جريدة الجرائد

الراكضون !

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

غداً تغرق بيروت في "احتفالية" سباق الماراتون الذي يشارك فيه 34 ألف عداء من لبنان ودول أخرى من كل الأعمار.
المناسبة ليست رياضية فحسب. انها تتصل بفلسفة الحياة عينها، حياة الفرد وحياة الجماعة ايضاً، وتشكل تعبيراً رمزياً مؤثراً عن "روح الأولمب"، اذا صحّ التعبير، الذي اختصره مؤسس السباق البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان بالقول:
"إن اهمية الالعاب الاولمبية تكمن في ان يكون المرء جزءاً منها وليس بالضرورة ان يحقق الفوز. تماماً كالحياة، المهم المثابرة اذ يكفي ان تبذل جهداً لتُعدّ بطلاً".
لنقل اذاً إنها فلسفة المشاركة وقاعدة الحافز الانساني. ولنقل ايضاً إن قواعد اللياقة والوفاق تفرض في هذه المناسبة، التي تفتح لبعض اللبنانيين قوسين على هامش من الفرح المنحسر كثيراً، ان نوّجه تحية الى السيدة مي الخليل التي تنظم هذا السباق، والى كل الذين سيشاركون في فعالياته ليعودوا الى منازلهم اكثر احساساً بجمال الحياة ومحاسن الجهد واهمية المثابرة. نعم، تحية الى كل هؤلاء، سياسيين ورسميين ومواطنين من كل الاعمار، وضيوفاً جاؤوا يشاركون بيروت هذه المناسبة.


❐ ❐ ❐

واذا كان سباق الماراتون اصلاً قد انطلق من أسطورة إغريقية تتحدث عن جندي عدّاء أوفدته مدينة ماراتون ليبشر اهالي أثينا بأن جيش الغزاة الفرس الذي هاجم المدينة مني بالهزيمة، وان العداء عندما بلغ ابواب أثينا صاح: "لقد حققنا النصر"، ثم خرّ ميتاً، فإن "ماراتون بيروت" يأتي حافلاً بكثير من الجوانب الرمزية، وخصوصاً عندما نخرج من الاطار الرياضي الى شؤون حياتية وشجون متعددة تدفع المواطن الى الركض المارتوني الدائم في هذا البلد السعيد!
فعلاً، ما الذي لا يركض في بيروت؟
كل شيء يركض، الغلاء يركض بطلاً أولمبياً مكللاً بالغار. الدواء يركض سابقاً الأورو بأضعاف أضعاف والأمراض تسابق الصحة والاعتلال يهزم العافية. الظلام يركض في عتمات البيوت والشوارع مضاءة بالكهرباء نهاراً فقط. أقساط الجامعات والمدارس تركض الى ما بعد بعد "أثينا".
الانقسام السياسي راكض هو ايضاً، وقد تجاوز خط الوصول عند ما يسمى "الديموقراطية التوافقية". الدولة تركض في ميدان المقاومة والمقاومة تركض في ميدان الدولة من مدينة ماراتون الى ما بعد أثينا وإسبرطة.
والأبناء يركضون هرباً في المطار والمرفأ. الوظائف تركض كالفراشات الطائرة ولا من يملك شبكة الالتقاط. أما الرغيف فليس أكثر من دولاب دوّار يعجز الراكضون في هذا "الأولمب التاعس" عن اللحاق به.


❐ ❐ ❐

ما الذي لا يركض في لبنان؟
كل شيء يركض مبتعداً. وكل مواطن منخرط في "المطاردة الأولمبية".
واذا كان الجندي العدّاء الاغريقي المدعو فيديبيدس قد سقط ميتاً عند ابواب أثينا صارخاً: "لقد انتصرنا"، فإن آلافاً مؤلفة من "العدائين" اللبنانيين يسقطون يومياً امام احلام اطفالهم وهم يقولون: لقد فشلنا... لقد هُزمنا.
بالتأكيد لا نريد ان نفسد فرحة الماراتون ومعانيه النبيلة على المشاركين فيه كشهادة ايمان بالحياة، ولكننا إذ نحيي هؤلاء جميعاً، وخصوصاً المنظمين، من الظريف ان نتذكر ان اجراءات قطع الطرق التي فرضها تنظيم الماراتون في بيروت قد اتاحت للكثيرين فرصة لالتقاط الانفاس والتوقف عن الركض الدائم. والمدينة التي تخنقها فوضى السير ليس عليها ان تتأفف من اختناق المرور لأن هناك من يركض الماراتون إيماناً بالفرح والحياة والمثابرة.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف