جريدة الجرائد

عودة المثلث العربي المركزي إلى العمل المشترك

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

إبراهيم لقمان حمادة

لا بد من عودة المثلث العربي المركزي: مصر، السعودية وسورية إلى العمل السياسي العربي المشترك، ومواجهة التحديات المصيرية والتاريخية التي تجابه العرب، وأولها اليوم صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف والأكثر تعصباً ورفضاً لحل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة "تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل" بحسب تعبير الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش.

فهذا المثلث العربي الذي كان إلى أسابيع معدودات فقط، مفروط العقد، وانعكس فرطه سلباً على العرب وضياعاً لحقوقهم وهدراً لقواهم، وبمجرد عودته إلى سابق عهده تعود إلى العرب أوراق القوة من جديد، وخصوصاً في مفاوضة إسرائيل والولايات المتحدة.. واستطرادا إلزام الدولة العبرية بالإذعان لقرارات الشرعية الدولية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بعد العام 1967.

وهذه البنود في الحقيقة، هي نفسها الواردة في المبادرة العربية التي قدمتها القمة العربية في بيروت في العام 2002، ورفضتها إسرائيل وقتها، وقال معلقاً عليها أرئيل شارون، رئيس وزراء الكيان وقتها، بأنها "لا تساوي ثمن الحبر الذي سطّر سطورها".. وقام بعدها شارون باجتياح الضفة الغربية وارتكاب مجزرة جنين، التي راح ضحيتها أكثر من 200 فلسطيني بين قتيل وجريح، وشرع في بناء الجدار العازل الذي هو "ضرورة لأمن يهودا والسامرة" حسب قوله.

واليوم، ومع المؤشرات الإيجابية التي نراها تتفعّل وتتقوى يومياً بين دول المثلث العربي المركزي، من خلال امتداح وزير خارجية مصر أحمد أبوالغيط لموقف سورية الرسمي من المفاوضات الفلسطينية- الفلسطينية في القاهرة والإسهام في إنجاحها.. إلى المباحثات السعودية السورية، من خلال زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى الرياض، والتي ستمهد لزيارة الرئيس بشار الأسد للسعودية في الشهر الجاري. وكان قبل ذلك بأسابيع قد زار دمشق مبعوثاً من جلالة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الأمير مقرن بن عبدالعزيز مدير المخابرات العامة بالمملكة، في إطار متابعة ترجمة مبادرة المصالحة العربية- العربية التي أقدم عليها العاهل السعودي في مؤتمر القمة الاقتصادية الأخير في الكويت، وذلك بإقامته جسراً مفاجئاً للتواصل بعد انقطاع، بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد من جهة، وبين هذا الأخير والرئيس المصري حسني مبارك من جهة ثانية.

المساعي الحميدة والقرار الشجاع

والحقيقة أن هذا القرار التصالحي الشجاع الذي اضطلع به العاهل السعودي، كانت قد سبقته بشهور طويلة، دعوة كويتية صامتة مخلصة إلى لملمة الصف العربي، وتوحيد جهود العرب وائتلاف كلمتهم، وخصوصاً بين دول المثلث العربي المركزي، ولاسيما بعد مؤتمر القمة العربي الأخير في دمشق، والذي كان حضره أمير الكويت شخصياً، وزار بعد انتهاء جلساته مباشرة الرياض، في إطار تقريب المساعي الوفاقية الجدية بين الدول العربية، وبخاصة منها سورية والمملكة العربية السعوية ومصر.

وتتابعت مساعي الكويت المخلصة للملمة الصف العربي، من خلال الزيارات المكوكية الأخيرة التي قام بها نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية الكويتية الشيخ د.محمد الصباح، الذي حمل رسائل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد إلى عدد كبير من إخوانه القادة العرب، والمتعلقة بتنفيذ قرارات القمة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي شهدتها الكويت في فبراير الماضي، وفي الطليعة منها تعزيز الأجواء التصالحية العربية- العربية وتصليبها، كاشفاً "أن سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد كان يعمل بصمت وبعيداً عن الأضواء لمدة عام من أجل الوصول إلى هذه الحال، لذلك نرى الآن هذه الثمار الإيجابية، وما تكليف سموه لي بهذه المهمة إلا متابعة لزيادة هذه الأجواء.. ولقد لمست النوايا الصادقة لتحقيق صفحة جديدة وإيجابية في العلاقة بين الدول العربية".

وفي الوقت الذي كان يرى فيه البعض أن مصر استقالت من دورها الإقليمي، وأنها تخاذلت عن رعايتها القضية الفلسطينية، وتركت العنان للخارج الإقليمي والغربي، ليتولى هو المهمة في الشرق الأوسط، وخصوصاً في أثناء الحرب الإسرائيلية المجرمة على غزة، تبين لهذا البعض فيما بعد، ليس خطأ نظرته وتوقعاته فقط، وإنما عقم رؤيته الاستراتيجية لمصر ودورها في المنطقة، وبخاصة تجاه القضية الفلسطينية، التي كانت مصر وستظل حاضنتها الطبيعية المركزية، بدليل أنها هي التي حققت المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية، وبرضى الطرفين المركزيين: فتح وحماس.

وعملت مصر وتعمل على تصليب الموقف الفلسطيني ليصير واحداً موحداً في مواجهة الاستحقاقات الخطيرة التي تنتظر الفلسطينيين، وإلى جانبهم العرب جميعاً، خصوصاً تجاه واقع صعود غلاة اليمين التلمودي الصهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو الرافض لمنطق قيام دولة فلسطينية، والانسحاب بالتالي من القدس الشرقية، التي يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من العاصمة الأبدية لإسرائيل.

كما يرفع هذا اليمين التلمودي "لا" كبيرة لعودة اللاجئين.. و"لا" كبيرة أخرى للانسحاب من التجمعات الاستيطانية الخمسة الكبيرة التي أقامتها الدولة العبرية في الضفة الغربية.. و"لا" للانسحاب العسكري الإسرائيلي من منطقة غور الأردن، باعتبارها حيوية للأمن الإسرائيلي.

إذن، أمام هذه الاستحقاقات المصيرية الخطيرة التي يواجهها الفلسطينيون (والعرب معهم طبعاً) ينبغي لهم أن يكونوا صوتاً واحداً موحداً، يترفعون خلاله عن الانقسامات الثانوية والمماحكات اللفظوية والتخلي عن منطق الاستئثار بالقرار من أي جهة واحدة بينهم.. وهو ما تعمل له جاهدة مصر صراحة، مؤيدة طبعا من السعودية وسورية، لأن القضية الفلسطينية، كانت ولا تزال، جزءاً لا يتجزأ من أمنها الإقليمي والاستراتيجي، ومن المتوقع أن تضع مصر ثقلها في الميدان للضغط على الإسرائيلي ومن ورائه الغربين الأميركي والأوروبي في ذلك.

القيادة المصرية إذن أكثر من جادة في هذا الصدد، وخصوصاً أن الرئيس حسني مبارك كان قبيل الحرب على غزة قد قال لكل من باراك وليفني إن المبادرة العربية للسلام غير قابلة للنقاش، وعليكم الالتزام بكامل بنودها إذا كنتم جادين فعلاً بعملية السلام في المنطقة.

وكانت المبادرة العربية للسلام، والمقترحة على الجانب الإسرائيلي من طرف القمة العربية، والتي عقدت في بيروت في العام 2002، قد نفض الإسرائيليون الغبار عنها مؤخراً، وقالوا إن فيها بنوداً قابلة للتفاوض حولها، فكان الرد المصري الذي ذكرناه.. وكان هناك رد آخر حاسم للسعودية جاء على لسان مليكها عبدالله الذي قال إن هذه المبادرة لن يظل عرضها مطروحاً مدة طويلةً على الطاولة.

ويكاد الموقف المصري الضاغط بقوة لتوحيد الصف الفلسطيني، يكون هو نفسه الموقف السعودي. يؤكد ذلك البرقية التي بعث بها العاهل السعودي للرئيس المصري بمناسبة توصل حركتي فتح وحماس والفصائل الفلسطينية إلى اتفاق ينهي حالة الانقسام الفلسطيني.، ومما جاء في البرقية "لا شك أن ما قام به فخامتكم من جهود يدل دلالة قاطعة على أن مصر الشعب الحر الأبي، مصر العروبة والإسلام، وبقيادتكم الحكيمة، تصدت لدورها التاريخي المؤمل منها حكومة وشعباً".

اكتمال اضلاع المثلث

أما الموقف السوري من الاتفاق الفلسطيني- الفلسطيني في القاهرة، فقد كان داعماً جدا وإيجابياً جداً جدا في مشاركته الجهود المصرية في التوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية. وقد تحدثت آخر المعلومات عن قرب انعقاد قمة استثنائية تضم كلا من مصر والسعودية وسورية وقطر قبيل انعقاد القمة العربية الدورية في الدوحة أواخر الشهر الجاري، ويكون عنوانها توحيد الجهود العربية لمواجهة المرحلة الصعبة التي جسدتها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، والرافض لكل مشاريع السلام في المنطقة. كما تجسد القمة العربية المصغرة تحقيق المصالحة العربية- العربية على الأرض، والتي قال معلقاً عليها، (أي على هذه المصالحة) وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل: "حفرنا حفرة عميقة لخلافاتنا العربية- العربية وواريناها فيها إلى الأبد".

إذاً المصالحة العربية- العربية هي ممر إجباري في هذه المرحلة لكل الدول العربية، وبخاصة منها دول المثلث المركزي: مصر والسعودية وسورية. وهذه المصالحة إنما تعني فشل الرهان على السياسة الأميركية لمدة ثماني سنوات في ظل إدارة جورج بوش والمحافظين الجدد، وخصوصاً تجاه حل المشكلة المركزية في الشرق الأوسط، وقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

وحديث سعود الفيصل عن دفن الخلافات العربية/ العربية، والى الأبد، إنما يعني أن هناك قراراً استراتيجياً سعودياً ومصريا لإعادة الأولويات في الشرق الأوسط، ووضع حكومة إدارة أوباما على المحك، خصوصاً وأنها وعدت نفسها وشعبها، قبل العرب، بأنها ستكون مغايرة لإدارة بوش، بخاصة لجهة حل الصراع العربي الإسرائيلي، والانسحاب من العراق، والتفاوض الماراثوني المنتج مع إيران.. فضلاً عن أن حرب غزة كانت قد فرضت أجندة جديدة على المنطقة والعالم بلورها صعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد كقضية مركزية أولى في المنطقة والعالم.. لا تقبل أنصاف الحلول أو أرباعها، فإما سلام يحقق دولة فلسطينية يرضى عنها الطرف الفلسطيني واستطرادا العربي، وإما عودة إلى مربع الحروب المفتوحة مع إسرائيل في المنطقة.. والخاسر الأكبر فيها هو إسرائيل طبعا، لأن الزمن العربي، وعلى الرغم من كل الثغرات الفادحة والعريضة التي يعانيها، لم يعد يعمل للوراء، وخصوصا بعد سقوط نظرية الردع الإسرائيلي، وانتهاء نظرية الحرب الكلاسيكية الخاطفة بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية المقابلة له.. وبروز مفهوم الشعوب العربية المقاومة، والتي تأخذ حقها بيديها وتنجح في ذلك.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف