جريدة الجرائد

تعدد الأقطاب .. بقوة السلاح

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
طلعت رميح اصبح من الممكن القول، أو بات من الضروري ان نفهم، ان تعدد الاقطاب فى النظام الدولى، قد انتقل فى اسلوب احداث تحولاته المطلوبة للانتقال من العالم احادى القطبية، الى استخدام الوسائل القتالية والصراع المسلح، بعدما كانت الطرق الاساسية لتحولاته مقتصرة من قبل عند حدود المباراة السلمية الاقتصادية والسياسية والثقافية. كما يمكن القول، ان العالم سيشهد من الان فصاعدا مرحلة واسعة من استخدام السلاح وانتشار الحروب، اخطر مما كان يجرى خلال مفاعيل الحرب الباردة، حيث الاوضاع الدولية فى جانب منها الان تذكرنا باوضاع ما قبل الحرب العالمية الثانية، من زاوية صعود اقطاب دولية - كانت المانيا واليابان والاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة - فى مواجهة اقطاب دولية قديمة (كما كان عليه حال بريطانيا وفرنسا) بما استدعى صراعا دوليا خطيرا تغيرت فيه الاتجاهات والادوار والتحالفات حتى انتهى الامر الى سيطرة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى على النظام الدولى وفق ما سمى بالنظام ثنائى القطبية على حساب الدول القديمة والبعض الاخر من الدول الصاعدة ايضا. والقصد هنا ليس أننا نقول إن حربا عالمية فى الطريق - وان كان رئيس الولايات المتحدة جورج بوش قد تحدث عن ذلك بوضوح من قبل فى معرض تحذيراته من تنامى القوة الايرانية - وانما القصد اننا امام مرحلة عالمية تصعد فيها قوى واقطاب او اقطار، فى مواجهة الدولة المسيطرة التى تفرض سيطرتها بالقوة العسكرية، بما يجعل الاطراف الدولية الاخرى تستخدم القوة العسكرية ايضا، لتبديل الاوضاع الدولية، بغض النظر عن شكل استخدام القوة العسكرية والتحالفات وتقاطعات المصالح التى يجرى على اساسها استخدام وسائل القوة.
كما اصبح بالإمكان القول، ان معركة جورجيا، هى فاتحة هذا التحول (الايجابى) لتغيير التوازنات فى العالم من اجل احداث التحول وتاكيد وجود اقطاب دولية فى العالم بديلا لحالة القطب الواحد المهيمن وهو الولايات المتحدة، اذ هذا الصراع المسلح فى جورجيا، ليس الا فاتحة هذا الصراع الدولى بوسائل مختلفة عما كان سائدا من قبل من استخدام الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية فى إحداث هذا التغيير. لقد دشنت الولايات المتحدة سيطرتها احادية القطبية على ادارة النظام الدولى - اذا كان من الممكن تسميته بالنظام - من خلال استخدام القوة العسكرية ضد العراق وصربيا وافغانستان. وفى مواجهة ذلك لم تتحرك الاقطاب الدولية الاخرى التى كانت معارك الولايات المتحدة موجهة لها ولمستقبلها الواعد، من خلال السيطرة على مقومات التطور الاقتصادى لهذه الاقطاب الصاعدة (النفط)، بل هى واصلت مسيرة بنائها الذاتى دون الانجرار الى حروب عسكرية كان من الممكن ان تجهض مسيرة نموها مبكرا. لكن الامور تتغير الان، وبدايتها هى المعركة حول جورجيا وما يرتبط بها من تطورات، بعد ان تعثر المشروع الامريكى وتعرض للانهاك، من ناحية، وبعدما نجحت اقطاب العالم الصاعدة من تعزيز قوتها ونفوذها على المستوى العالمى من خلال الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، بما جعلنا ندخل مرحلة جديدة لا ينحصر فيها استخدام القوة العسكرية على الولايات المتحدة فقط. ففى احداث جورجيا نحن امام البداية لفرض وجود الاقطاب الدولية الاخرى، وفق مفاعيل وقدرات القوة العسكرية، او بذات الوسيلة التى استخدمتها الولايات المتحدة فى تحقيق انفرادها بادارة العالم .
وواقع الحال ان اهم ما تكشف فى معركة جورجيا، اننا لم نكن امام صراع فى داخل جورجيا تدخلت فيه روسيا باستخدام قوتها العسكرية، ولكن فى المعنى العام نحن امام بداية استخدام اطراف دولية اخرى للقوة العسكرية من اجل اعادة رسم خريطة النفوذ وموازين القوى على المستوى الدولى، اذ ارتبطت معركة جورجيا بمعركة اخرى جرت على ارض بولندا، اسرعت فيها الولايات المتحدة بالتوقيع مع الحكم البولندى على اتفاقية انشاء هذه الدرع، فهددت فيها روسيا صراحة بالمقابل على لسان رئيس اركان الجيوش الروسية، باستخدام السلاح النووى ضد قواعد ومنشآت الدرع الصاروخية الامريكية على ارضها، كما انفتحت فى تلك المعركة افاق الصراع فى منطقة القوقاز فتدخلت اوروبا وتركيا، كما تجرى تطورات تشير الى ان روسيا سترد بالمقابل وفى وقت قصير بتشكيل منظومات استراتيجية على المستوى العسكرى مع دول حليفة لها من دول الاتحاد السوفيتى السابق، اضافة الى سابق ان روسيا كانت مدت يد التعاون الاستراتيجى مع الصين وبعض الدول الاخرى فى اسيا وفق ميثاق شنغهاي، بما يشير الى اننا امام اندفاعة نحو عودة التكتلات العسكرية والاستراتيجية على مستوى المنطقة .
وهنا تحديدا، يبدو ان ما يوضح صورة الصراع الدولى الجارى، او بالاحرى ما وصلت اليه الاقطاب الصاعدة من اعتماد صيغة القوة المسلحة فى تعديل التوازنات، هو الاعلان من قبل روسيا عن ان بولندا قد اصبحت هدفا مشروعا للضربات النووية الروسية فى تصريحات لا يستهان بوزن تاثيرها، ليس من زاوية امكانية حدوثها بالدرجة الاولى ولكن من زاوية درجة الخطورة التى وصلت اليها طريقة تعديل التوازنات فى العالم .
ايران والصراع العسكرى
واذا كان هذا هو حال القوقاز واوروبا الشرقية - سابقا - فانه وبالارتباط مع ذلك تجرى اوسع عملية تعميق لفكرة الصراع العسكرى من قبل ايران وحولها، حيث ايران هى دولة اقليمية صاعدة وفق صيغة الصراع العسكرى المباشر وغير المباشر، وذلك وفق نمط من العلاقات ذات الطبيعة العسكرية المباشرة، مع روسيا، بما يجعل خط الصراع العسكرى الروسى ممتدا من الحدود الروسية الى المنطقة العربية الاسلامية بشكل واضح، خاصة فى ظل تنامى العلاقات الروسية السورية، وبالنظر الى ما أتت به الاحداث الجورجية من ظهور مدى الارتباط العسكرى بين اسرائيل وجورجيا .
فى الحالة الايرانية نحن امام تطوير هائل متسارع الخطى للقوة العسكرية التكنولوجية الايرانية، على مستوى الجيوش التقليدية وعلى صعيد القدرات الصاروخية، بعدما اطلقت ايران صواريخ يصل مداها الى نحو الفى كيلو متر، وكذا بعدما دشنت ايران وصولها للفضاء من خلال تجربة صاروخ قادر على ايصال اقمار صناعية لمداراتها، بما لا يعنى فقط ان ايران قادرة على الوصول الى الفضاء، بل هو يعنى - وذلك هو الاخطر - انها ستصبح قادرة على انتاج صواريخ موجهة بالاقمار الصناعية. كما فى الحالة الايرانية نحن امام حرب تجرى ضد خصم ومنافس اقليمى لها -اسرائيل- عبر حليفها الاقوى حزب الله .
الصين ودورها
واذا كان هذا ما وصل اليه الروس فى محاولتهم اعادة التوزنات الدولية الى صيغة تعدد الاقطاب بالقوة، فان وضع الصين فى محاولتها تعديل التوازنات ليس باقل قدرة حتى وان لم يَجْرِ استخدام السلاح الصينى مباشرة فى احداث هذا التعديل، حاليا بشكل مباشر من خلال الجيش الصينى.
فهناك على حدود الصين جرت معركة من الوزن الاستراتيجى ايضا، تعلقت بحليف استراتيجى للصين اصبح ممتلكا للسلاح النووى، وفق صيغة صراع كادت تصل الى حد استخدام القوة العسكرية ايضا. فى الصراع الامريكى الكورى الشمالى، كانت الصين امام اختبار قوة غير عادى، اذ ان اهم حلفائها او لنقل حليفها الوحيد على حدودها، قد انتج السلاح الذرى بعدما انتج صواريخ قادرة على الوصول الى حدود الولايات المتحدة الامريكية، بما بات يهدد القوات العسكرية الامريكية الموجودة فى قواعدها فى كوريا الجنوبية كما هو مثل تهديده لحلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة اضافة الى تهديده للولايات المتحدة ذاتها. والمهم هنا هو ان الصراع لم يجر الا حول القدرات العسكرية الكورية الشمالية، كما انه وصل حد التهديد باستخدام القوة العسكرية، وفى ذلك جرت تغييرات فى اوضاع اليابان عسكريا كما احدث تغييرات فى الرؤية والاستعدادات العسكرية فى كوريا الجنوبية . والى جانب هذا التطور النوعى او الانتقال للتهديد بالصراع العسكرى فى جوار الصين، تجرى فى هذا البلد ذاته - حسب ما ينشر من تقارير امريكية - عملية تحديث وتطوير متسارعة للقدرات العسكرية الصينية، رأتها الولايات المتحدة متخطية للحاجات الدفاعية عن الاراضى والجغرافيا الصينية، فى اشارة الى ان القوة العسكرية التى يجرى بناؤها فى الصين تتعلق بطموح ان تلعب الصين دورا دوليا. ودون ان نبرح جوار الصين فان الاوضاع وصلت بالتطور العسكرى الى حد امتلاك القوة النووية لجارى الصين المهمين اى الهند وباكستان، بما يشير الى تطورات بالغة التأثير فى امتلاك معاملات القوة فى تلك المنطقة وعلى صعيد التوازن الدولى ايضا .
افريقيا والقوة العسكرية
وفى افريقيا فنحن امام صراع دولى متنامى الاخذ بمعالم القوة العسكرية بشكل متزايد. الولايات المتحدة التى اعتمدت مفاعيل القوة الناعمة فى العمل على اخضاع السودان، من خلال التهديد بالغزو مع تغيير الاوضاع الداخلية بالتمردات والصراعات الاهلية، هى من شجع ودفع اثيوبيا لاستخدام القوة العسكرية فى اجتياح واحتلال الصومال، وهى ذاتها من بكرت فى التعامل مع افريقيا بانشاء قوة عسكرية امريكية خاصة لادارة الصراع العسكرى فى القارة اطلقت عليها "افريكوم". ووفقا لمسرح عمليات تلك القوة فلم تستثن منها سوى مصر، لتكون افريقيا كلها مسرحا لنشاط ودور تلك القوة، التى باتت تتوافر لها مطارات واماكن تواجد وفق اتفاقات ثنائية مع دول افريقية بعضها معلن صراحة وبعضها ما زال فى اطار التسهيلات، اضافة الى وجودها فى المياه الاقليمية لكثير من الدول .
وفى المقابل فان الصين قد دخلت على خط التواجد فى افريقيا اقتصاديا وماليا، دون ان يعنى ذلك الاقتصار على هذا الدور، خاصة فى السودان التى تتحدث تقارير امريكية واوروبية عن انها تشهد تناميا للتصنيع العسكرى بالتعاون مع الصين، اضافة الى اعتبارها الصين المصدر الرئيسى لتسليح السودان .
أجواء الحرب
وهكذا فاذا كانت اقطاب العالم الصاعدة بدأت فى مبادلة الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية لتحيق التوازن فى الوضع الدولى - وكانت جورجيا هى البداية الاهم - وكذا اذا كان التسلح متصاعدا والتهديدات بالحروب متصاعدة الى درجة التهديد النووى، فان الظرف الدولى العام هو بدوره ظرف تسود فيه الصراعات وبؤر الاعمال العسكرية على نحو يكاد يكون شاملا، اذ العنف ولغته باتت هى اللغة المسيطرة على التصرفات فى حل النزاعات. واذا كانت القوقاز اقرب الى برميل بارود، فان احداث العنف والصراع الدموى باتت تشمل الكثير من دول العالم. فى افريقيا تبدو مختلف دول الوسط فى حالات متفاقمة من الصراع العسكرى، حيث الصومال واثيوبيا واريتريا والسودان امتدادا الى تشاد والنيجر وغيرها تعيش حالة صراع عسكرى متنوعة الطرق والاساليب والابعاد. كما انه اذا كانت كينيا قد تخطت مرحلة من مراحل العنف الاهلى ما بعد الانتخابات التى جرت فان زيمبابوى تعيش على برميل بارود متفجر. واذا انتقلنا لاسيا من الجنوب فان الهند وباكستان لم تبرحا مربع الصراع العسكرى حول كشمير وعلى الارض الافغانية، على خلفية الصراع المزمن بينهما، كما ان باكستان تعيش حالة اضطراب وعنف مزمنة، وكذلك الهند تصحو بين فترة واخرى على وقع تفجيرات وقتلى.
وهكذا الحال فى مناطق كثيرة من العالم، اذ من لا يخض صراعا عسكريا مباشرا، لا شك انه يطور قدراته العسكرية على نحو متصاعد الى حد خطير. والقصد ان الجو العام الذى يعيشه العالم هو ظرف يهيئ الظروف الى اندلاع وتوسع حالة الحروب فى العالم .
وهنا يبدو ان اخطر ما فى الاجواء، ليس فقط اشتعال الحروب، وتصاعد التسلح وتوسع عدد البؤر المحتملة لتفجر النزاعات، وانما ايضا، ان الرغبة فى مواجهة الولايات المتحدة عسكريا، باتت تتسع فى مختلف مناطق العالم، بفعل توسع ايذائها للشعوب، وهو فى ذاته احد العوامل الدافعة لتوسع الاعمال القتالية فى المناطق الجارية فيها الحروب، ولفتح جبهات صراع اخرى .

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف