جريدة الجرائد

رسالة الصين إلى العالم

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جلال أمين

شاهدت على شاشة التلفزيون، كما شاهد مئات الملايين من الناس، الحفلتين المدهشتين: حفلة افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في بكين في 9 أغسطس الماضي، ثم حفلة الختام في 24 أغسطس. كانت الحفلتان باعتراف الجميع، أصدقاء الصين وأعدائها، غاية في الروعة: مناظر بديعة، نظام رائع، تشكيلات بشرية تأسرك بضخامة حجمها، ودرجة الإتقان في الأداء واختيار الملابس.

حركات مبتكرة للتعبير عن أفكار جديدة، ورسوم هندسية فاتنة، وأداء ملتزم ليس فيه أي خروج على النظام، في الوقت الذي تصدح فيه الموسيقى أو الغناء، وتنطلق في السماء الصواريخ النارية متعددة الألوان. كل هذا مع مراعاة كل اعتبارات اللياقة: فالأجانب كلهم معاملون بالاحترام الواجب. ورغم الحرص على التعبير عن التراث القومي الصيني وحضارة الصين القديمة، يفسح المجال أيضا للموسيقى الغربية وللرقص على الطريقة الغربية، ولبعض المشهورين من مغني الغرب، والأغاني تتكلم عن الحب والسلام والتضامن والمساواة.. الخ. وشعار المهرجان كله: "عالم واحد وحلم واحد".

من الواضح أن السلطات الصينية لم تدخر مالا أو جهدا للإنفاق على هاتين الحفلتين، وقد سمعنا أن أكثر من أربعين ملياراً من الدولارات قد انفقت على إقامة المباني والمرافق وأعمال البنية الأساسية والاستعدادات اللازمة لنجاح دورة بكين وتقديمها بمظهر فريد. كانت الصين تلاحظ بالطبع تطور موقف العالم منها خلال السنوات القليلة السابقة. العالم كله يرى الصين وهي تنتج كل شيء، البسيط والمعقد، الضروري والكمالي، وتبيع كل هذا بأسعار لا يمكن منافستها.

ها هي السلع الصينية تغزو كل مكان في العالم، وميزان المدفوعات الصيني يحقق فائضا ينمو بسرعة مقابل عجز متسارع لدى بقية الدول المتاجرة معها، وعلى الأخص الولايات المتحدة التي يتزايد عجز ميزانها التجاري عاما بعد عاما حتى وصل إلى حجم غير مسبوق. والصينيون يغزون العالم بالبشر أيضا، فهم يرون في كل العواصم، طلبة وعلماء وسياحا... الخ. لا عجب فعددهم خمس سكان العالم، فإذا قرروا الانتشار في العالم ملآوه حتى بدت بعض المدن الغربية وكأنها استبدلت بساكنها سكانا مستوردين من الصين.

هذا النمو والانتشار أثار الإعجاب عند الكثيرين ولكنه أثار الخوف في نفوس كثيرة أيضا. الصينيون يبدون وكأنهم حققوا معجزة، فمنذ فترة قصيرة كانت الصين من أفقر بلاد العالم ومن أشدها تخلفا ومن أكثرها تمسكا بالقديم ونفورا من الجديد، فإذا بهم فجأة يظهرون للعالم في صورة مختلفة تماما، ويثبتون للعالم أنهم سوف يصبحون عن قريب من أغنى بلاد العالم وأكثرها تقدما، علميا وتكنولوجيا، وهذا طبعا جدير بإثارة الإعجاب والخوف معاً. فما الذي سوف تأتى به هذه القوة العالمية الجديدة؟

هل ستخرج الى العالم لتنافس الدول الأوروبية والولايات المتحدة في وضع اليد على الموارد الاقتصادية للعالم الفقير؟ هل ستطرد منافسيها من الأسواق، بما فيها أسواق هذه الدول المنافسة نفسها؟ وهل يمكن أن تؤدى هذه المنافسة الى نشوب حرب باردة جديدة، بل وربما حروب ساخنة؟

في مقال حديث للأستاذ الأميريكي بول كينيدي، صاحب الكتاب الشهير الذي ظهر منذ نحو خمسة عشر عاما بعنوان "صعود وسقوط القوى العظمى"، والذي لفت الأنظار بتنبؤه بتدهور مركز الولايات المتحدة في العالم، قال في هذا المقال الحديث الذي ظهر في جريدة الجارديان البريطانية في الشهر الماضي، إننا إذ ننظر إلى العالم اليوم وما يجري فيه من أحداث وتطورات: صعود الصين بسرعة مذهلة، ثم ما تظهره روسيا من تحد لأميركا وأوروبا بتهديدها لاستقلال جورجيا، الحليفة الجديدة للغرب، لابد أن نتوقع مشاهد مثيرة للغاية في المستقبل القريب على الساحة الدولية، سوف تفاجئنا بحجمها وبما تنطوي عليه من تحول عن المجرى المعتاد للأحداث.

الجميع ينظرون ناحية الصين بترقب وحذر، وقد قررت الصين أن تتخذ الدورة الأولمبية التي تجرى في أرضها مناسبة لتوجيه رسالة إلى العالم، بدا للصينيين أن إرسالها من الأهمية بحيث يستحق إنفاق أكثر من أربعين مليارا من الدولارات فما هي هذه الرسالة يا ترى؟

إني أتخيل محتواها على النحو التالي: "ها أنذا، كما ترون، قد أصبحت قوة عظمى لابد أن يعمل الجميع حسابي. وأنا أستطيع، كما ترون، أن أعبئ الآلاف المؤلفة من الناس لتنظيم مهرجان عظيم، وأن أفرض عليهم الالتزام بالأوامر والانضباط التام. وهذا لا يختلف كثيرا عن القدرة على تنظيم الحروب.

وأما قدراتي التكنولوجية، فما رأيتموه من استعراضات في حفلتي الافتتاح والختام يؤكد متابعتي لأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية، وقدرتي على تطبيقها والإفادة منها.

ومع كل هذا فأنا أقول للعالم إني أريد السلام إذا كان الباقون يريدونه أيضا. مرحبا إذن بأي محاولة للتعاون معنا ومصادقتنا، ولكن حذار من اللعب بالنار ومحاولة إفساد حياتنا وإلقاء الأحجار في طريقنا لتعطيل مسيرتنا، وحذار من إثارة غضبنا بكلامكم المستمر عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكأن هذه الأشياء حكر عليكم، وكأننا لا نحترم الإنسان كما تحترمونه.

هذه الرسالة التي وجهتها الصين إلى العالم، وعلى الأخص إلى الغرب، تجلب إلى الذهن رسالة مماثلة وجهها الاتحاد السوفييتي الى الغرب، ولكن منذ نصف قرن، وبطريقة غير الألعاب الرياضية. حدث هذا عندما أطلق الاتحاد السوفييتي مركبة صاروخية (سبوتنيك) تحمل أول إنسان (جاجارين) الى الفضاء.

وتدور حول الأرض لتجلب معلومات حديثة عن الفضاء الخارجي، وقد أثبت إطلاق هذه المركبة ما أحرزه السوفييت من تفوق في بحوث الفضاء، ومن ثم قدرتهم على التصدي للغرب في أي محاولة للنيل منهم. كان الاتحاد السوفييتي حينئذ (؟؟؟؟) حديث العهد بالخروج الى العالم، بعد عزلة طويلة دامت نحو أربعين عاما، ولم تنته إلا بعد وفاة ستالين في ؟؟؟؟. فإذا بالاتحاد السوفييتي يدشن مرحلة جديدة بعد أن بنى نفسه اقتصاديا وعسكريا، ينافس فيها الغرب في دول العالم الثالث، سياسيا واقتصاديا، ويحتل مكانه في لعبة الدول العظمى.

هذا هو ما تفعله الصين الآن بالضبط، وما أعلنته بصوت عالٍ في دورة بكين الأولمبية. فهل نتوقع بدء حرب باردة جديدة، تشبه تلك التي بدأت منذ نحو نصف قرن بين الاتحاد السوفييتي والغرب واستمرت نحو ثلث قرن؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف