أطوار الدولة: من البداوة إلى الحضارة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
محمد عابد الجابري
أوجزنا في المقال السابق رأي ابن خلدون في "الأوضاع" التي تكون عليها الدولة العصبية باعتبارها "امتداداً في المكان"... فرأيناه يقرر أن "كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها" وذلك حسب قوة عصبيتها أو ضعفها، وقوة أو ضعف العصبيات المجاورة الممانعة لها. أما عن امتداد، أو استمرار، هذه الدولة في الزمان فهو يقرر بنفس الدرجة من الوضوح "أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص". والمقصود بـ"الأعمار" هنا، المراحل التي يجتازها الشخص في حياته من طفولة وشباب وشيخوخة. والدولة العصبية عند ابن خلدون هي، مثل الشخص، تنتقل من الطفولة (طور التأسيس) إلى الشباب (طور العظَمَة) إلى الشيخوخة (طور الهرم).
وقبل أن نشرح هذه الأطوار ومراحلها، علينا أن نتفهم أولاً وقبل كل شيء، ماذا يقصد ابن خلدون بـ"أطوار الدولة"؟ هل يقصد بها ما نفهمه نحن اليوم من عبارة: "الدورة التاريخية" أم أنه يعني بها شيئاً آخر؟ إن تحديد مقصود ابن خلدون من مفهوم "أطوار الدولة" سيزيل كثيراً من جوانب الغموض والالتباس التي تكتنف آراءه في الدولة وحركة التاريخ.
لقد شرحنا من قبل كيف أن العصبية عند ابن خلدون نوعان: خاصة وعامة، وأن الرئاسة، وبالتالي الملك، هي رئاسة إحدى العصبيات الخاصة على باقي العصبيات التي تشكل معها عصبية عامة واحدة. وبما أن الرئاسة "إنما تكون متناقلَة في منبت [أو بيت] واحد تعَيَّن له الغلب بالعصبية" وأنها "لا تنتقل إلا إلى الأقوى من فروعه" فإن تطور الدولة، أو أطوارها، لا يعني في ذهن ابن خلدون إلا هذه العملية ذاتها، عملية انتقال الرئاسة والملك من فرع إلى آخر داخل العصبية العامة الغالبة.
فالمسألة إذن، وفي هذا النطاق، لا تتعلق بدورة اجتماعية تاريخية، كما يتبادر إلى ذهن الكثيرين، وإنما يتعلق الأمر فقط بـ"دورة عصبية"، أي بانتقال الحكم والسلطة من عصبية خاصة إلى أخرى مماثلة داخل عصبية عامة واحدة.
هناك إذن، إمكانية للاستمرار في الدولة العصبية وبالتالي هناك استمرار في الحضارة والعمران داخل حكم العصبية العامة. إن انتقال الحكم من عصبية خاصة إلى أخرى مماثلة، لا يؤثر لا في الحضارة ولا في العمران جملة. يقول ابن خلدون: "وأما الدولة الشخصية مثل دولة أنو شروان أو هرقل أو عبدالملك بن مروان أو الرشيد، فأشخاصها متعاقبة على العمران (داخل عصبية عامة) حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض، فلا تؤثر كثير اختلال -في العمران- لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية والشوكة، وهي مستمرة على أشخاص الدولة".
أما إذا انتقل الحكم من عصبية عامة كبرى إلى عصبية مماثلة، لا تربطها بها أية رابطة عصبية، فحينئذ يكون الخلل الذي يصيب العمران عظيماً وكبيراً. وهذا الخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم، أو بني أمية أو بني العباس كذلك". ففي هذه الحالة فقط يمكن الحديث عن "الدورة الاجتماعية" بمعنى انتقال الحضارة من أمة إلى أخرى. وليس هذا الانتقال هو الذي يعنيه ابن خلدون عندما يتحدث عن أطوار الدولة ويحددها في ثلاثة أجيال تتم في مدة 120 سنة، بل إنما يعني بذلك ما نعبر عنه هنا بـ"الدورة العصبية".
وإذن فمن الخطأ القول إن ابن خلدون يرى أن الدورة الاجتماعية (أو التاريخية أو الحضارية)، تتم حسب ما حدده للدولة من أطوار. إن المسألة بالنسبة إلى صاحب "علم العمران" لا تعني الدورة الاجتماعية كما تصورها كثير من المؤرخين والفلاسفة قديماً وحديثاً، وإنما تعني فقط تناوب العصبيات الخاصة على الحكم في إطار عصبية عامة واحدة.
على أن ابن خلدون يشير فعلاً إلى مثل هذه الدورة الاجتماعية الحضارية الكبرى، ولكنه لا يحدد مدتها بأطوار معينة. يقول مميزاً بين الدورتين، العصبية، والحضارية: "... فإذا انقرضت دولة، فإنما يتناول الأمر منهم -أي من أشخاص العصبية الحاكمة- من له عصبية مشاركة لعصبيتهم التي عرف لها التسليم والانقياد وأونس منهم الغلب لجميع العصبيات، وذلك إنما يوجد في النسب القريب منهم، لأن تفاوت العصبية بحسب ما قرب من ذلك النسب التي هي فيه أو بَعُدَ. حتى إذا وقع في العالم تبديل كبير من تحويل ملة أو ذهاب عمران أو ما شاء الله من قدرته، فحينئذ يخرج عن ذلك الجيل (القوم أو الأمة، كالفرس مثلاً) إلى الجيل الذي يأذن الله بقيامه بذلك التبديل كما وقع لمضر (عرب الحجاز بعد النبوة) حين غلبوا على الأمم والدول (وفي مقدمتها ربيعة ثم دولة الفرس ودولة الروم) وأخذوا الأمر من أيدي أهل العالم، بعد أن كانوا مكبُوحين عنه أحقاباً".
وهكذا فإن نظرية ابن خلدون في أطوار الدولة، يجب أن نحصرها في إطارها الذي وضعها فيه، إطار: انتقال الرئاسة والملك من عصبية خاصة إلى أخرى مماثلة لها داخل تجمع عصبي واسع. وبعبارة أخرى، إن المضمون الواقعي والتاريخي لنظرية ابن خلدون في أطوار الدولة، هو الدول الإسلامية في تعاقبها وتزاحمها واختلاف العصبيات المؤسسة لها منذ بدأ التاريخ الإسلامي إلى عصره.
ومع ذلك يبقى للاستطراد حقه، ذاك لأنه إذا كانت المرآة المهشمة التي نقرأ من خلالها الواقع السياسي العربي الراهن تعطي لابن خلدون ونظريته في الدولة العصبية العربية مجالاً أوسع، ليس فقط لكونها كانت في عصره كذلك بل أيضاً لأننا نعيش اليوم ما نطلق عليه "عودة المكبوت" (والمقصود عودة العشائرية والطائفية) وهيمنته على الواقع العربي الراهن أقول: إذا كان ذلك كذلك فإن قراءة ابن رشد للواقع العربي في زمانه -من خلال "الدورة السياسية" التي قرأ بها أفلاطون تطور الدولة/ المدينة اليونانية- كانت تبدو لنا حين عرضنا لها قبل بضعة أسابيع أنها تحظى هي الأخرى بالمصداقية، خصوصا وقد أورد فيلسوف قرطبة أمثلة دالة من التاريخ العربي، فضلاً عن أمثلة حية من أحوال بلده وزمانه. لقد وظف ابن رشد في ذلك نظرية أفلاطون في أنواع الرئاسات التي تشكل "دورة سياسية اجتماعية" -وليس "دورة عصبية"، دورة تتعاقب أنواع الرئاسات أو "الدول" فيها عبر خمسة "أطوار": رئاسة الأرستقراطية التي تفسد مع الوقت، حتى إذا تفسَّخت قامت مقامها التيموقراطية وهي الرئاسة العسكرية التي يطلب أصحابها المجد والتوسع العسكري، ليستشري فيها الفساد أخيراً، حتى إذا انحلت قامت مكانها رئاسة الأوليغارشية أي حكومة الأقلية من الأغنياء. وبانحلال الأوليغارشية تقوم الديمقراطية وتعني "حكم الشعب نفسه بنفسه"، لأن الرئاسة فيها جماعية، فهي "مدينة الحرية"، ويكون السؤدد فيها لذوي النسب والحسب. وبفساد هذه الرئاسة تعم الفوضى ويكون المآل قيام الحكم الاستبدادي أو الطغيان. وعندما ينحل حكم الطغيان تعود الرئاسة لـ"الأخيار" أي الأرستقراطية وتتجدد الدورة هكذا دواليك.
أما أن يكون ابن خلدون قد اطلع على نظرية أفلاطون هذه، فهذا ما لاشك فيه، فقد عارض ابن رشد بقوله "وقد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلم الأول" أرسطو. فهذا الاعتراض صريح بأن صاحب "المقدمة" اطلع على الأقل على كتاب ابن رشد "تلخيص كتاب الخطابة" لأرسطو، فضلاً عن أنه اطلع على نظرية أفلاطون نفسها من خلال كتب الفارابي في الفلسفة السياسية.
لكن ابن خلدون، إذ يؤكد بنفسه اطلاعه على نظرية أفلاطون، يرى أن "المدينة الفاضلة" التي هي المحور في "كلام" الفلاسفة في السياسة هي "نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير". قد يكون هذا صحيحاً بالنسبة لمفهوم "المدينة الفاضلة"، ولكن ذلك لا يبرر إلغاء الكلام عن المدن الأخرى ولا عن تتبعها وتعاقبها الدوري: من حكم الأرستقراطية، إلى حكم العسكر (التيموقراطية) إلى حكم الأوليغارشة (الأغنياء) إلى حكم العامة (المدينة الجماعية الفوضوية)، إلى حكم المستبد "وحداني التسلط" الذي بسقوطه يقوم حكم الأرستقراطية من جديد... هكذا دواليك.
نحن لا نريد أن نحاسب ابن خلدون الآن لسكوته عن هذه المدن "غير الفاضلة" وكأن عصره والعصور الإسلامية السابقة له كانت خالية منها! يجب أولاً عرض نظريته "أطوار الدولة" بشيء من التفصيل، فقد يكون "كل الصيد في جوف الفرا"!