جريدة الجرائد

سفينة نوح القرن الواحد والعشرين

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

واشنطن - توماس فريدمان

قبل أسبوعين، وفي تقرير له من الصين، أفاد الصحفي في مجلة "تايمز" جيم ياردلي أن آخر سلحفاة أنثى في العالم ذات الترس اللين من فصيلة "يانغتزي" تعيش في حديقة حيوانات في الصين، في حين أن آخر غيتم (ذكر السلحفاة) في العالم من الفصيلة نفسها يعيش في حديقة صينية أخرى. وكان هذا الزوج من السلاحف آخر أمل في إنقاذ فصيلة من السلاحف البرمائية النهرية التي يعتقد أنها الأكبر في العالم.

وما فكرت فيه أثناء قراءة هذه القصة هو أن جيلنا دخل حقبة لم يعرفها أي من الأجيال الماضية، ألا وهي حقبة نوح. ومع ازدياد أعداد فصائل الحيوانات المهددة بالانقراض بسبب ذلك "الطوفان" الذي يمثله اقتصادنا العالمي اليوم، قد نصبح الجيل الأول في البشرية الذي سيضطر فعلياً إلى القيام بما قام به نوح في عهده، أي إنقاذ الأزواج الأخيرة على وجه الأرض من مجموعة واسعة من الحيوانات، وهو ما أمر به الله نوحاً في سفر التكوين: "ومن كل حيّ من كل ذي جسد اثنين، من كلّ تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك تكون ذكراً وأنثى".

لكن على خلاف نوح، نحن شاركنا في هذا "الطوفان". فيوماً بعد يوم، يزداد عدد الغابات وأحواض السمك والأنهار والأتربة الخصبة التي تلتهمها أنياب التنمية. وفي هذا السياق، أفاد وزير البيئة الألماني السيد سيغمار غبريال لهيئة الإذاعة البريطانية مؤخراً: "إننا نفقد التنوع البيولوجي في العالم بوتيرة لم يسبق لها مثيل. وبالفعل، نخسر كل يوم 150 فصيلة جديدة من الحيوانات، وشبكة الحياة التي هي في أساس مجتمعنا الكوني تزداد هشاشةً يوماً بعد يوم".

إن العالم محق في تركيزه على مشكلة تغير المناخ. لكن إن لم يكن لدينا استراتيجية محددة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم وحماية التنوع البيولوجي، سندخل في حقبة قاتمة سيتسابق الجميع فيها للحصول على الذرى لتصنيع الإيثانول وزيت النخيل لإنتاج الوقود الحيوي، من دون الاكتراث لانعكاسات هذه النشاطات على الطبيعة. وقال غلين بريكيت، نائب رئيس منظمة "كونسيرفاسيون إنترناشونال" البيئية: "إن لم نضع خطة متينة، سننعم بمناخ جيد في عالم ميت".

قابلت في إندونيسيا واحداً من "أصدقاء نوح" في جيلنا الحاضر، الدكتور جاتنا سوبرياتنا وهو بيولوجي متخصص في الحفاظ على التنوع الإحيائي، ومسؤول عن إدارة البرامج الخاصة بإندونيسيا في منظمة "كونسيرفاسيون إنترناسيونال". ويتمحور أحد برامجه حول إنقاذ فصيلة "جافان غيبون" وهي قردة مميزة وجميلة منتشرة في جزيرة جافا الإندونيسية. وقد انخفضت أعداد هذه القردة المشتتة بسبب إزالة الغابات إلى 400 قرد بحسب التقديرات، وهي موزعة اليوم على حوالي 200 غابة استوائية في شرق جافا.

ويساهم الدكتور سوبرياتنا في إدارة مركز إعادة تأهيل قرود "الجافان غيبون"، الذي يضم مجموعة من الأقفاص الموضوعة في جبال حديقة "غونونغ جيدي بانغرانو" الوطنية قرب جاكرتا حيث تجتمع قرود "الجافان غيبون" المعروفة لعملية تزاوجها المطولة، وتعتاد على بعضها بعضاً طوال أشهر. في بادئ الأمر، تعيش القردة في الأقفاص، جنباً إلى جنب، ومن ثم توضع الأزواج في قفص واحد، وتضع هذه القردة صغاراً في حال جرت الأمور على ما يرام.

لكن هذه العملية مطولة للغاية، والفصيلة مهددة لدرجة أن عدد هذه القرود سينخفض إلى زوجين أو ثلاثة قريباً، وهذا بالفعل خسارة كبيرة، ذلك لأن رؤية قردة "الغيبون" تتأرجح وتقفز من شجرة إلى شجرة ومن غصن إلى غصن هي بمثابة مشاهدة قرد صغير يفوز بالميدالية الأولمبية الذهبية في فئة الجمباز.

والطريقة الوحيدة لتخطي مشكلة فقدان فصائل الحيوانات في إندونيسيا، وهو البلد الذي يتمتع بأكبر مجموعة من النبات والحيوانات البرية والبحرية في العالم، هو الاقتناع بضرورة بذل مساع حثيثة في هذا الصدد. ويعلق الدكتور سوبرياتنا بالقول انه يحاول في الجزء الأكبر من أعماله بناء تحالفات محددة عن طريق ربط شركات معنية بحماية الغابات (كالمستثمر في الطاقة الجيوحرارية الذي يحتاج إلى أشجار للحفاظ على مستوى جريان المياه في محطته لتوليد الكهرباء) والحكومات المحلية المهتمة بمحاربة نشاطات إزالة الغابات غير الشرعية مع سكان القرى المحلية الذين هم بحاجة إلى الغابات لتجنب تآكل التربة والانتفاع بمياه الشفة.

في إندونيسيا، يعمل خبراء البيئة بصورة متواصلة للتصدي للمسؤولين المحللين الضالعين في فضائح فساد والذين يسعون لتحقيق مصالحهم عن طريق القطع الجائر للغابات، والقرويين الذين لا يدركون أهمية الغابات في حياتهم اليومية. وفي أحد أحدث مشاريعه، عمل الدكتور سوبرياتنا على ضخ مياه نقية من شلال الغابة إلى قرية مجاورة ليفهم الناس الترابط القائم بين هذين العنصرين. ومؤخراً، عرض أعماله أمام الأئمة المسؤولين عن المدارس الإسلامية المحلية.

وقال: "نعلّمهم أن المياه تأتي من الجبل ومن الحديقة، وإن زالت الحديقة، فلن يعود بإمكانهم الحصول على المياه النظيفة التي يحتاجون إليها في طقوسهم الدينية. وأضاف: "في حال تمكنّا من لفت انتباه الأئمة إلى هذه المشكلة، فسيكون حتماً باستطاعة هؤلاء لفت انتباه كل الأطفال في المدارس المحلية إلى أهمية الغابات".

طوال سنوات عديدة، تم تعليم الإندونيسيين، شأنهم شأن العديد منّا، أن الحياة صفقة: فإما نجد على الأرض أشخاصاً بصحة جيدة مع عدد كبير من الوظائف، وإما غابات خضراء مع عدد كبير من قردة "الغيبون"، لا يمكن الحصول على الاثنين معاً. لكن الحقيقة هي أنه علينا أن ننعم بالاثنين معاً. وإلا، لن ننعم على الأرجح بأي منهما. وعندها، سيكون قد فات الأوان

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
متى نعود انسانا
Mariwan -

الانسان ذلك الحيوان المفترس للطبيعة،الذي يصبح اكثر همجية بمجرد التفكير بالثروة و لا يبالي ذلك المخلوق للاجيال القادمة المتمثلة باولاده و احفاده الذين يأتون بعده،ألا يأتي يوم نفكر في انسانيتنا؟