عودة "الدبلوماسية"... إلى بوش
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
جراهام أليسون - لوس أنجلوس تايمز، واشنطن بوست
في 19 يوليو الجاري، جرى اتصال بين أميركا وإيران هو الأول من نوعه خلال ما يقارب الثلاثة عقود، وذلك بانضمام وكيل وزارة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز إلى اجتماع عقد في جنيف، ضم كلاً من المفاوض الأوروبي خافيير سولانا، ورئيس الوفد الإيراني سعيد جليلي وآخرين. واعتماداً على الازدواجية المعتادة في لغة الدبلوماسية، تلحُّ إدارة بوش على أن الاجتماع المذكور ليس "تفاوضاً" مع إيران، وإنما هو خطوة "سابقة للتفاوض"، حضرها "بيرنز" بصفة "مراقب" لا أكثر. إلا أن مما لاشك فيه أن هذا الاجتماع يمثل خطوة كبيرة باتجاه تجاوز الصراعات الداخلية الشرسة، في كل من واشنطن وطهران، التي لم يكن لها من نتيجة سوى بقاء العاصمتين في أزمة علاقات متفاقمة.
ففي فترة ولايتها الأولى، اتبعت إدارة بوش سياسة مقاطعة طهران، ورفض التعامل معها بأي شكل من الأشكال، فلا جزر يقدم لها، ولا عصي غليظة رادعة ترفع على رأسها. وكما كان متوقعاً، لم تفض هذه السياسة إلى أي حل للأزمة القائمة. أما في ولايتها الثانية، فقد اقترحت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس اتخاذ التفاوض طريقاً لحل الأزمة النووية الإيرانية، غير أنها اشترطت استباق أي تفاوض يجري مع طهران، بتخلي الأخيرة عن برامج تخصيب اليورانيوم. وبين هذين الموقفين داخل الإدارة، هناك من ظل، على اعتقاده بأن إيران ستواصل سعيها لتطوير أسلحة نووية، تحت غطاء التفاوض نفسه.
من جانبها رفضت طهران الاستجابة لهذا الشرط المسبق من واشنطن، ومضت في برامجها النووية. وفي الواقع فإن غياب التفاوض معها، هو الذي فتح أمامها الطريق نحو الاستمرار في مساعيها النووية. والدليل على ذلك أن طهران كانت قد بدأت للتو اختبار أول أجهزة الطرد المركزي قبل 25 شهراً، وهو الموعد الذي وضعت فيه واشنطن شرطها المسبق للتفاوض معها، على نحو ما تمت الإشارة إليه آنفاً. أما اليوم فتشير المعلومات الاستخبارية إلى وجود ما يزيد على 3400 جهاز طرد مركزي، أنتجت ما يزيد على 500 رطل من اليورانيوم منخفض التخصيب. وتمثل هذه الكمية ثلث المادة الانشطارية المطلوبة والكافية بعد تحسين مستوى تخصيبها، لصنع قنبلة نووية.
وفي الجانب الإيراني، يبدو أن الساسة البراجماتيين قد تغلبوا في مناوراتهم على الإيديولوجيين. والشاهد أن تقييم عملية صنع القرار في طهران، يشبه إلى حد كبير مشاهدة مصارعة تجري على سطح سجاد فارسي، بسبب صعوبة معرفة مَن يفعل ماذا، ولمن؟ ومهما يكن فإن هناك من الخيوط ما يشير إلى تقديم المرشد علي خامنئي سياسات بديلة لتوجهات الرئيس نجاد. وبالنتيجة وافق علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للسياسات الخارجية قبل أسبوعين، على عرض "التجميد مقابل التجميد" الذي قدمه له المفاوض الأوروبي خافيير سولانا. وعليه فستواصل طهران تخصيب اليورانيوم، إلا أنها لن تنشئ أجهزة طرد مركزي جديدة. وفي المقابل ستتخلى الولايات المتحدة وشركاؤها عن فكرة فرض عقوبات إضافية على طهران.
وقد برر "ولايتي" هذه الخطوة خلال لقاء صحفي أجري معه مؤخراً بقوله: "يريد الكثيرون في أميركا وإسرائيل لبلادنا العزلة عن بقية العالم. وإن كانت رغبة الذين ينشطون ضد مصالح بلادنا، هي ألا نوافق على العرض الأوروبي، فإن مصلحتنا الوطنية تقتضي منا الموافقة" عليه. وأشار "ولايتي" ضمن ذلك الحديث إلى "منطقة اتفاق" يمكن الوصول إليها عبر التفاوض. فعلى حد تعبيره: "هم يقولون إن على إيران ألا تصنع قنبلة نووية.. أما من ناحيتنا فنقول لهم: ولكن إيران بحاجة للطاقة النووية. وترسم هذه المبادئ الخطوط الحمراء الخاصة بنا وبهم على حد سواء، ما يجعل منها الأساس الذي ينبغي أن تجرى عليه أي مفاوضات، ويمكن التوصل إلى اتفاق فيها".
وعلينا في الأسابيع القليلة المقبلة، أن نرصد مواقف العناصر المتشددة في حكومتي كلا البلدين، أميركا وإيران. ففي الأولى، يتوقع أن يستميت متشددو إدارة بوش في فعل كل ما بوسعهم من إثارة المطالب والشروط التعجيزية المستحيل تحقيقها من جانب طهران، حتى يؤمّنوا الفشل المحتوم الذي يريدونه للخيار الدبلوماسي. وما أن تنهار المفاوضات مع طهران -بسبب شروطهم التعجيزية- حتى يتسنى لمتشددي إدارة بوش القول إن أميركا مضت ميلاً إضافياً في السماحة والمرونة مع طهران، وإنها استنفدت معها بالتالي، كل البدائل الدبلوماسية الممكنة للخيار العسكري ضدها.
لكن، لو أفلح خط العمل الدبلوماسي الذي تتبناه كوندوليزا رايس وآتى أكله مع طهران، فإن ذلك سيكون دليلاً إضافياً على صحة الطريق الذي انتهجته واشنطن في حل الأزمة الكورية الشمالية، بطريقة مشابهة. فحين آثرت واشنطن طريق مقاطعة بيونج يانج وعدم إجراء أي تفاوض معها، تمكنت الأخيرة من تطوير ما يكفي من البلوتونيوم لصنع 10 قنابل نووية، إضافة إلى الاختبار النووي الفعلي الذي أجرته. لكن ما أن عادت أميركا إلى طريق الدبلوماسية التقليدية، حتى أمكن تعطيل مفاعل يونج بيون، وأخرجت كوريا الشمالية عملياً من مجال تخصيب البلوتونيوم، على حد ما لاحظت كوندوليزا رايس، بطريقة سليمة.
وعلى رغم الانهيار الذي لحق بهذه الإدارة، إلا أن الكثيرين سيثنون على هذه العودة المتأخرة إلى جادة الطريق الدبلوماسي مع طهران.