الخروج على نص العولمة!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
السيد يسين
أحد الاقترابات المنهجية الفعالة في مجال البحث الفكري لظاهرة ما مثل العولمة، هو عدم الذوبان في تضاعيفها، أو الانشغال الشديد بمفرداتها، والجدل الإيديولوجي الدائر حولها. وعلى العكس من ذلك يمكن للخروج عن النص أن يعطي الباحث استبصاراً أعمق بجوهر المشكلة.
ونقصد بالخروج على نص العولمة تحليل السياق التاريخي الذي أنتجها، وأهم من ذلك كله طرح الأسئلة الخاصة بتطبيق العولمة، كما مارسته النظم السياسية المختلفة وخصوصاً النظم السياسية العربية.
نقصد بالخروج على نص العولمة تحليل السياق التاريخي الذي أنتجها، وطرح الأسئلة الخاصة بتطبيقها، كما مارسته النظم السياسية المختلفة وخصوصاً النظم العربية.
وبداية يمكن القول إن ظاهرة العولمة بدأت تشغل أذهان دوائر متسعة من أجيال النخب العربية المتعددة. وأهم ذلك إدراكات النخب السياسية الحاكمة العربية لتوجهاتها وقيمها وتطبيقها لقواعدها. ولعل ارتفاع الوعي الثقافي والسياسي بالمشكلات والتحديات التي يمثلها القرن الحادي والعشرون علامة صحية، لأنه بغير هذا الوعي، وبدون الدفع في طريق إبداع الحلول لمختلف المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تواجه الدول العربية، يمكن أن نخسر معركة المواجهة العالمية قبل أن تبدأ. والحق أن هذه المواجهة، صراعاً كانت أو تعاوناً، أو خليطاً من الصراع والتعاون، أشبه ما تكون بمعركة مستمرة، تحتاج إلى حشد القطاعات، وتعبئة الموارد، والتخطيط المتقن، والتنفيذ الفعال والمتابعة المستمرة.
ويمكن القول إن سؤال: ما العمل، بمعنى كيف يمكن للعرب أن يبحروا في خضم المجتمع العالمي الزاخر بالتغيرات، أصبح يطرح الآن في كل ندوة علمية عربية، يتم فيها تشخيص الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة، وهو يعبر عن الرغبة العارمة في مجال الانتقال من الكلام إلى الفعل.
وفي مجال الفعل، ونقصد على وجه التحديد تطبيقات العولمة كما تمارسها النخب السياسية الحاكمة، هناك عدة أسئلة بالغة الأهمية، تمثل منهجية الخروج على النص التي أشرنا إليها، والتي مارسها باقتدار الكاتب السوري المعروف محيي الدين اللاذقان" في بحث له بعنوان "تساؤلات كونية في عالم بلا هوية"، ألقاه في مؤتمر "العولمة وقضايا الهوية الثقافية" الذي نظمه المجلس القومي للثقافة في مصر منذ سنوات. وجميع الأسئلة التي طرحها اللاذقان تستحق في الواقع التأمل العميق.
والسؤال الأول هو: "هل النخب العربية قادرة على قيادة تحولات باتجاه ليبرالية مطلقة تفرضها الكونية الجديدة، التي تتسامح في قضايا الفولكلور والتنوع الثقافي، ولا تقدم أي تنازلات لأي شكل من أشكال الاستبداد السياسي؟".
وفي يقيننا أن هذا السؤال المهم يلمس أعصاب أعقد مشكلة عربية، وهي الاستبداد السياسي الذي تتنوع صوره وأشكاله وأنماطه من نظام عربي إلى نظام آخر، غير أن جوهره يبقى واحداً، وهو احتكار القلة أياً كانت، حزباً أو قبيلة للحكم بدون مشاركة شعبية فعالة، وفي غيبة -في كثير من الأحيان- لدولة القانون. وأهمية هذا السؤال ترد إلى أن التجليات السياسية للعولمة تركز على تحقيق الديمقراطية واحترام التعددية وحقوق الإنسان.
وكل شعار من هذه الشعارات يثير قضايا نظرية وتطبيقية متعددة، وخصوصاً وقد برزت مع قدوم القرن الحادي والعشرين ظاهرة "التدخل السياسي" في مجال العلاقات الدولية، بمعنى حق المجتمع الدولي في أن يغير بعض النظم المستبدة التي ترفض تطبيق قيم الديمقراطية وإجراءاتها.
وتبدو المشكلات النظرية المتعلقة بالديمقراطية في غياب نظرية ديمقراطية غربية مصوغة بشكل صوري محكم، بالإضافة إلى تنوع النظم الديمقراطية، وفقاً للتاريخ السياسي والاجتماعي الفريد لكل بلد.
ويشهد على ذلك أن الديمقراطية الإنجليزية -على سبيل المثال- التي تقوم على أساس التعددية السياسية المبنية على التمييز الدقيق بين اليمين والوسط واليسار، تختلف عن الديمقراطية الأميركية، التي تسودها تعددية سياسية مرنة تتمثل في حزبين كبيرين "الجمهوري" و"الديمقراطي"، بمعنى أن بعض أنصار الحزب "الجمهوري" قد يصوتون لمرشح رئاسي "ديمقراطي"، والعكس صحيح!
وبعبارة أخرى فالانتماءات السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، ليست بالصلابة الإيديولوجية لتلك الموجودة في القارة الأوروبية.
ومن ناحية أخرى من المؤكد أن الديمقراطية اليابانية -وضعاً في الاعتبار التاريخ السياسي الياباني- تختلف في كثير من الأوجه عن الديمقراطية الفرنسية مثلاً.
ولكن بغض النظر عن غياب نظرية غربية مقننة، فلا يمكن إنكار أن هناك مثالاً ديمقراطياً لكافة النظم الديمقراطية، تتمثل مفرداته الأساسية في التعددية السياسية وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم، وإجراء انتخابات دورية نزيهة، وتداول السلطة.
وإذا تأملنا كل هذه المفردات الديمقراطية -إذا صح التعبير- اكتشفنا بسهولة أن غالبيتها العظمى غائبة من السياق السياسي العربي!
وأخطر من هذا الغياب، وجود إيديولوجيات ابتكرتها بعض النخب السياسية العربية الحاكمة، أبرزها أن الديمقراطية الغربية لا تصلح للتطبيق في السياق العربي!
وفي هذا المجال هناك اجتهادان. الاجتهاد الأول يقول لدينا "الشورى الإسلامية" وهي جزء من تراثنا وأفضل من الديمقراطية الغربية لأنها -كما قرر مرة الدكتور توفيق الشاوي في كتابه "الشورى والاستشارة"- مصدرها إلهي في حين أن الديمقراطية مصدرها وضعي!
أما الاجتهاد الثاني فيذهب إلى أننا في حاجة إلى إبداع ديمقراطية عربية، تقطع الصلة مع الديمقراطية الغربية، بمعنى ديمقراطية تتفق مع تقاليدنا وعاداتنا!
وخلاصة هذا الموقف الذي تتبناه الغالبية العظمى من النخب السياسية العربية الحاكمة، هي أنها وإن كانت ميالة لتحقيق مشروع الليبرالية الاقتصادية والذي يدعو إلى كف يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد وإطلاق العنان للقطاع الخاص، إلا أن هذه النخب تمانع في قيادة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية اللازمة لتحقيق التحول الديمقراطي، بمعنى الانتقال من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية.
وإذا كان هذا هو الموقف الثابت لهذه النخب السياسية العربية الحاكمة، فإنه يمكن أن يؤدي إلى ظواهر سلبية تؤدي إلى نسف الاستقرار السياسي النسبي السائد الآن في المجتمع السياسي.
وقد ابتكر علم السياسة المقارن مفهوم "العجز الديمقراطي" ليشير إلى افتقار دولة ما لأساسيات الديمقراطية، وأهم من ذلك التوصيف ضرورة قيام النخب السياسية الحاكمة بعملية التحول الديمقراطي، وإذا فشلت في ذلك أو امتنعت عن تحقيقه، فإن باب التدخل السياسي سيفتح، وقد يعرض ذلك النظام السياسي الممتنع إلى مخاطر كبرى.
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على المجتمع السياسي العربي، أدركنا أنه بالإضافة إلى السلبيات الواضحة التي تميزه، وأهمها على الإطلاق ممانعة بعض النخب السياسية الحاكمة في تحقيق التحول الديمقراطي، فإن هناك إيجابيات بارزة.
ولعل أهم هذه الإيجابيات مشروع بعض النخب السياسية العربية الحاكمة في إدخال تعديلات جزئية في بنية نظمها السياسية، مثل إنشاء مجالس شورى بالتعيين، وتحول جزء منها ليكون بالانتخاب في مرحلة أخرى. أو اتجاه بعض النظم السياسية العربية إلى إجراء مصالحة تاريخية مع أحزاب المعارضة ودعوة المناضلين السياسيين في المنافي المختلفة إلى العودة لأوطانهم. ولعل أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه هو النظام السياسي المغربي، الذي قرر قادته إجراء هذه المصالحة، بل وممارسة النقد الذاتي للممارسات الخاطئة التي طبقت على أحزاب المعارضة والناشطين السياسيين عموماً. بل لقد خطا المغرب خطوة أبعد حين ابتكر نظرية "التوالي السياسي"، التي بمقتضاها كلف حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض بتشكيل الوزارة، وتحمل عبء حل المشكلات المتراكمة.
وقد تكون هذه حركة ذكية لإثبات أن المعارضة بعد توليها الحكم لسنوات فشلت في إيجاد حلول للمشكلات الجسيمة وأهمها مشكلة البطالة وتحسين مستوى الحياة، ولكنها في الواقع كانت درساً بليغاً للنظام السياسي وللمعارضة معاً. ونفس الاتجاه للمصالحة مع المعارضة أيده النظام السياسي الليبي.
غير أنه يمكن القول إن أبرز الإيجابيات التي تحققت في السنين الأخيرة هي بلاشك إحياء المجتمع المدني العربي، الذي سبق للنظم الشمولية والسلطوية أن محته تماماً من الوجود، أو تأسيسه في بلاد عربية لم تعرفه من قبل.
والمتبع لنشاط مؤسسات المجتمع المدني العربي في المشرق والمغرب وخصوصاً في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، يدرك تماماً أنها استطاعت أن تنجز في هذا المضمار، وخصوصاً بعد أن قامت بتشبيك نشاطاتها مع مؤسسات المجتمع المدني العالمية. ومن المعروف أن ظهور المجتمع المدني العالمي في العقود الأخيرة، يعد من أبرز ظواهر التحول في النظام الدولي.
وذلك لأن الدولة لم تعد هي اللاعب الرئيسي الوحيد، بل إن مؤسسات المجتمع المدني أصبحت أحد الأطراف الأساسية في التفاعلات الدولية.
وخلاصة ما نريد التأكيد عليه، أن النخب السياسية العربية الحاكمة أمامها -في ظل سيادة ظاهرة العولمة- تحديات جسيمة في مجال التحول الديمقراطي.
أما القيمة الثانية من قيم العولمة السياسية وهي احترام التعددية، فقد أصبحت من معالم النظام الدولي الجديد الذي يقوم على قبول فكرة أن التنوع الثقافي يؤدي إلى ازدهار الشخصية الإنسانية. ومن ثم فقد أصبح متفقاً عليه أنه ينبغي احترام الحقوق الثقافية للأقليات غير العربية.
غير أن المشكلة الحقيقية أن الفكر السياسي العربي لم يستطع حتى الآن أن يصوغ نظرية متكاملة عن كيفية التعامل مع هذه الأقليات، وقامت من قبل مبادرات على أساس التجربة والخطأ، كما حدث في عهد صدام حسين مع الأكراد، وفي عهد نميري مع جنوب السودان.
والواقع أن التعامل مع التعددية يمثل مشكلة كبرى تحتاج إلى اجتهادات فكرية عربية أصيلة. وتبقى بعد ذلك أمام النخب السياسية الحاكمة العربية قضية احترام حقوق الإنسان. والتي تحتاج إلى إعادة صياغة للعقل السياسي العربي!