الربع البشري المعطل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
محمود الباتع
فيما يشبه ناقوس الخطر، أعلن معهد "بيو" الأمريكي للأديان والحياة العامة عن دراسة إحصائية كان قد أجراها مؤخراً ودلت على أن المسلمين في العالم أصبحوا يشكلون ربع سكان الكرة الأرضية، كما دلت من جديد وبجلاء على أن كلاً من الفرز والمحاصصة ناهيك عن الانتقائية قد استوطنت في الآونة الأخيرة ركناً أثيراً من عقول أهل الحي الغربي للعالم عندما يتعلق الأمر بالمسلمين حصراً، لا فرق في ذلك بين صراخ الغوغاء أو بروباغاندا الصحافة أو رصانة الأكاديمية. فقد أولت الدراسة عناية خاصة لإبراز حقيقة كون الأقليات المسلمة في بلاد الغرب باتت تشكل كثرة عددية فاقت تعدادهم كمواطنين في بلادهم الأصلية التي جاءوا منها، ولا بد أن يكون مريباً إصرار الدراسة إياها على الإشارة إلى أن عدد المسلمين في ألمانيا مثلاً أكبر منه في لبنان كما أنهم في روسيا أكثر عدداً منهم في سوريا وفي الصين أكثر من ليبيا والأردن مجتمعتين!
بتوقيتها وأرقامها وأسلوب عرضها ينبغي التساؤل عن الهدف من وراء توزيع تجمعات المسلمين على خارطة افتراضية لا طريق لها عن حقيقة جدواها والغاية منها، وما هو الخطب الذي استدعى معهداً أكاديمياً تفترض فيه النزاهة والحياد إلى لفت الأنظار إلى مثل هذه الحقائق الهامشية التي لا معنى لها في الواقع سوى صب الزيت على نيران الإسلاموفوبيا المستعرة وإذكاء الدعاية المغرضة ضد الخطر الأخضر المزعوم الذي أتى حتى الآن على ربع العالم ويتحفز لأن يأتي على الثلاثة أرباع الباقية منه. هذا الربع البشري الذي يحلو لهم أن يروه حمولة زائدة على البشرية وعائقاً معطلاً للتطور الإنساني.
في الواقع، فإنه ليس صعبا علينا كمسلمين ـ أو غير ذلك ـ أن نذكر العالم في المقابل، وبدون أية دراسات إحصائية، بجملة من الحقائق والبديهيات التي مفادها أن أتباع الديانة اليهودية في مدينة نيويورك وحدها، وليس في الولايات المتحدة، هم أكثر عدداً وثراء ونفوذاً من يهود دولة إسرائيل نفسها، وهي الدولة التي يريدونها يهودية خالصة الهوية نقية العرق (!). كما أن بمقدورنا وبكل بساطة ـ وأيضاً بدون إحصاء ـ التأكيد على أن عدد المصريين المسيحيين على سبيل المثال هو أضعاف المسيحيين من أبناء حاضرة الفاتيكان نفسها مهوى أفئدة الملايين من المسيحيين حول العالم، ومثوى القديس "بطرس الرسول" كاتب أسفار العهد الجديد وحامل مفاتيح الجنة وحاضن كنيسته المقدسة، فهل لذلك أن يعني لأحد شيئاً واحداً ؟ سؤال ليس على الإطلاق برسم الإجابة، لأن أي جواب سوف لا يعني أي شيء ولن يقدم أو يؤخر ولن يغير أي شيء في أي شيء، وذلك انطلاقاً من الحقيقة التي مفادها أن الله تعالى قد خلق الجميع من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وأنه لو شاء لجعلنا جميعاً أمة واحدة، ولكنها حكمة الخالق في خلقه وسنته التي لا تبديل فيها.
ما كان أشد إثارة للشفقة هو أن استبدت ثمالة الزهو ونشوة الانتصار بالكثيرين فور الإعلان عن هذه النتائج التي اعتبرها هؤلاء بشارة بنصر الله والفتح وأن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجا وهو ما حقق للإسلام والمسلمين الفوز العظيم، وكأن المسألة مباراة أو سباق أولمبي يفوز بذهبيته من هو أكثر قدرة على الإنجاب، في الوقت الذي تعيش فيه خير أمة أخرجت للناس على كثرة عديدها عصراً ليس هو خير عصورها، بل هي تعيش أسوأ أيامها على الإطلاق منذ بزوغ فجر الرسالة الخاتمة وحتى تاريخه، ولعلها فتنة آخر الزمان التي تجعل الحليم حيراناً، فهاهي خيمة الظلامية الممتدة والآخذة في الاتساع يقودها ثالوث التخلف الأزلي من جهل وفقر ومرض، تزداد معها حيرة المسلمين وافتتانهم غير المسبوق بما يتقاذف عقولهم الحائرة بين فتاوى الإرضاع وموجبات النقاب، وبين طاعة ولي الأمر وحاكمية الله والخروج على الحكام، وبين الجنوح إلى السلم وحفظ العهود والمواثيق وصيحات الجهاد، وفي ظل الافتراق القائم بين الشرع والتشريع وبين النظرية والتطبيق نجد الآلاف وقد سقطوا فاقدي اليقين والثقة في كل شيء بين مطرقة وسندان من نفس الجنس والعمل، وسقطت معهم شعرة معاوية والكلمة السواء فيما بينهم، فأصبح كل منهم للآخر خصم لدود، ينفي كل منهم الآخر ويشطبه ويدينه ويخونه ويكفره ويستبيح عرضه ويستحل دمه، فيسفكه بقلب مطمئن وتجرع منه ما تيسر ثم يتوضأ بالباقي ليخر الجميع سجوداً لرب واحد قهار مولين وجوههم شطر بيته الواحد الحرام، مرتلين محكم آيات الكتاب الواحد سائلين الله تعالى وبلسان أوحد من فضله المن بالعفو والمغفرة والعتق من النار. وما إن يسلم الكل على الملكين حتى ينتشروا في الأرض يهزون مسابحهم التي صنعها لهم الأغيار من كل أصقاع الأرض، ثم ليتسولوا المعونات الغذائية والدوائية، وبكل تأكيد المقويات الجنسية التي أصبحت من أهم أسلحة العصر وأكثرها فتكاً، يستعينون بها على إذكاء الحرث وإثراء النسل حتى يعودوا سيرتهم الأولى يغزو بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض وينال بعضهم من بعض ويدوس كل منهم على شرف الآخر.
كان أكثر ما احتفل به البعض هو تعمد تلك الدراسة التمييز للمرة الأولى بعد طول لبس لدى معشر "الفرنجة" بين العرب والمسلمين، لتضع نقطة على الحرف وتقضي تماماً على تلك الفكرة البلهاء التي استولت على الرأي العام الغربي وروج لها إعلامهم بشكل شديد الإغراض من أن العرب والمسلمين هما شيء واحد، حيث العرب هم المسلمون والمسلمون هم العرب، ولطالما أثار هذا الخلط الغربي غيظ كل من المسلمين غير العرب والعرب غير المسلمين على السواء. ولكن طرح هذه الحقيقة كنتيجة إحصائية قد يثير ـ بل إنه أثار فعلاً ـ نقاشاً غير مشروع وغير بعيد الغرض هو الآخر عن الخلط الأول الذي مزج بين الهوية الوطنية والديانة، نقاش قاد إلى سؤال خبيث حول من الذي أساء إلى الآخر وكان وبالاً عليه، هل هم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وانطلق على أيديهم ومن بلادهم إلى أرجاء المعمورة، حملوه إليها بخلافاتهم وبداوتهم وتعصبهم وعشائريتهم، أم هم أهل الأمصار الذين اعتنقوه وآمنوا به فمزجوه بعاداتهم وتقاليدهم ومزاجهم الخاص الذي أنتج إسلاماً غير ذلك الإسلام الحقيقي الذي تنزلت به الملائكة على خاتم النبيين؟
هذا التساؤل أبعد ما يكون عن المشروعية أو البراءة وذلك لما ينطوي عليه من خبث التعمية المتعمدة والاستهبال غير خافي الغرض، ألا وهو الطعن في كل من العروبة والإسلام معاً، فمن المعروف أن الإسلام وببساطة إنما نزل برسالة إنسانية للبشرية جمعاء لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولم ينتشر ولم يكن له أن يفعل إلا بالقدوة الحسنة والعمل الصالح وليس بأي شكل من أشكال الفظاظة وغلظة القلب. وليس ببعيد عن عين الصواب أن شؤون الدنيا والمفاهيم الحياتية للمجتمعات المسلمة، وخلطها بالعقائد والإيمانيات عربية كانت أم غير ذلك قد كان لها طويل الباع في حرف التنزيل الرباني عن حقيقة هدفه الإنساني، وبالتالي إضفاء مسحة داكنة من الغموض على الرسالة السمحة الميسرة، كما كان للمؤسسات الدينية المتعصبة والموجهة على الأغلب من قبل أطراف سياسية، أكبر الأدوار في إذكاء روح التعصب الديني وإبعاد المسلمين عن روح العقيدة الحقة التي ليس من بين تجلياتها بأية حال أية نزعة" نحو الكراهية أو البغضاء أو المشاحنة بين المسلمين وغير المسلمين، ودع عنك ما بين المسلمين وبعضهم، ولو أن هناك ديناً أيا كان شأنه يدعو إلى شيء من هذا لما كان استحق أن يتبعه أو يؤمن به أحد.
القضية كل القضية لا تتعلق بالإسلام كعقيدة أو شريعة، وإنما تتعلق بالمسلمين أنفسهم، فكم من المسلمين اليوم لا يشعر بالغيرة والحسد وهو يرى أمماً (كافرة) قليلة العدد نسبياً محدودة الموارد، نهضت بالأمس من تحت أنقاض الحروب والفتن لتبلغ اليوم من السمو الإنساني والرقي الحضاري ومن أسبا القوة والمنعة والحصانة ما هو أحرى بالمؤمنين أن يبلغوه؟
كون المسلمين "خير أمة أخرجت للناس" مرتبط حصرياً بمدى فهمهم لتعاليم دينهم وقدرتهم على تطبيقها، وجوهر تلك التعاليم هي العدالة والمساواة الإنسانية والتراحم والتكافل بين البشر والقاضية جميعها بإعطاء كل ذي حق حقه، وإنهم بذلك وبذلك وحده خير الأمم حتى ولو لم يزيدوا عن عشر معشار البشر، وإلا فإنهم لن يعدوا كونهم مجرد زبد سيذهب في يوم ما جفاء حتى لو غطى بفقاقيعه كل وديان الأرض.