عندما تقلّ ثروات الأغنياء يموت الفقراء
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
قيس جواد العزاوي
تحت هذا العنوان كتبت صحيفة "ويست فرانس" أكثر الصحف الفرنسية انتشاراً بعد صحيفة الفيغارو .. والطريف في مقال "ويست فرانس" المنشور على صفحتها الأولى أن عنوان المقال عبارة عن مقولة للزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ، استعانت به قصداً للتعبير عن الأزمة الاقتصادية، على الرغم من كونها صحيفة الليبراليين الكاثوليك الأكثر تدينا في فرنسا.
كم هي طريفة وحكيمة دورة الزمان، فما اعتبره فرنسيس فوكاياما منذ عقدين من الزمان بـ "نهاية التاريخ" بعد انهيار النظام الشيوعي في العالم وانتصار الليبرالية، يمكن أن يقال اليوم عن أزمة الثقة المرعبة في النظام الرأسمالي، وبقدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في العالم. بحيث يمكن القول إن الازمة المالية الكبرى التي تجتاح العالم بأسره تسجل نهاية التاريخ الفوضوي للرأسمالية؟ الكل يتحدث في الغرب اليوم عن ضرورة وضع قواعد صارمة جديدة لضبط حركة رؤوس الأموال في أسواق المال العالمية، وهذا يعني أن النظام الرأسمالي في الغرب كان من دون قواعد أو ضوابط .. معتبرين أن ما مضى قد انقضى، وأن العالم الغربي به حاجة الى وضع حدود للتلاعب بالمدخرات والمضاربات المالية .. به حاجة لمراجعات اقتصادية تقضي بوضع ضمانات لمدخرات المواطنين والحفاظ على مستوى مقبول لمعيشتهم، وان الدولة، بغض النظر عن إيديولوجيتها السياسية، لابد أن تتدخل مباشرة في توفير هذه الضمانات. وما هذه القناعات الجديدة سوى تراجع جذري عن الرأسمالية.
نعم، لقد سخر الاشتراكيون الديمقراطيون الأوروبيون من هرولة الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي عبر عن مخاوفه من انزلاق بلاده الى ما وصفه بالذعر الاقتصادي .. هرولته لقيام الدولة بحملة الإنقاذ التي خصص لها 700 مليار دولار بتوقيع قانون دعم الاستقرار الاقتصادي العاجل لعام 2008، الهادف إلى تأمين حماية أفضل للمدخرات والأملاك العقارية التي تعود إلى دافعي الضرائب وشراء الديون المتعثرة من المؤسسات المالية، وهو أكبر تدخل حكومي في الأسواق المالية منذ الكساد الكبير العام 1929 .. نعم، سخر الاشتراكيون من خطة بوش واعتبروه، وهو الرأسمالي المحافظ أول من ودع "بيت الطاعة" الرأسمالية لاتخاذ قرارات وصفوها بالاشتراكية، فأنظمة الحماية ودولة الرعاية والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية وتدخل الدولة وحماية البنوك من الافلاس وتأميم بعضها، ما هي سوى خلاصات عمل الاشتراكية الديمقراطية.
وتدل الأوصاف التي أطلقها الرأسماليون الفرنسيون على حدة وخطورة الأزمة وضرورة الخروج منها بتدخل من الدولة أيضاً، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون بـ "الأزمة الكبرى التي تدفع النظام الاقتصادي العالمي برمته إلى شفير الهاوية"، وما أكده رئيس مجموعة منطقة اليورو جان كلود يونكر بأن "المصارف الأوروبية بدأت تغوص في المياه العكرة!"، وهو ما دفع الكثير من الأوروبيين للمطالبة بحملة إنقاذ أوروبية على غرار حملة الانقاذ الأميركية.
ولإيمانه بأن "الأزمة الاقتصادية والمالية سيكون لها انعكاسات سلبية في الأشهر المقبلة على النمو، وعلى معدلات البطالة والقدرة الشرائية للفرنسيين والأوربيين"، دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قادة الدول الاوروبية الأكثر ثراء (المانيا، بريطانيا، ايطاليا فضلاً عن فرنسا طبعاً) للاجتماع في باريس، بيد أنهم اختلفوا، ليس في مسببات الأزمة وخطورتها على العالم، ولكن في طريقة معالجتها التي تبدو وكأنها معالجة اشتراكية بحتة .. ويا للمفارقة حين يتبنى الرأسماليون قرارات اشتراكية!
ولا نستغرب اعتبار وزير المال الألماني بير شتاينبروك، وهو يحدث نواب برلمان بلاده "أن الولايات المتحدة تتحمل وحدها مسؤولية الأزمة المالية العالمية الراهنة"، وتشاؤمه بتأكيد "أن العالم بعد الأزمة لن يكون كما كان قبلها" ..ولكننا ندهش من تأكيده فقدان الولايات المتحدة صدقيتها، بل وفقدانها مكانتها كقوة كبيرة في النظام المالي العالم، وللمفارقة فهو يكيل لواشنطن كل التهم، معتبراً أن الأزمة ليست سوى "حملة إنغلوساكسونية لتحقيق أرباح كبيرة ومكافآت هائلة للمصرفيين وكبار مديري الشركات"!
يبدو أن الأزمة لن تقف عند حد، فلا الأميركيون وحدهم قادرون على مواجهتها ولا الأوروبيون، فهي كما وصفها، بكل شماتة، القيادي في الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي أصبح مديراً لصندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس خان "تبعث المخاوف بشأن قدرة البنوك العالمية على الوفاء بالتزاماتها، وهي تدفع النظام المالي العالمي الى حافة انهيار شامل".
ولهذا السبب فإن الرئيس الأميركي جورج بوش وبعدما استمع إلى وزراء ورؤساء المصارف المركزية لدول مجموعة السبع ورئيس البنك الدولي والمدير العام لصندوق النقد الدولي الذين اجتمعوا في واشنطن بناء على طلبه، اعترف بأن جميع من اجتمع بهم يؤمنون بأننا "إزاء أزمة شاملة تتطلب ردا جديا على المستوى العالمي". وكالعادة فإن اقتصادات الدول النامية بدأت تدفع الثمن حسب درجة اندماجها وتكاملها مع اقتصادات الدول الكبرى .. فإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على خسارة اكثر من 150 مليار دولار في بضعة أيام، فإن دولا كثيرة ستدفع أكثر مما تتحمل، وباعتراف رئيس البنك الدولي روبرت زوليك فإن "تباطؤ حركة التصدير بالتوازي مع ارتفاع أسعار القروض ستؤدي بالنتيجة الى انهيار المصالح في الدول الفقيرة وحتى إلى إفلاس بعض هذه الدول". القناعة نفسها نجدها لدى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي وجد نفسه مضطراً للتحذير من تأثيرات الأزمة المالية الحالية التي تهدد بنظره معيشة مليارات الأشخاص عبر العالم، وخصوصا الأكثر فقرا .. وهنا تتأكد الحكمة الصينية القائلة: "إذا قلت ثروات الأغنياء يموت الفقراء"!
التعليقات
تقلّ أو تزيد
نشتكين -عندما تقلّ ثروات الأغنياء أو تزيد يموت الفقراء, الفقراء خلقوا فقط لأنتظار الموت يا سادة!!!
تقلّ أو تزيد
نشتكين -عندما تقلّ ثروات الأغنياء أو تزيد يموت الفقراء, الفقراء خلقوا فقط لأنتظار الموت يا سادة!!!