جريدة الجرائد

سؤال الأولويات مطروح على رايس قبل إسرائيل

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

طلال عوكل

عن كثب وبشكل حثيث تتابع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وتائر سير المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي لا تقدم مؤشراتها حتى اللحظة أية بوادر إيجابية نحو التوصل إلى اتفاق خلال ما تبقى من هذا العام.

زيارتها الأخيرة التي تزامنت مع انعقاد جلسات القمة العربية العشرين في دمشق، حملت هدفاً واضحاً ومحدداً، وهو إحراز تقدم في عملية السلام مع زيارة بوش المقبلة إلى إسرائيل للمشاركة في احتفالاتها بالذكرى الستين لقيامها، والتي تصادف شهر مايو المقبل.

على أن رايس التي قامت خلال زيارتها الأخيرة بحركة مكوكية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، لم تخرج سوى بمطالبة الطرفين مواصلة المفاوضات بشكل حثيث، مع وعد بأنها ستتابع مدى التزام كل منهما بتنفيذ ما ترتبه عليه خارطة الطريق من متطلبات، وبأنها ستصدر تقريراً بذلك، كانت سابقاً قد أعلنت بأنها تفضل أن يكون سرياً.

لهذا الغرض، تحدثت مصادر دبلوماسية أميركية عن زيارة يقوم بها هذا الأسبوع كل من رئيس مجلس الأمن القومي ستيف هيدلي، والمنسق الأميركي الأمني الخاص، الجنرال ويليام فريزر بهدف دراسة كيفية تطبيق الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لتعهداتهما في خارطة الطريق وأيضاً للتمهيد لزيارة الرئيس بوش.

المصادر الأميركية تتحدث عن محاولة التوصل إلى اتفاق مبادئ نصفي يعلنه الرئيس بوش، كثمن ونتيجة لزيارته التي لم يسبقه إلى مثلها أحد من الرؤساء الأميركيين، ولإضفاء قدر من التفاؤل إزاء إمكانية أن تصل المفاوضات إلى مبتغاها قبل نهاية هذا العام.

في مطلق الأحوال ثمة تراجع واضح في الآمال المعقودة على المفاوضات، إذ طغى على تصريحات معظم الجهات المعنية والمهمة إسرائيلياً ودولياً، طغى قدر من التراجع عن المطالبة بتحقيق اتفاق يلبي رؤية الدولتين للرئيس بوش إلى المطالبة باتفاق مبادئ أو إطار للتسوية.

وكهدف ملموس لتحسين بيئة المفاوضات كررت رايس خلال جولتها الأخيرة الحاجة لإدخال تحسينات على حياة الفلسطينيين كان وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك قد وعد قبل وصول رايس بتحقيقها، تحت عنوان رزمة من التسهيلات للتخفيف عن الأعباء المفروضة على السكان في الضفة.

سلة التسهيلات التي قدمها باراك في تقرير يزيد عن ثلاثين صفحة أمام رايس، ورئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور سلام فياض، تلك السلة تضمنت السماح للسلطة بنشر نحو ستمائة شرطي لحفظ الأمن في جنين، وإزالة حاجز واحد من أصل 580 حاجزاً، وخمسين ساتراً ترابياً جرى إزالة عشرة منها، فضلاً عن إزالة بؤرة استيطانية واحدة من أصل أكثر من مئة.

وبالرغم من أن إسرائيل لم تنفذ شيئاً مما ورد في سلة التسهيلات سوى عشرة سواتر ترابية، إلا أن من العبث الخالص الاعتقاد بأن تنفيذ كل ما ورد يمكن أن يبدل أو يحسن حياة الفلسطينيين أو البيئة التفاوضية التي حكم عليها الرأي العام الفلسطيني، وكذلك الإسرائيلي بأنها غير مفيدة.

فبحسب استطلاع للرأي مشترك نظمه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ومقره رام الله ، ومعهد ترومان للسلام في الجامعة العبرية فإن 75% من الجمهور الفلسطيني و53% من الإسرائيلي يعتقدون أن المفاوضات غير مفيدة، وأغلبية الجمهور من الطرفين، فقدت الثقة بعملية السلام، وتؤيد المزيد من العنف.

وفي الواقع فإن مهمة رايس تبدو أكثر من صعبة، وربما يستحيل عليها وفق طريقة عمل الإدارة الأميركية أن تحقق ما تسعى إليه، إلا إن كان المطلوب إنجازاً شكلياً، تظاهرياً لحفظ ماء وجه بوش، ما من شأنه أن يعمق خيبة الأمل لدى كل الأطراف المتحمسة لدفع عملية السلام.

ففي تقرير نشر في 30 /3 من العام الجاري صدر عن مكتب الأمين العام للأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة، ومقرها في القدس، جاء أنه لم يحصل أي تحسن ملحوظ على الأرض في الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين منذ إعادة تنشيط العملية السياسية بعد قمة أنابوليس.

التقرير استعرض بالتفصيل مجمل الانتهاكات الاحتلالية ومنها تزايد العوائق التي تقيد الحركة، فحتى فبراير 2008 كان هناك 580 حاجزاً، لافتاً إلى أن المعدلات السنوية للعوائق كانت 472 حاجزاً في عام 2005، 518 عام 2006، 522 عام 2007. وأكد التقرير الأممي أيضاً أن 3 .38 % من أراضي الضفة تقع تحت سيطرة المستوطنات. أما بالنسبة لقطاع غزة، الذي يخضع منذ تسعة أشهر كاملة لحصار محكم وخانق فإن سلة التسهيلات الكاذبة لباراك والتي تصدقها رايس، لا تتضمن سوى المزيد من التهديدات والإجراءات العقابية التي جعلت مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في قطاع غزة، جون جينج يقول في وصف حال أهل القطاع بأنه أسوأ من وضع السجناء في معتقلات العالم.

يبدو أن رايس لا تقرأ الوقائع بشكل جيد، أو أنها محكومة بمنطق المكابرة والعنجهية التي قد تفيد في أماكن أخرى كثيرة، إلا أنها لا تفيد شيئاً مع إسرائيل التي تسابق الحزبان الأميركيان الجمهوري والديمقراطي إلى استرضائها.

يترتب على رايس حفاظاً على هيبة الدولة الأقوى التي تمثلها، أن تلاحظ قرار الكونغرس الذي صدر مؤخراً بالإجماع، ويضع قضية اليهود الذين اختاروا أو اضطروا لمغادرة البلدان العربية إلى إسرائيل، باعتبارها قضية لاجئين بموازاة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

كما يترتب على رايس حتى لا تخدع نفسها وإدارتها والعالم، أن تتمعن في تصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية ورئيس الوفد المفاوض تسبي ليفني التي قالت عقب لقاء الرئيس محمود عباس مع أولمرت يوم الاثنين الماضي، أن لدى إسرائيل خطوطاً حمر إزاء المفاوضات لا يمكن تج تجاوزها.

وبحسب ليفني فإن الخطوط الحمر، تتصل بموضوعات، بل أصعب ومعظم قضايا الحل الدائم، وهي القدس، واللاجئين والاستيطان والحدود، ما جعل رئيس الوفد الفلسطيني أحمد قريع يتحدث هو الآخر عن خطوط حمر فلسطينية، فهل سيكون بمقدور رايس مشلولة القدرة، أن تجعل إسرائيل تتنازل عن خطوطها الحمر، أم أن التخلي عنها يعني حكماً انفراط عقد الائتلاف الحكومي الذي يقوده أولمرت، ويحظى بأولويته المطلقة.

لقد مضى على مؤتمر أنابوليس ما يقرب من خمسة أشهر، تقول صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، إنها لم تمض هباء إذ تتحدث عن أكثر من خمسين لقاء سريا بين الوفدين المتفاوضين وعن لقاءات أخرى للمستشارين، ومكالمات هاتفية استغرقت ما بين 120 ـ 150 ساعة، فهل يمكن لرايس أن تنجز في غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع على الأكثر ما لم يتم تحقيقه خلال خمسة أشهر؟

في الواقع حتى اللقاء الأخير الذي جرى بين الرئيس عباس وأولمرت الأسبوع الماضي، ويبدو أنه تحقق بفضل إلحاح رايس، حتى هذا اللقاء، لم يسفر عن شيء سوى الاتفاق على متابعة المفاوضات، والحصول على موافقة مبدئية بمنح بطاقة الهوية لعشرة آلاف فلسطيني ممن لا يحوزون عليها، فضلاً عن إعادة أربعة من مبعدي المهد إلى بيت لحم.

أما ما تبقى فإنه يقع تحت عنوان وعد الرئيس عباس بطرحه على أولمرت وهو "أن إسرائيل لم تنفذ سطراً واحداً من خارطة الطريق"، وإذا كانت رايس ترغب وهي تملك القدرة فعلياً على دفع عملية سلام حقيقية، فإن عليها أن تسأل حلفاؤها في تل أبيب عن أولوية خياراتهم، فإن كانت لصالح السلام، فلماذا إذاً تدق طبول الحرب وتجري أضخم مناورات داخلية في تاريخ الدولة العبرية منذ تأسيسها قبل ستين عاماً؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف