جريدة الجرائد

شابات يخضن عالم تغسيل الموتى ويكسرن احتكار الكبيرات

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مواصفات معينة يجب توفرها فيمن تتولى مهمة غسل الموتى

مكة المكرمة -صباح مبارك

لم يدر بخلد "أم مشاري" (30 عاما) أنها ستلتحق يوما ما بهذه المهنة والعمل الإنساني تطوعاً، فهي مهنة ينفر منها كثير من الناس إما خوفا أو تقززا، فهي تعرف أن كبار السن من الرجال والنساء هم من يمتهنونها، لكن أم مشاري كسرت المألوف، وأصبحت تغسل الموتى.
بدأت قصتها بعد أن شهدت وفاة والدتها، وعند إحضار المغسلة لتقوم بدورها أصرت على أن تساعدها في غسلها، فكانت انطلاقتها نحو هذا العالم، وأخذت في ارتياد المغاسل تطوعاً.
تقول مدرسة الصفوف الأولية أم مشاري لـ"الوطن" "أثرت في والدتي بموتها، وقررت أن أتعلم غسيل الموتى، لعل هذه المهنة تقربني من الله، وتزيد إيماني وخشيتي به، وطبقت ذلك أول مرة على شقيقتي التي لحقت بوالدتي بعد شهر من وفاتها".
وتروي "أم مشاري" أصعب الحالات التي مرت بها متذكرة شابة توفيت بحادث مروري حيث لم يكن فيها جزء من جسمها إلا وهو مصاب بقطع الزجاج، وتضيف "كثير من مغسلات الموتى لا يبدأن في النظر للميتة من وجهها، خوفاً من المفاجأة بمنظر وجهها، أو شخوص عينيها، فيكشفن عنها ابتداء من القدمين، ويجب على المغسلة أن تكتم أي أمر تراه على الميت يعد من علامات سوء الخاتمة، أو أي شيء من هذا القبيل، ولها أن تذكر ما تراه من حسن، فشرط الأمانة وعدم النظر لعورتها ومعاملتها برفق أثناء الغسيل، كأنها على قيد الحياة تماماً من أهم شروط ومميزات المغسلة التي تخشى الله.
لم تجد أم مشاري أي معارضة من الأهل والزوج، بل كل التشجيع والترحيب، إذ إن غسل الموتى جعلها لا تحرص على ملذات الدنيا مهما كانت، وأصبح قلبها معلقا بالله إيماناً وخشية وقناعة من الدنيا كما تقول.
وعن أغرب الحالات التي مرت بها تقول "فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً كانت قد أحضرت للمغسلة لغسلها، وكانت شديدة النحول، ورغم ذلك فإنها كانت ثقيلة الوزن، حتى كسر السرير من ثقلها وأتعبت المغسلات في غسلها، ومن أكثر الحالات غرابة والتي مرت علي غسلي جثة عبارة عن هيكل عظمي ما عدا بعض أصابعها التي يكسوها اللحم".

مواصفات وشروط المغسلة
أما (أ.ح) فلم يمنعها صغر سنها من التفكير في خوض التجربة، تأثراً بإحدى طالباتها أثناء تأديتها للتطبيق العملي كمدرسة في إحدى المدارس، حيث أسرت لها طالبتها بأنها مغسلة موتى.
تقول " فكرت في أن ألتحق بإحدى الدورات، ولكن لقيت معارضة شديدة من والدتي، خوفا من أن يمنعني ذاك من الزواج، أو يسبب لي حالات نفسية، لكن والدي حقق رغبتي بدون علمها، وفي النهاية رضخت للأمر الواقع".
تلقت (أ.ح) التي بدأت الممارسة منذ كانت في الثالثة والعشرين من عمرها العديد من الدورات التدريبية في تغسيل الموتى، ولاحظت أن كثيراً من مغسلات الموتى أو ممن يلتحقن بهذه الدورات هن من الشابات ومقبلات بحماس على التعلم، ولكن بعد انتهاء الدورات لا يبقى منهن سوى القليل، وذلك بسبب الشروط الواجب توفرها في مغسلة الموتى، ومنها المظهر الخارجي للمغسلة، حيث لابد أن يدل مظهرها على الالتزام حسب تعبيرها، وأن تكون ذات بنية قوية، وخضوعها لمراقبة لشخصيتها لمعرفة سلامة أفكارها ومفاهيمها، وقوية القلب ليست رقيقة المشاعر. ثم بعد انتهاء الدورة تترك لتتعامل مع مرافقاتها في نفس الدورة، واتضاح مدى تعاملها معهن وسلوكها بينهن من حيث محافظتها على دينها والتزامها وأخلاقها وصدقها، ثم مدى تمكنها واستيعابها للغسيل، وبعد ذلك يمكنها العمل كمغسلة موتى، وتبرم معها العقود. حيث تتقاضى المغسلة الرسمية مبلغ ثلاثة آلاف ريال شهريا من أمانة العاصمة المقدسة، وهناك مغسلات يعملن مع جمعيات خيرية يتقاضين ألف ريال شهريا، كما يوجد عدد من المغسلات اللواتي يعملن تطوعا.
ويعتبر شهرا ذي الحجة ورمضان من أكثر المواسم التي تشهد ضغطا كبيرا على المغاسل بسبب كثرة الموتى في هذين الشهرين.

وحيدة دون صديقة
وقد تتسبب هذه المهنة في نفور الناس ممن يمتهنها، إذ تقول ( أ. ح) متحدثة عن معاناتها إنها وأثناء تلقيها لإحدى الدورات التعليمية كانت محاطة بعدد كبير من الصديقات، ولكن بعد أن عرفن أنها مغسلة للموتى بدأن ينفرن منها، وما هي إلا فترة بسيطة حتى وجدت نفسها وحيدة دون أي صديقة.
وتشاركها نفس المعاناة (ن. محمد) (28) عاماً التي أمضت في هذه المهنة ثلاث سنوات، وتقول إنها لاقت الكثير من المعاملة غير اللائقة من البعض بعد أن عرفوا أنها مغسلة للموتى، كما عانت من أفراد أسرتها، الذين يرفضون تناول أي شيء تحضره لهم من عصائر معلبة أو أطعمة جاهزة، أو لبس شيء من ملابسها.
وتضيف "كثير منهم يعتقد أن مغسلة الموتى المفروض أن تكون ذات هندام رديء، وزاهد، حيث يستنكرون عليها مجاراتها للموضة في الملابس والأناقة".

وتتحدث (ن. محمد) عن بعض العلامات والتي لا تجزم بأنها من علامات سوء الخاتمة أو حسنها، ولكنها تتذكر واقعة متوفاة كانت شديدة بياض البشرة في كامل جسدها، ولكن وجهها كان مسودا وعيناها شاخصتين، وبعد أن جهزوها للدفن، استأذن زوجها في الدخول عليها. تقول " سمعت بكاءه وكلاما يحدثها به ليس بمفهوم لأنه لم يكن عربيا، ثم خرج، وبعد أن أقبلنا على الميتة لنكمل مهمتنا وجدناها مغمضة العينين، ووجهها مبيضاً بياضا شديدا، وذات ابتسامة واضحة.

بدع وخرافات
ويعاني كثير من المغسلات في إقناع أهالي الميتة بترك البدع والخرافات والتي يصرون عليها، ومنها إصرارهم على المغسلة أن تذكر الله، وتكرر بعض الأدعية بصوت عال، وهذا لم يرد به نص في القرآن أو السنة. إنما هو من البدع كما تقول ن. محمد.
كما يحرص البعض على الحصول على "الصابونة" التي تستعمل في غسل الميت أو "الليفة" الخاصة بالتنظيف بقصد استعمالها في العلاجات من بعض الأمراض المستعصية مثل علاج العقم والتبول اللاإرادي وعلاج الخوف، أو يستعملها البعض في السحر والأذى، وهذه كلها بدع وخرافات.
أما حنان كسنبرة فهي مغسلة تذهب للغسل داخل البيوت، سردت الكثير من المعاناة التي تعانيها مغسلة الموتى داخل البيوت، تقول "من البدع والخرافات حرص الكثيرين على الحصول على الماء المستعمل في غسل الميتة من أجل الاستشفاء به، وهذه من البدع، كما أن كثيرا من أهل الميتة يحيطون بها، ويبدؤون في قراءة القرآن بالتناوب، وهذا من البدع أيضا، وأثناء الغسل يحضر أهل الميتة بعض الورد المجفف من أجل نظمه في خيوط، وجعله على هيئة أساور وقلائد وتجميل الميتة به، وهذه من البدع التي نجد صعوبة في إقناعهم بتركها، كما أن البعض يقومون بأداء الأذان في أذن الميتة، أو وضع الورد المجفف داخل الكفن، ورش الميتة بكمية كبيرة من ماء الورد مع الحنوط على الكفن، مما يجعل مظهر الكفن في الخارج أشبه بالمتسخ، ولم يأمرنا ديننا إلا باستعمال المسك والكافور".
إضافة إلى أن كثيرا من أسر الميتات يطالبونها بالخروج من البيت قبل خروج الميتة، اعتقادا منهم أن بقاءها يستدعي وجود حالة وفاة جديدة من نفس الأسرة، وهذا من التشاؤم.
وجوب التكتم ومغراف الأجر
بعض أهالي الميت يقومون بكتابة كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله على جبين الميتة"، والبعض يغسلها بماء زمزم، وهذا لا يصح، كما يطالب البعض بدخول الكبير من أبناء الميتة من أجل أن يسكب عليها كمية من الماء، ويسمون هذا الماء بـ "مغراف الأجر"، وهذه كلها بدع، وفقا لما تقوله المشرفة على المغسلات في المغسلة الخيرية للأموات بجامع المهاجرين بمكة عواطف منشي التي تذكر أنها تعرضت لعدد من المواقف المحرجة بسبب كونها مغسلة للموتى، منها أنه أثناء ذهابها لغسل إحدى المتوفيات، لم يستقبلها الأهل الاستقبال اللائق، ورفضوا مصافحتها، كما أن كثيرا من الناس يرفض الارتباط والزواج بمغسلة الموتى، برغم أنها صاحبة مهنة إنسانية بحتة.
وتنصح منشي - التي تعمل مدرسة لمادة الرياضيات - المغسلات بالتكتم عما يرينه من أمور غير سارة، حتى لا تفسر بأنها علامة على سوء الخاتمة، وفي ذلك إيذاء للميتة، فربما لا يكون ما يرينه سوى عارض لحالة تمر بها الميتة جسديا بسبب توقف عن علاج، أو أي أمر قبل الوفاة.
وخلافا للأجر المادي تؤكد منشي أن مهمة غسل الميت لها أجر عظيم، فعن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال "من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة"، وفي رواية بلفظ "أربعين كبيرة"، "ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر له حفرة فأجنه فيها أجرى الله له أجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة.
علامات حسن الخاتمة
وتشير المشرفة بقسم التوعية الإسلامية سميرة عبد الله بناني إلى رؤى مغسلات الموتى وتقول "هذه الرؤى تنسجم مع تتبع العلماء رحمهم الله الذين استقرؤوا النصوص الواردة في حسن الخاتمة وسوء الخاتمة بما يدل على علامات عديدة في حسن الخاتمة، ومنها النطق بالشهادتين والموت ليلة الجمعة، أو بسبب الهدم أو الحرق والغرق أو أثناء الرباط، وبالنسبة للنساء الموت في حالة النفاس، وفي مقابل هذه العلامات الطيبة ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن من علامات سوء الخاتمة النكوب عن شهادة لا إله إلا الله، أو الموت على معصية، وظهور شيء من هذه العلامات لميت سواء من علامات سوء الخاتمة أو حسنها لا يلزم منا الجزم بأن صاحبها من أهل الجنة أو النار، ولكن نستبشر بذلك".
وأضافت بناني " أي تفسير لا يحق لنا أن نعتبره من حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة أو الخوض بالحديث فيها، بل يصبح كأننا نتكلم في علم الغيب، ولكن تعتبر ظواهر يستدل بها البعض على سوء الخاتمة..فلا يجوز لنا أن نعلق على ذلك، ولكن حالات الوفاة فيها سكرات يتعرض لها المسلم والمسلمة يرى فيها الملائكة، وتتأثر روحه بذلك حسب عمله في الدنيا والله أعلم".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف