الأمريكيون ليسوا أسياد العالم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
إميل أمين
هل يقتصر تراجع الدور الأمريكي وفلسفة صبغ القرن الحادي والعشرين بصبغة أمريكية كما سعى إلى ذلك المحافظون الجدد على ما تبقى من أيام معدودة لبوش في البيت الأبيض.. أم أنه تراجع بات محققا كظاهرة ستستمر في عهد خليفته الرئيس باراك أوباما؟
يبدو أنه أضحى لازماً على ساكن البيت الأبيض الجديد التوقف أمام عدة قراءات قبل أن يخطو داخل مقره الجديد لأربع وربما ثماني سنوات قادمة وفيها خلاصة لرؤى مفكرين ومنظرين يشهد لهم القاصي والداني بالخبرة مهما اتفق معهم أو افترق عنهم.
أولاها رؤية المفكر الأمريكي جوزيف ناي البروفيسور الشهير في جامعة هارفارد ومساعد وزير الدفاع في عهد إدارة بيل كلينتون، وهو صاحب نظرية معروفة في سماوات السياسة الأمريكية باسم ldquo;القوة الناعمةrdquo; وعنده أن القوة العسكرية والاقتصادية وكلاهما يطلق عليه ldquo;القوة الصلدةrdquo; لم تعد كافية في الهيمنة أو السيطرة لذا فهو يدعو الولايات المتحدة إلى استخدام قوة غير عسكرية في الترويج والترغيب لأفكارها وسياساتها.
ويطول الحديث عن نظرية ldquo;القوة الناعمةrdquo; لجوزيف ناي، لكن ماذا عن أحدث طروحاته التي عادت به لسطح الأحداث في الفترة الانتقالية بين رئاسة بوش وحكم أوباما؟
في مواكبة للأيام الأولى لاختيار أوباما كرئيس نوعي غير مسبوق إذا جاز التعبير، كان البروفيسور ldquo;جوزيف نايrdquo; يطلق صيحة شهيرة ldquo;القرن ال 21 ليس قرنا لأحدrdquo;.. ماذا يعني هذا الحديث؟ للجواب يلزمنا العودة إلى محطتين رئيسيتين في التاريخ الأمريكي تفصل بينهما أربعة عقود.
ففي سنة 1950 صاغ الخبير الاستراتيجي الأمريكي الأشهر ldquo;بول نيتزيrdquo; توجيهاً رئاسياً رقم 68 لسنة 1950 وقدمه إلى دين اتشيسون وزير الخارجية الأمريكية الذي وضعه أمام الرئيس هاري ترومان، وتقول مقدمته ldquo;إن الهدف الاستراتيجي لسياسة الولايات المتحدة يتحدد في تدمير الاتحاد السوفييتي وتحقيق تفوق عسكري أمريكي كامل عليهrdquo;، ولما جرى ذلك بالفعل في نهاية الثمانينات كان المحافظون الجدد يمثلهم ريتشارد بيرل يصيغ توجيها رئاسياً جديداً تقول كلماته بالنص ما يلي: ldquo;إن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن توصلت إلى تحقيق هدفها المطلوب بالتوجيه الرئاسي السابق على امتداد أربعين سنة من الحرب الباردة، ووصلت إلى تفوق اقتصادي وعسكري غالب عليها عند هذا المفصل التاريخي أن تضع وتنفذ السياسات الكفيلة بضمان استمرار القوة الأمريكية غالبة وبحيث تظل إرادتها غير قابلة للتحدي ودورها غير قابل للمنافسة بمعنى أن يضحى القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا بامتيازrdquo;.
غير أن تطورات العقد الأخير من القرن العشرين وسنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد أخلفت الحظوظ لفكرة القرن الأمريكي لأسباب كثيرة قادت إلى فشل منظومة ldquo;الانفراد القطبي بالكونrdquo;.
في هذا السياق يرى جوزيف ناي أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن أي قوة، ولن يكون قرن دولة ما، ويضيف: هذا القرن سيتطلب تقاسم القوى بين دول العالم المؤثرة لمواجهة مشاكل كونية تؤثر على البشرية جمعاء كالتغيرات المناخية والأوبئة المتوطنة، ويعتقد ناي أن فكرة صعود أو بقاء قوة واحدة مسيطرة تلعب دور القوة الأولى في العالم قد أضحت فكرة غير واقعية.
أما القراءة الثانية فيشير إليها رئيس ldquo;مجلس العلاقات الخارجيةrdquo; في نيويورك والمنظر السياسي الشهير ريتشارد هاس في دراسة حديثة له تحت عنوان ldquo;عصر اللاأقطابrdquo;، وهو هاس عينه صاحب النبوءة الأشهر بأن الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط قد انتهت وأن هناك قوة أخرى صاعدة ستحل محلها.
غير أن السمة الغالبة على الصعيد الدولي في تقديره لعلاقات القرن الواحد والعشرين تتحول من حالة الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى حالة اللاقطبية، عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان أو حتى عدة دول، وإنما عشرات الفاعلين الذين يمتلكون ويمارسون أنواعا مختلفة من القوة وهو أمر يمثل تحولا ldquo;بنيوياrdquo; عن الماضي.
ماذا عن ملامح ذلك العالم؟ بحسب رؤية هاس أنه يمكن لأنظمة متعددة الأقطاب أن تصبح متعاونة حتى أن بإمكانها أن تأخذ على عاتقها صيغة انسجام القوى ldquo;كونسرت قوىrdquo; التي تعمل فيها بضع قوى رئيسية معا على تأسيس قوانين اللعبة وتأديب أولئك الذين ينتهكونها، كما يمكن لهذه القوى أن تكون أكثر تنافسية، تنافس يدور حول توازي القوى أو تنافس تصارعي عندما ينهار التوازن. القراءة الثالثة نجدها عند تشارلز كروثامر الملقب بكبير كهنة المحافظين الجدد والذي كتب قبل نحو عقدين من الزمن عن ldquo;لحظة القطب الواحدrdquo; وكيف أنها تدفع في سياق التطور التاريخي الطبيعي إلى ظهور تعدد الأقطاب أما كيف ذلك فيمكن تفسيره على أساس أن القوى العظمى عندما كانت تتصرف كقوى عظمى منفردة بأحوال العالم وهذا يشمل ما قبل ظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وينسحب على الإمبراطوريات التاريخية قبل وبعد الميلاد فإنها كانت وعن غير عمد من جهتها تحفز المنافسة من قبل آخرين يخافونها أو يستاؤون منها.
ويؤكد كروثامر على أن تعددية الأقطاب ستأتي في وقتها لاشك بذلك ففي جيل آخر أو ما يقرب منه ربما سيكون هناك قوى عظمى مساوية للولايات المتحدة وندية لها، كما أن العالم سيماثل من حيث بنيته حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى. والتساؤل: ما هي خلاصة رؤية ناي وهاس وكروثامر وقد قصرنا عن عرض رؤى مشابهة لفريد زكريا وخلافه كثيرين تصب في ذات المعين؟
أفضل جواب هو مقولة عالم اللسانيات الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي: ldquo;الأمريكيون لم يعودوا أسياد العالمrdquo; هذا المفهوم في واقع الأمر كرسته كوندوليزا رايس قبل مؤتمر المصالحة العراقية في شرم الشيخ منذ بضعة أشهر عندما وجهت حديثها للحضور بالقول: ldquo;أوقفوا تدفق الأسلحة إلى المقاتلين الأجانب، أوقفوا تدفق المقاتلين الأجانب الذين يعبرون الحدودrdquo;، وقد كانت تشير إلى المقاتلين والأسلحة الإيرانيين باعتبار أن مقاتلي الولايات المتحدة وأسلحتها في تقديرها ليسوا أجانب في العراق، ولا في أي مكان آخر بالتأكيد، فواشنطن سيدة الكون والأمريكيون أسياد العالم يملكون الحق في غزو أي بلد وتدميره ساعة يشاؤون.
في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق علق المؤرخ العسكري ldquo;الإسرائيليrdquo; مارتن فان كريفلد بالقول: ldquo;إذا لم يكن الإيرانيون قد حاولوا صناعة أسلحة نووية فإنهم سيكونون مجانينrdquo;.
والتعبير هنا يقودنا لفهم، لماذا ظهرت الأقطاب المتعددة، ولماذا بات على الجميع الاستعداد اليوم ملاقاة واشنطن؟ وبهذا خسرت أمريكا صورتها التي سعى العالم للتمثل بها غداة الحرب العالمية الثانية وباتت تمثل الفيل المنطلق في متحف الخزف.
هل سيقدر أوباما على محاربة أشباح سياسات الماضي الأمريكية العنصرية تجاه دول العالم مختارا تغييرا حقيقيا لا شعارات جوفاء؟
ربما يحسن أن ننتظر ولو قليلا ذلك أن ما يهمس به اليوم في المخادع سينادى به غدا من على السطوح.