سرقات «الفرهود» تستبيح الأسواق العراقية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الأميركيون شجعوا الناس على نهب خزائن الدولة المنهارة
" البيان "
مع هبوب "رياح التغيير" على العراق طرأت تغييرات أيضاً على مهنة "السرقة"، وعلى "الحرامية" أيضا، فما عاد الليل ستارا للصوص وما عاد الشرطي عدوهم الأول والأخير بعد ان انتشر "الفرهود" أو عمليات النهب التي أعقبت الغزو الأميركي قبل خمس سنوات.
فبعد يومين فقط من دخول الأميركيين واحتلال بغداد، صحا العراقيون على حادث مهم في تاريخ بلدهم، تمثل باستباحة المخازن الكبرى في مناطق عديدة من بغداد والمحافظات، منها مخازن الدباش وابي غريب والحصوة وغيرها، عدا استباحة الدوائر الحكومية وقصور الرئيس السابق وكل ما كان ملكا للحكومة الزائلة.
ويقول حميد دواي من منطقة ابي غريب "عايشت الحدث في العام 2003 وأتذكره جيدا، فقد أقدم جنود أميركيون على كسر إقفال المخازن وقاموا بدعوة الناس لدخولها واخذ ما يودون أخذه (لأن هذه الأشياء تمثل حصتهم من النفط) التي حبسها عنهم صدام حسين طويلا".
صدق البعض هذه الحكاية ولم يهتم البعض الآخر بتصديقها أو تكذيبها أمام إغراءات البضائع التي كانت مخصصة لتجهيز الأسواق المركزية وبضائع أخرى مستوردة من قبل شركات انتاجية وصناعية كالسيارات والأجهزة الكهربائية والمواد الإنشائية وما شابه. وهكذا انقض الناس على المخازن غير عابئين حتى بسقوط بعضهم برصاص الأميركيين أو نتيجة لصدامات قاتلة بين "السلابة" أنفسهم.
ويصف المهندس الزراعي حميد الزيدي ذلك المشهد قائلا "لاحظت نظرات جديدة في عيون الناس المنقضين على المخازن، كانت مليئة بنوع من الفرح والتشفي وكأنهم عالجوا بالنهب حرمانا دام سنوات طويلة من أبسط وسائل الراحة والسعادة في الحياة". استمر "الفرهود" أو عمليات النهب اياما وشارك فيه أشخاص وشرائح لم يتصور أحد مشاركتها فيه قط، وحجتهم في ذلك جميعا ان ما يحصلون عليه ب"شطارتهم" لا يعدو كونه "حصتهم من النفط" التي حرمهم منها صدام طويلا.
كان ابرز من شارك في "الفرهود" الذي حمل تسمية "الحواسم" من باب السخرية، الحرامية، ابتداء بالهواة، ومرورا بـ "النشالين" وحتى "المحترفين" الذين خرج اغلبهم من سجون صدام بفضل العفو العام عن السجناء الذي سبق دخول القوات الأميركية في العام 2003.. إذ اقتحم المحترفون منهم مصارف الدولة وكسروا خزائن دوائرها، وحملوا النفائس من قصور الرئيس السابق، بينما سارع الآخرون إلى حمل كل ما يمكن حمله، ثم بيعه.
بعد مرحلة "الفرهود" جاءت مرحلة التصريف التي حولت "حرامية الفرهود" إلى تجار كبار وصغار. فأما الكبار فتعاملوا بالدفاتر الخضر "الدولارات" وبيع البضائع الثقيلة، ودخلوا السوق بأقدام راسخة، فظلوا تجارا وتناسى غالبيتهم مهنتهم الأساسية "السرقة" ليخوضوا في عالم التجارة وليمارسوا السرقة بطريقة أذكى وأكثر لياقة عملا بمبدأ "التجارة شطارة".. أما من تحولوا إلى تجار صغار، فاكتفوا ببيع البضائع "الفرهود" في الأسواق التي ظهرت مع سخونة المرحلة لتحتل أرصفة الشوارع الرئيسية في بغداد، ويطلق عليها "أسواق الحرامية" لأنها تحتوي على ما سرق وسلب ونهب من دوائر ومؤسسات الدولة والدور السكنية علنا دون خوف أو حياء.
وعن تلك الفترة تحدث بائع بسطية قديم نوعا ما في منطقة باب الشرقي، رافضا ذكر اسمه، فقال إن أسواق الحرامية انتشرت في عدد من المناطق، مثل بغداد الجديدة والزعفرانية والحبيبية والنهضة وباب الشرقي طبعا، عدا الأسواق التي انتشرت في بعض الأحياء السكنية، وفي تلك الأسواق لم تحصل مساومات كبيرة، ذلك ان بعض الباعة (من الحرامية) لم يكونوا على علم تام بأسعار بضائعهم فكانوا يبيعونها بأي سعر، لذا بيعت أجهزة وبضائع ذات قيمة مادية كبيرة بأسعار زهيدة.
ويضيف شهدت تلك الأسواق بيع المواد الاحتياطية للسيارات والمكائن الخفيفة والثقيلة وأجهزة الحاسبات ولوحات أرقام السيارات بأنواعها وأسلحة متنوعة، إضافة إلى أجهزة وقطع الأثاث المكتبية التابعة للدوائر الحكومية وكل ما احتوت عليه الأسواق المركزية من بضائع ابتداء من السجاد الفيتنامي وحتى الملابس الداخلية.