعد لاي اختيار. تركت نفسي للمصادفة، فجاء القدر كويتيا.
في مطار الكويت، كانت معظم الوجوه آسيوية، قلت هذا شأن العابرين في دول عابرة. جذبت انتباهي غرفة مغلقة غير مكيفة الهواء للمدخنين، زجاجية بيضاء تقل عن اربعة امتار مربعة، يحرسها من الداخل شرطي يشعل سيجارة. دفعني الفضول للدخول. سألته: انت ايضا تدخن!. قال: تعودت. قلت: يكفي ان تتنفس هواء الغرفة، لتصير مدمنا بدون الحاجة الي سيجارة. خرجت من الجحيم الي الهواء البارد، انتظارا للطائرة المتجهة الي دلهي. بعد عشرة ايام، عدت من دلهي صباحا، والمطار نفسه شبه خال، وبالغرفة شاب واحد، يدور فيها كأنه فأر في مصيدة، او قرد في قفص. اشفقت علي اذلاله، ولو كنت مكانه لضحيت بالتدخين، واشتريت كبريائي.
عربية وانكليزية وعامية مصرية
سألني شاب من اين يأتي بمياه لزوجته؟. كنت مرهقا، وأجبته بنصف انتباه. ثم اتي بالماء وشكرني علي النصيحة، وجلس بيني وبين زوجته. يطلق لحيته ويصبغها بالحناء، ويبدو شاربه كأنه حلق في الحال، اما زوجته فترتدي نقابا صارما لا يظهر شيئا علي الاطلاق، ولو عينا واحدة. سألني عن بلدي، وعرف انني مصري فتخلي عن الانكليزية المتواضعة، وتحدث بلغة تختلط فيها الانكليزية والعربية الفصحي وبعض العامية المصرية. حتي لا ابدو معرضا عنه، وجهت له سؤالا واحدا عن بلده، فقال: الهند. انفجرت اسئلته عن اسمي وعملي وسبب زيارتي للهند، وانا ارد باقتضاب، قائلا انني البي دعوة اصدقاء لزيارة سريعة، ولم اذكر اي شيء عن مهرجان (اوشيان سيني فان للسينما الآسيوية والعربية)، حتي لا اثير جدلا يسهل او يجب الاستغناء عنه، كما ظللت اتفادي ان اقول له: ارحمني . هو مهني يعمل في الحجاز، لكنه حرص علي معرفة راتب الصحفي والمدرس في مصر، وعلق ضاحكا: لكنكم يا اخي، رغم الدخل المحدود، مبتسمون دائما، وتبدو صحكتم جيدة. نظر الي وكاد يقول: سيماؤهم في وجوههم. قلت: نبتسم ونضحك، وننكت من غلبنا .
صمت قليلا. كأن زوجته كلمته بصوت خفيض لم تلتقطه اذناي، وهو رد عليها باختصار، وسألني: هل ترتدي البنات المصريات البنطلون، او تلجأ بعضهن الي التدخين؟ رددت باستهانة: لا مانع من الامرين. قال: كيف يا اخي؟، السجائر حرام. قلت: الحرام ما نص عليه القرآن بقول حرم عليكم، او حرمت عليكم . قال: لكن العلماء ....، فاردت انهاء الحوار: اقول لك: قال الله، فتقول لي: لكن العلماء . ثم ضحكت: انا من العلماء، اسألني اجبك ، وضحكنا. سألته عما اذا كان يعرف الشيخ الشعراوي، هز رأسه. قلت ان للشعرواي صورة وهو يدخن السيجارة، ولم يعترض عليه احد. قال ان الخطباء المصريين في الهند لا يؤخذون مأخذ الجد، لانهم لا يطلقون لحاهم مثل الرسول صلي الله عليه وسلم. ضحكت، والتزمت الصمت، فليست ساعة انتظار في مطار، مكانا لمناقشة قضايا انتقلت عدواها كالوباء، بسبب التأثير السلفي الوهابي، من شبه الجزيرة العربية الي المغرب مرورا بمصر وصولا الي الهند. حياني الشاب، وذهب الي طائرته المتجهة الي مومباي.
الدالاي لاما يرسل تحية الصباح
بمجرد الخروج من مطار دلهي، انتقل الي عالم آخر، تسهل قراءة ملامحه في وجوه الناس، وجوه تحمل رصيدا تاريخيا من سماحة وطيبة عميقة، وفقر جميل يتحول في حالات اخري، خارج الهند، الي كفر يجب قتله.
يبدو المطار كأنه اقتطع من حديقة كبري. تصاحبني الحديقة بأشجارها العالية الكثيفة علي جانبي الطريق، فلا اعرف اين تبدأ حدود نيودلهي. شوارعها ايضا كأنها نفق من الاشجار التي تتصافح فروعها. تتشابه الشوارع الي حد كبير، كأن المدينة لا تريد ان تمنح نفسها لعابر او زائر، الا بعد ان يصبح صديقا.
ملمح آخر من الدقة التنظيمية الهندية، تضاف اليه الشياكة، سيكون في فندق تاج محل : احد العمال يفتح باب السيارة، ويبتسم ملقيا تحية الصباح. خارج باب الفندق موظفة تنتظر بالابتسامة نفسها التي يستقبلني بها عامل المصاعد ايضا. من باب الفندق الي المصعد الي الغرقة، لن امر بموظفي الاستقبال، كما هو في مصر ودول تجازوتها الحالة الهندية، لتعذيب النزلاء بكتابة بيانات وتوقيع اقرارات، او الانتظار حتي تصوير صفحات من جواز السفر. اصل مع الموظفة الي الغرفة 131 وخلفنا عامل بالحقائب، وينصرفان بهدوء.
يخرجان لأتلمس معالم الغرفة. قبل الاستسلام للنوم، اجد فوق السرير، قريبا من الوسادة، وردة بجوار اجمل تحية صباح من الدالاي لاما. بطاقة صغيرة، كتبت عليها جملة تحمل توقيع الدالاي لاما: النوم افضل علاج . كل يوم، بعد العودة، سيكون في المكان نفسه من السرير وردة وبطاقة تحمل كلاما شبيها: كل ما نري، او يتبدي لنا، ليس الا حلما في حلم لإدغار آلان بو.
لكن ايا من هذه المأثورات لم تترك في نفسي الاثر الاعمق لمقولة الدالاي لاما، او وردته، ربما لانها التحية الاولي، والمرجح ان هذا الاثر جزء من انحيازي وحبي لداعية محبة وسلام يخوض واحدة من اطول الحروب السلمية لاستعادة بلاده، التبت، من الصين التي استولت علي الهضبة الشهيرة عام 1959. لعل اختياره اللجوء للهند، حيث يترأس حكومة التبت في المنفي، استلهام للنموذج السلمي الهندي. شاهدت فيلم براد بيت سبع سنوات في التبت ، عن طفولة الدالاي لاما، والتوصل الي انه النسخة الروحية الجديدة لبوذا، وكيف حمل لقب الدالاي لاما . ثم قرأت كتاب (العين الثالثة)، اجمل ما يمكن ان يتصالح به الانسان مع الموت، بعيدا عن قسوة وسادية تصورات الاديان عن الموت. كتاب (العين الثالثة) هو التجربة الشخصية لطفولة الراهب البوذي خفيف الظل لوبسانج رامبا، وترجمه الصديق الفلسطيني احمد عمر شاهين. واقترحت عليه ان نسافر الي التبت، كان متحمسا، لكنه قال ان هذا مستحيل، فالصين حذرة جدا، ولا بد من الذهاب للتبت عبر بكين، والاكثر صعوبة ان من تبقي من اهل التبت يرفضون مقابلة الغرباء، لان العالم اعطاهم ظهره، وترك مصير ستة ملايين انسان في قبضة التنين الصيني. مأساتهم لا تقل عن مأساة العدد نفسه من الفلسطينيين في الشتات. تصورت ان بامكاننا بحث الامر، لكن احمد عمر شاهين خذلني بموته المفاجئ.
تسرب الي نوم كان علاجا عبقريا للتعب، كما قال الدالاي لاما. وكنت انسحب من التفكير في كل هذه الامور التي اثارتها تحية الدالاي لاما، وتساءلت: هل يمكنني مقابلته؟. ثم نقلني جرس باب الغرفة الي مسافة ضبابية بين نوم ويقظة. لم ابال به، ولم يتأكد لي شيء. لكن الجرس تحول الي طرقات بقبضة اليد. قلت لنفسي: هذه طريقة مصرية صميمة في الطرق علي الابواب ، فمتي انتقلت الي الهند؟. كان الملحق الثقافي بالسفارة المصرية حسام عبد القادر. اعطاني دعوة باسم السفير المصري محمد حجازي وزوجته السيدة هدي حافظ، لحضور احتفال السفارة بالعيد الوطني، عيد ثورة 23 يوليو 1952، مساء اليوم نفسه، بعد افتتاح المهرجان.
ابقار.. ابقار ..وفيل واحد
في الفندق، في الشوارع، لا تقع العين الا علي الاشجار والحدائق، وتتواري الصورة القديمة عن بلاد الافيال . خلال عشرة ايام، رأيت بعض الابقار في الشوارع والحدائق، ولم ار الا فيلا واحدا مسرجا يركبه صاحبه، يعبر احد الميادين في نيودلهي.
لا ابذل جهدا كبيرا، في ملاحظة ان الهند هبة الاختلاف الخلاق، وان عبقرية هذه البلاد (لعله البلد الوحيد الذي كنا ندرسه بصيغة الجمع فنقول: بلاد الهند) في قدرة مواطنيها علي الايمان بقيمة الاختلاف، اذ يتجاور الفقر والغني ويتداخلان، يكادان يصبحان جوادين لعربة لا بد ان تسير الي الامام، ولا تتاح فيها رفاهية النظر الي الخلف، لكنهم جميعا محبون للحياة، وللفنون ويعتبرون نجما مثل اميتاب باتشان في مرتبة القديسين. قال لي مسؤول مصري يعمل في الهند ان عددا من الوزراء والدبلوماسيين الهنود كانوا ضيوف حفل لاحدي السفارات في نيودلهي، ثم فوجئوا بحضور النجم الشهير، فهرعوا لالتقاط صورة تذكارية معه.
يتشابه الهنود في قيم عليا: الذوق الرفيع، والابتسام غير المصطنع، وقلة الكلام، وانخفاض الصوت، والصبر وعدم العجلة رغم عدم انتمائهم ولا معرفتهم بثقافتنا العنيفة التي تقول ان العجلة من الشيطان. يتقاطع الثراء والفقر في اكثر من مساحة، اعمقها الفنون وحب الحياة، فمن لا يحبون الحياة ستظل عيونهم مغلقة باتساع الجحيم. الاثرياء يستمتعون بالحياة، والفقراء يصنعون الحياة، بل ان مجرد استمرار حياتهم احد فنون هذه الحياة ومعجزاتها. هم لا يتبرمون، فالهنود يحبون الرقص والموسيقي، ثم جاءت السينما فنا سابعا يستوعب الفنون الستة السابقة، فصارت اميرة يخطب الجميع ودها، لتصير الهند في صدارة منتجي الافلام ومستهلكيها. قال مسؤول السينما بوزارة الثقافة الهندية، في غداء دعانا اليه السفير محمد حجازي، ان الهند تنتج ثلاثة افلام في اليوم الواحد!. ويمكن تفسير هذه الغزارة، في ضوء الجنون بفتنة السينما، التي ليست في كل الحالات حياة بديلة، لكنها سحر اسمي يوحد، في التلقي، اغنياء وفقراء لهم الجنة. انها فن راق يجعل الحياة ممكنة، كما اصبحت جسرا سحريا بين فقراء يستهلكون الافلام، واغنياء يصنعونها او يرعون مهرجاناتها.
هناك اغنياء يدللون السينما، ولا يمنون عليها بما يراه غيرهم بذخا، ولا ينتظرون شكرا. من هؤلاء نيفل تولي رئيس مؤسسة اوشيانس للفنون. شاب في نحو الاربعين، ومؤسسته اهلية مستقلة تعني بتنظيم المعارض التشكيلية، وبيع اللوحات الفنية، وترعي هذا المهرجان المستقل الذي اسسته وتتولي رئاسته الناقدة ارونا فاسادييف. ومنذ اربع سنوات، تولي الناقد العراقي انتشال التميمي تنظيم قسم (ارابيسك) بالمهرجان، ومن خلاله توثقت علاقة المشاهد والناقد الآسيوي بالسينما العربية، التي صعدت الي المكانة اللائقة، واصبحت في هذه الدورة طرفا اساسيا، حتي ان اسم المهرجان تغير، واصبح:
(مهرجان اوشيان سيني
فان للسينما الآسيوية والعربية)
امام مجمع (سيري فورت) الذي يضم اربع صالات للعرض، يبدو المشهد مختلفا، يؤهلك نفسيا للدخول الي دنيا الافلام. فاذا دخلت، ستجد عشرات من الملصقات الافيشات ، لافلام هندية واجنبية، منذ فجر السينما الي ما بعد الممثل الامريكي كلينت ايستود. بعيدا عن الافلام الهندية، تعرض الملصقات الهندية الاصلية لافلام منها (الطيور) و(المواطن كين) و(هرشة السنة السابعة) و(كليوباترا) و(القيامة الآن) و(كباريه).
حمل الافتتاح شعار (سحر الحرية)، وقدم خلاله عدد من الهنود لوحات جمعت الاستعراض والعابا سحرية تلخص الفنون الشعبية في البلاد، علي خلفية اغنية لمطربة شابة، علا صوتها بصيحة فريداااااام ، كأنها تذكرك بالصرخة المتحدية لوليام والاس (ميل غيبسون)، في نهاية فيلم (قلب شجاع).
oh, cairo station
حققت السينما العربية، التي خلت باحة مجمع (سيري فورت) من ملصقاتها، مع الايام التالية حضورا لافتا، بافلام حديثة وقديمة، منها (باب الحديد) الذي اخرجه يوسف شاهين عام 1958، حين كان مقتنعا بدوره كمخرج، صانع للافلام لا منظر ولا مؤلف. حظي جمهور المهرجان بما فات معظم ابناء هذا الجيل من العرب، بمشاهدة (باب الحديد) علي شاشة كبري تستوعب نظرات قناوي (شاهين) الجائعة الي فتاة المحطة، والي هنومة (هند رستم)، نظرات بعمق الاشتهاء والجرح والحرمان، والحاجة الي التحقق الشخصي، وهو ما لا تفلح في اظهاره شاشة التلفزيون المستأنسة. كان صلاح ابو سيف محقا، لم يكابر حين ذهب اليه عبد الحي اديب بالسيناريو، قال له: هذا فيلم مجنون، اذهب به الي يوسف شاهين. ذهب الرجل، وكتب الحوار محمد ابو يوسف، لكن الجمهور فوجئ بأن بطله الاول فريد شوقي يتواري، يدخل الي مساحة من الظل، في حين يتقدم قناوي نصف المجنون، نصف العاشق، المنتقم الكامل في النهاية. ثار الجمهور العاطفي ، وغضب علي شاهين وعاقبه سنوات، ثم اعاد اكتشاف الفيلم مع ظهور التلفزيون، وكأنه يرد الاعتبار ويقدم الاعتذار، عن الخطأ في حق الفنان الذي يجب ان يسبق الجمهور والنقاد بخطوات.
عاش الفيلم نصف قرن، ولا يزال قادرا علي تجاوز اختبار الزمن واللغة والجغرافيا، استنادا الي سحر السينما، لو تحقق لها شرط واحد هو الصدق الفني. كان سينمائيون لا اعرف جنسياتهم، اذا قلت لهم انني مصري، يردون باعجاب:
ـ oh, cairo station .
يخيل الي ان السينما هي جنسية الهنود، اسمنت اجتماعي بين اغنياء يركبون احدث السيارات، ويقيمون في بيوت بحدائق، وفقراء ينتظرون الحافلات العامة، او يستخدمون دراجات بخارية في تنقلات الاسرة، ويسكنون بيوتا تنتمي الي زمن سابق وجغرافيا تخص دلهي القديمة، واخواتها. لا ادري هل يعي المسؤولون اهمية هذا العقد الفني ، الاقوي من الحل الامني، وهم ينظمون رحلات لتلاميذ المدارس، لمشاهدة الافلام؟. كانت العروض الصباحية في المهرجان تخلو الا من التلاميذ بالزي المدرسي الموحد. كنت اسمع ضحكاتهم، وتعليقاتهم الواعية وهم يشاهدون افلاما، بعضها ذو طبيعة خاصة مثل (آخر فيلم) الذي يناقش مخرجه التونسي نوري بوزيد عجز بطل الفيلم عن التحقق، في صورته البسيطة غير المركبة، بالسفر الي اوروبا، لكنه يصبح ضحية لارهابيين يأخذونه من ارض الرقص الذي يمارسه في الحي الشعبي، الي فضاء آخر يحلم فيه بعشرات من الحور المنتظرات الشهداء الذين يفجرون انفسهم في اعداء الاسلام . ينسحب الشاب من اهله وفتاته واحلامه، حتي يفجر نفسه، بلا عزاء، بلا قضية.
كان المهرجان، الذي عرض نحو 140 فيلما من 35 دولة، مرآة لعصور ماضية. شاهدت افلاما يابانية قديمة، صنعها مخرجون ربما لم يزوروا مصر ولم يشاهدوا فيلما لمصري، تعالج قضايا متشابهة لدرجة التطابق مع افلام مصر تنتمي الي تلك الفترة، فهل تسري ثقافة عصر، وتتجاوز المسافات، لتضع بصمتها علي المرحلة نفسها.
تزامنت الدورة التاسعة للمهرجان مع مرور ستين عاما علي استقلال الهند، و150 عاما علي بداية حروب الاستقلال عن الاستعمار البريطاني. في عام 1857 اعلن جنود هنود تمردهم علي سلطة الاحتلال، وهاجموا رموزها: منازل النبلاء والسجون، وتوجه نحو مئة فارس الي القلعة الحمراء (ريد فورت) معلنين الثورة، التي كانت شرارة البدء، لانتفاضة احتاج البريطانيون الي اكثر من عام لاخمادها. كانت ثورة 1857 ذات منطلقات قومية، لم تشهد واقعة اختلاف او صدام بين مسلم وهندوسي. كانوا ينشدون الحرية.. دين الهند الحديثة.
كانت (حروب الاستقلال في السينما) عنوانا لاحدي ندوات المهرجان، الذي شمل قسما عنوانه (افلام الحرب)، ضم افلاما منها الهندي (22 حزيران ـ يونيو 1897)، و(اطفال الحرب) للفلسطينية-اللبنانية مي مصري. ومن حسن حظ السينما العربية ان تعرض في هذه الدورة افلام مثل (بلديون او السكان الاصليون) للجزائري رشيد بوشارب، وافلام اخري كان العالم العربي موضوعا لها، منها (ثورة الجزائر) الذي اخرجه عام 1966 الايطالي جيللو بونتيكفورفو (1919 ـ 2006)، ويتناول الممارسات الوحشية للجيش الفرنسي ضد الجزائريين المطالبين بالاستقلال.
بذل انتشال التميمي جهدا كبيرا، في انتقاء افلام تعبر عن تيارات سينمائية متنوعة، تؤكد ثراء السينما العربية من جهة، ومن جهة ثانية جدارتها بان تكون الجناح الآخر لمهرجان ظل آسيويا ثماني دورات. انتشال حالة انسانية خاصة جدا، تكفي ابتسامته الصافية، ومقولته الاكثر شهرة التي صارت علامة عليه مشتاقين . يكاد يكون الطرف العربي الاكثر بروزا وتأثيرا، في معظم المهرجانات حول العالم. تحفظ ذاكرته الخرافية ادق التفاصيل عن افلام، وسينمائيين، واحداث، وبرامج، ومهرجانات واصدارات.
دلهي.. الثري والثريا
يفوتك كثير من المعرفة بدلهي الا ان تزور المدينة القديمة. هناك تكتمل اللوحة.. بشرا، وشوارع، وبنايات، ووسائل انتقال. تضم المدينة 14 مليون نسمة، يتفاوتون غني وفقرا، حتي الاغنياء يستغنون عن التهافت الجنوبي علي اقتناء السيارات الفارهة: الالمانية والفرنسية والامريكية التي يضخ الآلاف من انواعها المختلفة، والمعدلة سنويا، في شوارع القاهرة، من باب ادعاء الثراء الكاذب. في الهند كل شيء هندي تقريبا، من الافلام الي الدراجات. معظم السيارات صناعة محلية، حتي السيارات الكورية او اليابانية تصنع محليا. يبدو الشعب متسقا مع ذاته، يحاول الانتصار علي الفقر بالعمل، يصحو مبكرا، حتي انتقلت الي عدوي النشاط. كنت انام علي توقيت مصر، واصحو علي توقيت الهند، فاختصر ساعتين ونصف الساعة من حصة النوم، بلا شعور بالصداع. يخيل الي ان الساعات الفاصلة بين فجر الهند وصباح امريكا، تكفي لان تجعل الهند تنتصر في المستقبل، فنسبة البطالة مثلا، تقلصت الي نحو ثمانية في المئة، في شعب يبلغ 1.1 مليار نسمة، يستقبلون النهار بالعمل، في حين يواصل الآخرون تثاؤبهم.
اكثر من مليار تضرب جذورهم في فجر التاريخ، والاساطير، والاديان، والمستقبل، والفنون. تتجه قباب دور عباداتهم المختلفة الي سماء واحدة، ولا يشغلهم ان يكون رئيس الجمهورية مسلما ينتمي الي اقلية تضم 13.5 في المئة، وان يكون رئيس الوزراء من السيخ الذين يمثلون 2 في المئة فقط. لا خوف علي الوطن من التفاعل بين الاديان. قاعدة وطنية بسيطة ومركبة معا: اعبد ما شئت، علي ان تنتمي الي وطن حبه هو الايمان بما تدين به، او بمن تدين له. بالاتفاق علي هذه القاعدة، لا خوف علي نسيج الوطن والمواطنة من 67 لغة مستخدمة في التعليم المدرسي، او 18 لغة رسمية، من بين مئتي لغة مكتوبة. اذا لم يكن هذا هو الثراء، فماذا يكون؟!
تتشابه في نيودلهي الميادين، لا ظلال في الشوارع الا للاشجار، وتستريح العين كثيرا لتراجع مقدمات البيوت عن حدود الشوارع، فلا تعرف اين ينتهي الشارع، واين يبدأ جدار البيت. قلما تري برجا متعدد الطوابق، حتي الفنادق تتسق مع جغرافيا المدينة، كأنها جزء من حديقة كبري اسمها دلهي.
في رحاب القلعة الحمراء
في رحلتنا الي المدينة القديمة، كان علينا ان نستقل سيارة اجرة من الفندق.
توقف السائق في شارع تختلط فيه الابقار بالدراجات. اخبرنا ان علينا ان نركب دراجات، اعطيناه الاجرة، لكنه اصر علي انتظارنا اربع ساعات. بحثنا عن توك توك ، فلم نجد. التوك توك اشهر وسائل النقل في دلهي الجديدة والقديمة معا، مزود بعداد علي يسار السائق، يوضح المسافة والاجرة المطلوبة. واذا خلا من العداد فلا يغالي السائق في الاجرة.
تعجب كثيرا ان تضم مدينة 14 مليونا، وتخلو من الميكروباص. قبل نحو مئة عام، قال الشاعر احمد شوقي:
لكل زمان مضي آية
وآية هذا الزمان الصحف
ولو عاد شوقي الآن، ما رأي في الصحف الالكترونية آية، سيقول: وآية هذا الزمان الميكروباص.
وفقا لنظرية المؤامرة يسهل القول ان اليابانيين صمموا هذه السيارات لاذلال الشعب المصري، باجباره علي الانحناء، صعودا وهبوطا، اربع مرات علي الاقل في اليوم الواحد. لكن المسألة اقتصادية بالدرجة الاولي؛ فالسيارات التي يبدو انها صممت للاقزام وجدت هوي وتواطؤا بين من يملك مالا قليلا ويبحث عن استثمار سريع، ومواطنين يعانون ازمة مرور مستعصية، وصار هذا النوع من السيارات آية هذا الزمان.
انتشر الميكروباص كالميكروبات او السرطان في كل الطرق بمصر، واصبح علامة علي العصر الذي يستهان فيه بالبشر، فالسيارة التي تحمل 15 شخصا او اكثر، هي مشروع جنازة في اي لحظة، وزاد ضحايا حوادث السير علي ضحايا الحروب كلها. وما دام الميكروباص نعشا طائرا، فان سائقيه ورواده من متوسطي الثقافة والزاهدين في حياة صارت عزيزة عليهم، يبحثون عن يقين، ويستعذبون جلد الذات، في خطب تجعلهم يلعنون الحياة، وتؤهلهم نفسيا للاستعداد للموت الاسفلتي. المستفيدون هم خطباء العشوائيات محدودو الموهبة والثقافة، وشركات الكاسيت.
فكيف انتصرت الهند في معركة الميكروباص؟!
التفسير الاكثر سهولة انهم يعشقون الحياة، يحبونها ويصنعونها علي هواهم.. حريفة، بالشطة مثل كل اطعمتهم تقريبا، ولعل هذا سر خصوبتهم التي دفعت الحكومة لاتخاذ قرار باستبعاد اي موظف من العمل اذا صار له ابن ثالث.
اكتملت تجربتنا بركوب الدراجة ذات الاطارات الثلاثة، تسع شخصين في مقعد خلفي. امامنا سار احدهم بصحبة انتشال وهالة خليل، وبجواري وائل عبد الفتاح. يقود دراجتنا سائق نحيل مجهد، ناله التعب في طريق صاعد. نزلت اجري بموازاة الدراجة، واربكه سلوكي واغضبه، فقفزت جالسا، وكان وائل مشغولا بتصوير الناس، ومعالم طريق يذهب عميقا في التاريخ، الي ما قبل الثورة الصناعية، لولا انتشار آنية بها ماء تغوص فيه ساعات يد، تأكيدا لجودة الصناعة، واغراء للزائر بالشراء او التصوير.
اقترح انتشال ان نزور اولا (مسجد جاما) اي المسجد الجامع. انشأه عام 1656 الامبراطور المغولي (شاه جاهان)، اي ملك الدنيا. هو باني (تاج محل) ضريحا لزوجته ممتاز محل. المسجد فوق هضبة، كأنه قلعة تشرف علي المدينة، وهو بساحته الواسعة وابوابه المطلة علي الجهات الاربع يمنح الداخل رهبة، لكنها تزول بكثرة المتسولين، وسماحة وجوه باعة كتب دينية امام بابه. من الجامع تري مستنقعات ومخلفات شوارع ضيقة وبشرا ينتمون الي تاريخ آخر.
في مواجهة (مسجد جاما) اكبر مساجد دلهي، نري القلعة الحمراء (ريد فورت)، رؤية تختصر اكثر من الف متر، هي المسافة الحقيقية بينهما. ذهب بنا قائدا الدراجتين الي بوابة القلعة، اصرا علي الانتظار، ورفضا المغادرة. نوع مختلف من الصبر الجميل، يعلمان ان جولتنا ستستمر ساعتين او ثلاثا، وبامكانهما البحث عن ركاب آخرين، والعودة قبل خروجنا.
يبلغ رسم دخول الهندي عشرين روبية (نصف دولار)، وللاجنبي مئة روبية. لكن انخفاض رسم الدخول، وحده، لا يفسر اصطفاف مئات الهنود انتظارا للدخول، في حر شديد ورطوبة اكثر شدة. تتعدد بوابات تفتيش الداخلين، والحراسة مشددة وسافرة. في اماكن اخري، مثل السينما، يفترض ان تكون اقل سفورا.
بمجرد الدخول تكتشف ان سور القلعة يفصل بين عالمين، في الخارج زحام وفقر وصبر وعمل شاق، وفي الداخل يسفر التاريخ عن نفسه، عن حالة تجعل الهنود اكثر ايمانا وفخرا بتاريخهم، ورهانا عليه.
من الخارج توحي القلعة بالهيبة. كنا نظن انتشال عالما بخباياها، فاذا به يبحث عن دليل. جاء شاب، لم يحدد مبلغا مقابل اصطحابنا. شرح بحماسة وهدوء، كأنه يؤدي واجبا وطنيا، لا وظيفة بمقابل مادي. سألته عن سر هذا الزحام الهندي علي دخول القلعة، فقال انها رمز وطني وتاريخي، اذ تعود الي عصر المغول في القرن السابع عشر. هنا رفع جواهر لال نهرو العلم الهندي علي بوابة القلعة يوم 15 آب (اغسطس) 1947، معلنا نهاية الحكم البريطاني، وبداية الحكم الوطني، ويحرص حكام الهند علي رفع العلم علي بوابتها الشامخة، قبل القاء خطبة، في ذكري الاستقلال.
تعتبر اليونسكو هذه القلعة قمة الابداع المغولي ، وتتداخل فيها انماط العمارة الاسلامية والهندوسية والفارسية، وقد امر شاه جاهان بتشييدها عام 1639، كمجمع سكني وحصن لعاصمته الجديدة (شاه جاهان اباد)، واكتمل بناؤها بعد تسع سنوات. يبلغ ارتفاع التحصينات من جهة المدينة 33.5 متراً، ومن جهة النهر 18 مترا. ولا تزال بعض آثار القلعة تحتفظ باسمائها العربية؛ مثل (الديوان العام) الذي انشئ لكي يحاكي عرش سليمان . في منتصف المبني، يوجد الديوان الخاص، يتوسطه عرش الطاووس، حيث كان الملك يجلس في الاعلي، وتحت قدميه ينتظر الآخرون.. يتلقون الاوامر، او ينقلون اليه شكاواهم.
تتجاوز البوابة، فتجد نفسك في ممر يذكرك باحياء او مدن تاريخية في مصر او المغرب.. ساحات وممرات علي جانبيها محال تجارية، وعلي البعد مسجد اللؤلؤة، وبيت الطبول، وقصر الالوان بابراجه، وسقفه المغطي بقطع من ذهب وفضة، تنعكس علي ماء بحيرة تتوسط الباحة الرخامية للقصر. كان قصر الالوان مخصصا للبهجة، في اسفله مدخل يفضي الي غرف كان الملك يلتقي فيها محظياته. يقول الشاب ان ممتاز محل انجبت 14 ابنا، وماتت في منتصف الثلاثينيات، قبل ان تضع مولودها الجديد. اسأله: الم يكن له من جواريه ابناء؟. يرد بالنفي. اقول لنفسي: كان لا بد ان تموت ممتاز محل، حسرة علي انوثة تخفيها تضاريس حمل يتكرر كل عام، وهبت نفسها لانجاب ذرية لزوج يريدها وعاء لابنائه، منشغلا بالجواري عنها حية وميتة. فهل تظهر ذات يوم قصة حقيقية او متخيلة عن ابن للشاه، من احدي محظياته، لتضاف سيرة عنترة بن شاه جاهان الي السير الشعبية؟
اروع ما في القلعة موسيقاها الخاصة، اتساق الدواوين والحدائق والقصور، كأن يدا واحدة انشأتها في زمن قريب. ولان الاستعمار، كالكفر، ملة واحدة، فقد اصر الانكليز علي تشويه القلعة، ببناية اسمنتية وصهريج للمياه. فهل ترك الهنود هذا العدوان، ليقولوا: الاحتلال مر من هنا؟! .
نغادر القلعة الحمراء، ونفاجأ بان منتظري الدخول من الهنود بالآلاف، لا يبالون بالحر. مشهد يدفع المصري الي الغيرة، علي تاريخه وآثاره وذاكرته، لا شيء من هذا يحظي ببعض هذا التقدير؛ قلما اري مصريا في المتحف المصري، او المناطق الاثرية التي اصبحت للسياح وحدهم، واذا وجد مصري في مثل هذه الاماكن، يظل موضع ريبة من ضباط الامن. تحكي صديقة مصرية بأسي، انها ردت علي فضول السائق في طريقها الي هرم سقارة، وحدثته عن التاريخ والآثار، حتي انه تحمس للزيارة، واشترت له تذكرة، لكن رجال الامن منعوه. قال لها احدهم: ما لسائق التاكسي وهرم سقارة؟!
في الهند شعب مسكون بالتاريخ. تاريخه ليس عبئا عليه. لا يتبرأ منه، ولا يباهي به احدا، لكنه ذخيرة نفسية مهمة، تغنيه عن استعارة ذاكرة غيره، ليتفرغ لابداع المستقبل.