جريدة الجرائد

صديقتي اللندنية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فؤاد مصطفى عزب

لندن تكاد تكون منزلي الثاني، أذهب إليها حيث هناك فرع للشركة التي أعمل بها، أحمل إليها أكثر من مرة في العام حقائبي المتخمة بالرحيل لازلت أفرح بأن أقضي أطول فترة ممكنة في هذا الركن من الدنيا حيث يتلاشى الوقت ويقصر العمر تظل لندن مهما تقلبت الفصول في أنحاء العالم قصيدة أليفة. أتعامل في الشركة في معظم الأوقات مع عجوز اسكتلندية شوه العمل جمالها قصيرة شقراء كالتين المطبوخ تجر قدميها المرتخيتين كجناحي نسر عجوز أنهكه الزمان وهي طيبة دائمًا تغدق على المكان هالة من المرح تعيش أيامها كوردة يابسة في كتاب بعد ان توفي زوجها وتركها لا ابن ولاحفيد..
مازحتها يومًا عن مصير قلبها الأشقر أجابتني بابتسامتها التي تفقس بها قوس الكآبة أنها تركته في الخزانة مع الثياب وأواني البيت بعد ان تركها "جف" زوجها.
ودعتها كالعادة حاملًا حقيبتي وجسدي فقد كان يومًا طويلًا من العمل المرهق الذي فرض نفسه على جميع العاملين في الشركة كان يومًا أحسست فيه انه تعدى حدود الساعات اليومية على حائط الوقت.. مضيت للخارج كطليق التعب يعضني هواء بارد وتسري في اطرافي لذعة برد خفيفة توقفت أمام العمارة المقابلة للشركة والتي تحولت إلى ورشة عمل خرسانية وبناء وتكسير وإضافة وإلغاء لأعقد ربطة حذائي سمعت صوت قطة حائرة كانت تحتمي ببقايا هذا المبنى وتتدثر بالأحجار المتبقية من قسوة البرد كانت جائعة أخرجت من حقيبتي ldquo;سندوتشrdquo; أحمله دائمًا معي استعدادًا لأي هجمة مباغته "للسكر" الذي أحمله هو الآخر معي منذ أن كنت طفلًا.. اقتربت منها وقدمت إليها محتويات السندوتش وكان ذلك السندوتش عربون صداقة صرت بعدها أمر على هذا المبنى كطفل كبير ودع الخمسين بكثير أترك لصديقتي اللندنية زادي ومع الأيام صار بيننا عيش وملح وميثاق جميل وموعد ولقاء وصار لتلك القطة في قلبي مساحة تقوقعت فيها..
ولسبب ما أحسست أن هذه القطة تغرق في وجداني غير تاركة حيز فراغ واحد وقبل أن أترك لندن بأيام اشتد البرد في تلك المدينة الأمر الذي كثف من مشاكل مفاصلي أخذت له حقنة في المكتب فقل بنسبة كبيرة.. داعبتني العجوز الاسكتلندية مداعبة ماكرة وهي تشاهدني أعطي نفسي الحقنة بقولها آن الأوان أيها العجوز أن تعود إلى مكان اقامتك لا تعتمد على مهارتي التمريضية.. قلت لها أنا عائد لكنني سأمر على صديقتي أطمئن عليها فشمس لندن اليوم ميتة لا تبشر بالخير. وانطلقت أتلوى في أزقة لندن أصغي للرذاذ وحبات المطر الخفيفة ذهبت إلى المبنى تلمست الفراغ.. لم أجد صديقتي دعابة لم أتعودها منها صرت أبحث بشغف عنها تجمدت وأنا أبحث عنها.. وفجأة ظهرت وهي تحمل مولودًا في فمها وتلقيه بين قدمي بعد أن أمنت لي وتأكدت من حسن معاملتي لها كأم كانت عيونها السنجابية وفروها المبتل وجسدها المرتعش المرتبك وصرخاتها المكتومة تصب في قاع روحي كان كل مواء منها يقول لي خذني معك وطفلتي كانت تخاطبني بانكسار وتوسل كالروح الفارة من الجسد كانت تتمسح بي وتحك اطرافها بسترتي الصوفية كشال من الحنان ذكرتني برذيل العمر عندما ترتفع أصواتنا وتتهالك قوانا تفجرت مشاعري كحبوب الذرة في المقلاة وما هي إلا لحظات وإذا بي أحمل القطة وطفلتها في يدي بوداعة وأنا بكامل قواي القلبية إلى حتفهم الجميل حيث أقيم. في اليوم التالي أخبرت العجوز بأمر صديقتي اللندنية وابنتها كان نهر كلامي عميقاً عنهما وانتهى بمحاولة غبية ورجاء وتوسل أن تتبنى العجوز صديقتي وابنتها واحترمت العجوز جنوني وإنسانيتي وأخذتهما مني إلى مأوى محترم في منزلها حيث بددا وحدتها ووحشتها المفرطة.
قد يقول قائل ومالنا ومال هذه القطة وابنتها..؟ وأقول إنني ذكرت هذه القصة لأثبت لكم أن بعض الحيوانات أصبحت أحن على أولادها من معشر البشر الذين يرمون بمواليدهم أمام أبواب المنازل للتخلص منهم أو يخفونهم في حاويات النفايات تخلصًا من مشكلة أو فضيحة أو ينبذونهم في مطاعم وحيدين بعد ان يتسللوا في غفلة منهم كما فعلت إحداهن في "جدة" أو يستخدمونهم كسلعة يقايضون بها الأسر الميسورة الحال على حضانتهم والاهتمام بهم أويستغلون ضعفهم وقلة حيلتهم وعجزهم فيقومون بتعذيبهم واحتقارهم والإساءة إليهم يركلونهم بأقدامهم ككائنات زائدة عن الحاجة محولين تلك الكائنات الرقيقة من أطفال معافين إلى أطفال معاقين مُشوهين لا بل وصل الحد ببعض هؤلاء الجلادين الذين يعيشون في أكبر مساحة من البشاعة إلى ان يطفئوا السجائر في تلك الأجساد الرخوة الطرية وبدم بارد وحواس مقتولة ومن تلك الأزهار ما لفظت أنفاسها بين يدي تلك المخلوقات الأسطورية البشعة هذا ما تقوله صفحات الصحف حول كتيبة إبادة الزهور وتشهد عليه من أفعال تثير القشعريرة في الروح والجسد في الوقت الذي تحرص فيه بعض الشعوب المتقدمة على مراقبة هذه القلوب البريئة بكاميرا القلب بل يعطونهم حنانًا مضاعفًا ويبلون ريقهم بالحلوى ويمنحونهم أزهارًا وفراشات وأكواز ذرة وفطائر محشوة بعسل المستقبل ويا أمان الخائفين!!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف