جريدة الجرائد

إيران والعرب والدور الذي على العراق أن يلعبه

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جابر حبيب جابر

زيارة الرئيس الايراني احمدي نجاد الى العراق أثارت الكثير من الاهتمام وردود الفعل التي لا تحصل في هكذا نوع من الاحداث، وتباينت الآراء حتى لم يجمعها جامع سوى الافراط في تقييم الحدث والميل الى أدلجته. والحقيقة ان هذا الأمر مفهوم نظرا لتاريخ البلدين والمنطقة ككل. والمؤسف انه لا يبدو عموما ان لهذا التاريخ قيمة ما أو ان لدروس الماضي معنى لدى أحد. الأمر يتعلق بمنطقة لا يتحمل أحد تكلفة الفوضى فيها، لكنها وللمفارقة منطقة تعد تكلفة استقرارها الأبهظ ثمنا في العالم.
كلما لبست ايران ثوبا محافظا في الداخل أصبحت في نظر محيطها قوة ثورية تسعى الى التغيير، وكلما ادركها محيطها كذلك أخذ يجاهد لمقاومة الامتداد الايراني، وفي الغالب يكون على العراق الساحة الكبرى الفاصلة بين "العالمين" العربي والفارسي ان يدفع الثمن الاكبر.
بعد الثورة الاسلامية في ايران انيطت بصدام حسين، او هو أناط لنفسه، مهمة التصدي لاحتمالات التثوير القادمة من هناك، ودفعت دول الخليج قدرا كبيرا من تكاليف هذه الحرب في حين بدأ العراق رحلة انحداره الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تكلفتها بالأرقام 500 مليار دولار، لكن تكلفتها على صعيد ما أسسته لانهيار قيمي واجتماعي أكبر بكثير. انتهت الحرب التي مازال الكثيرون يجهلون أسبابها الى حال اللاغالب واللامغلوب وتحول العراق الى نموذج للدولة العسكرتارية التي لا يستطيع نظامها أن يستمر من دون استمرار عسكرة المجتمع. طلب صدام من دول الخليج أن تواصل تمويله وان تسدد الجميل، وعندما واجه الرفض احتل الكويت وأرسل رسالة الى رفسنجاني يقبل فيها بكل ما طلبته ايران في مفاوضات ما بعد الحرب، خاتما رسالته بعبارة "وكأن شيئا لم يكن"، وهكذا ربح الايرانيون تلك الحرب سياسيا وربح النظام الاقليمي العربي عبر الوهن الذي أصاب نزعة التثوير لدى ايران وتوقفها عن تهديد استقرار المنطقة وربح الغرب ببيع أسلحة الى المتحاربين والى دول الخليج وبالإنهاك الذي أصاب البلدين، وخسر العراق كل شيء.
مشكلة العراق انه عندما يكون قويا يدفع دائما للاختيار بين العوالم التي تحيطه، وعندما يكون ضعيفا يصبح ساحة لصراع هذه العوالم. الأمر لا يتعلق فقط بالصراع الايراني الخليجي، بل وأيضا بالصراع التقليدي الايراني ـ التركي الذي لم يكن ليتراجع لولا قرار تركيا الاتاتوركية التوجه نحو الغرب. التعليقات على زيارة نجاد الى العراق فهمت على خلفية هذا الصراع، كما ان تلك الزيارة ليست بريئة منه. العراق ليس مكانا يمكن تجاهله أو عزله، بل يمكن فقط التنافس عليه او التنافس به وهو في الحالتين الخاسر الوحيد.
مشكلة العراق ليست في ان جيرانه يتدخلون بل في انه عاجز عن ان يؤسس لنفسه هوية تجعله خارج اطار صراع الجيران، بل والأهم من ذلك، تجعله جسرا بين هؤلاء الجيران. العراق لا يمكن ان يستقر أو ينهض او يبني دولة مدنية حديثة اذا اختار لنفسه أحد الدورين المعروضين عليه: اما ان يصطف مع جانب ضد آخر او يكون ساحة لصراع الآخرين. ولذلك يبدو اللهاث باتجاه علاقة استراتيجية وثيقة مع ايران تكرارا معاكسا لخطأ صدام إن لم يوازنه حراك متحمس نحو الفضاء العربي.
عندما تبنى هوية العراق على أساس العداء لأحد جيرانه فإنها تكون هوية مبتورة ضعيفة هائمة تربط مصير البلد بمتغيرات السياسة بدلا من ان تجعل الاخيرة تابعة لذلك المصير. ان البلدان تكون اكثر قوة عندما تسند هوياتها الى الامل لا الخوف، على الانفتاح لا الانغلاق، والى التعاطي مع المحيط لا الانكفاء عنه، خصوصا عندما يكون هذا الانكفاء مستحيلا كما في حالة العراق اليوم.
العراق اليوم ولأول مرة في تاريخه يصنع سياسته الداخلية على أساس المساومة بين مكوناته لا على أساس الإلغاء، هذه العملية قد تكون ناقصة وقد تشهد ارتدادا وقد تتلاشى تحت الحاح ثقافة الاستئثار واختزالات الايديولوجيا وعدم نضج الطبقة السياسية. ولكنها اذا ما سارت بشكل وطيد ستكون فرصة فريدة للعراقيين لإعادة اكتشاف اهمية بلدهم وثراء تاريخهم ومعنى ان تستوعب هويتهم الجامعة خصوصيات اجزائها ولا تلغي حقائق التاريخ والجغرافيا. بالطبع قد يدرك العراقيون أنهم عاجزون عن ان يؤسسوا لهوية جامعة، وهو أمر يمكن تصوره في ظل عمق التباين بينهم اليوم فيختارون ألا يكونوا مع بعض وهو في اي حال الخيار الاقل سوءا من ان يقاتل بعضهم البعض.
الحقيقة الاساسية ان العراق إذا ظل بلدا موحدا فهو اكبر من ان يختزل الى تابع لإيران او لأي من دول جواره. وتلك الحقيقة هي التي يجب ان يدركها من يخشى خضوع العراق لجار آخر. ولذلك فان على الجوار العربي مسؤولية كما ان على العراقيين مسؤوليات. العرب يجب ان يدركوا أن العراق بحاجة اليهم كي يبقى موحدا، كما انهم بحاجة الى وحدته تلك اذا كان الخطر الايراني هو ما يخشونه. والعراق الموحد بأسلوب عسكرتاري هو أمر أثبت ضرره للعرب لحظة غزو الكويت كما انه بعيد المنال مع عجز الجيش الأميركي عن فرض قبضته عليه. العراق الموحد عبر تراضي ابنائه ومكوناته هو الضمان الاستراتيجي ضد هيمنة وطغيان أحد جيرانه بقدر ما هو الجسر القادر على ربط هؤلاء الجيران. هناك أجندات أخرى قد تكون الاسرائيلية بينها وقد تكون مدعومة ببعض دوائر التأثير في اميركا تميل الى تعزيز الانقسام الطائفي داخل المنطقة وقد تسعى الى ان تمنع العراق من هكذا دور. لكن اذا كان هناك شيء ينبغي تعلمه من التاريخ فهو ان الصراع الايراني العربي سواء كان العراق فيه رديفا لأحد الطرفين او ساحة للمواجهة بينهما، هو صراع لا رابح فيه، جميع اطرافه خاسرون، إلا ان العراق هو دائما من يدفع الثمن الأكبر، وهذه المرة سيكون الثمن ليس أقل من وجوده؛ وهو ثمن لا أحسب أن أحدا بنية سليمة يسعى اليه.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
ايران والعرب
ا بو على -

لولا العراق اين هى دول الخليج بعد الحرب تركوا العراق اقتصادا مهدم والكويت تسرق نفطه ولحد الان مصيبه فرس وبدو جهله على العراق ان بترك هؤلاء كلهم ويبنى اقتصادا مستقل ويتعامل عهم كغرباء

مراجعة للمواقف
علي الأعرجي -

لا زال العرب حكومات و شعوباً تدفع بالشيعة العراقيين إلى الإستناد إلى قوة إيران خوفاً من عودة تيه الأربعين عاماً الماضية التي سيطرت فيها عصابات على مقاليد الحكم و سوقت نفسها على أنها تنتمي إلى المحيط العربي السني و بذلك أخرجت الشيعة العرب من بوتقة المحيط العربي ليحسبون ناطقين بالعربية لا غير نظراً لإختلافهم المذهبي. الخمس أعوام الماضية لم تكن بأحسن من سابقاتها في تعزيز الفرز الطائفي بين العراقيين. على العرب أن يحددوا موقفهم من قضية الأقليات المذهبية و الدينية و الفكرية التي تعيش وسطهم. إيران تتمدد في العراق نتيجة للعاهة الدائمة التي إبتلى بها العقل العربي في التعامل بتمييز بغيض مع الآخر المختلف. و لكن, لا زالت الفرصة مواتية لفتح صفحة إن لم تكن صحفات جديدة مع العراقيين أجمعم لا مع لون واحد من ألوان الطيف العراقي.

المشكله فينا
عراقي منزعج -

المشكله فينا ليس هناك ولاء حقيقي للوطن الذي نعيش فيه ولا يتقدم العراق اذا تحكمه العمائم

سيبقى العراق
د.عبد الجبار العبيدي -

مقالة تصح ان نقول عنها انها تتعايش مع الواقع العراقي الحالي.لقد ثبت ان للتغيير الاخير في العراق اهداف محددة، لا اعتقد ان منفذيها على علم ودراية بها تماما، لضعف ثقافتهم وخبرتهم السياسية من جهة ولجهلهم بتاريخ وجغرافية العراق من جهة اخرى .فأكثرهم غرباء عن الوطن العراقي،فراعوا يفتحون اذرعتهم السوداء للمحتل الاجنبي ههدمين كل اسوار المنعة الجغرافيةوالتاريخ معتقدين انها فرصة العمر للاثراء الشخصي واستلام السلطة وهم خاطئون،ومن جهة اخرى فشل العرب المؤيدين للتغيير بان نظاما مبني على الاعتداء والعسكرتارية قد ازيل من امامهم فليحققوا اهدافهم الخاصة دون عائق كما في الكويت،لان الشعب العراقي كان رافضا احتلال الكويت.انا اعتقد ان الدين اصبح تجارة رابحة بين ايران الاسلامية من جهة وقادة العراق الحاليين من جهة اخرى، واذا تزعم الشيعة تجارة الدين بينهم وبين ايران فهم الخاسرون وطنا ودينا معا، لان ايران لادين لها بالمفهوم الايديةلوجي قدر ايمانها بالسيطرتها على المنطقة عن طريق العراق فهو ارثها القديم الذي لا ينازع وما كانت امبراطوريتها الفارسية قوية الا به،ولا اعتقد ان صدام كان خاطئاً في هذا التقييم لكن الخطأ انه بدأ بحرب هو لا يقوى عليها معتمدا على قبائل عربية تنهزم عند الشدة.والامريكان اقتحموا العراق اليوم ليس من اجل عيون العراقيين وازاحة نظامهم الفاشي ،ولكن من اجل ان لا تكون ايران هي المواجهة للحرب القادمة معهم وقد أخطأوا هم ايضا حين سلموا مقاليد العراق لحلفاء ايران فوقعوا في خطأ التقدير،كما ان ابتعاد العرب عن العراق هو الخطأ الاخر الاكثر اهمية الان.والنتيجة لا ايران ستربح الجولة ولا امريكا ولكن العراق هو الذي سيربح الجولة حين يظهر للعراقيين حلفاء ايران والامريكان لابد من العودة للوطنية والتخلي عن الاخرين والا فأن الحرب ستستمر ولا تقوى عليها لا ايران ولا امريكا مستقبلا او تنتهي بتدميرهما معا.وسيبقى العراق.