هل تعود "البوشية" من دون بوش؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
محمد السماك
أطلق أوباما دبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط. ولكنه لم يطلق سياسة جديدة. الفرق بين الاثنتين هو أن التغيير ينحصر في الشكل لا في الجوهر. بمعنى أن الثوابت الأميركية لا تزال على حالها، أما المتغيرات فتتعلق بالآلية. بوش اعتمد آلية للعمل السياسي في المنطقة تقوم على التهديد والوعيد، ثم على المقاطعة وفرض العقوبات، وبعد ذلك على القوة العسكرية.
قسّم بوش دول المنطقة إلى أصدقاء وخصوم. أما الأصدقاء فمهمتهم عنده هي التكامل مع تحركاته السياسية أو عدم التعرّض لها. وأما الخصوم فإنهم حسب العبارة التي كان يرددها كثيراً "يعرفون ماذا نريد، وعليهم أن يفعلوا ما نريد... وإلا".
لم يكن يتحدث مع هؤلاء الخصوم. ولم يكن يزعج نفسه بأن يشرح لهم ماذا يريد ومبررات أو أسباب ما يريده. كان على ثقة من أن قوة الضغط المعنوي، أو المادي أو العسكري كافية وحدها لإفهامهم ولإقناعهم. غير أن هذه الآلية فشلت مع الأصدقاء والخصوم، ومع الحلفاء والأعداء معاً. فلا الحلفاء نفذوا ما يريد. ولا الأعداء خافوا من تهديداته وضغوطه فاستسلموا لما يريد. ومن هنا مُنيت سياسته بالفشل الذريع.
ويعترف الرئيس الجديد أوباما (ومعه إدارته الجديدة) بهذا الفشل. ولذلك قرر اعتماد أسلوب (أو آلية) مختلفة. بل معاكسة تماماً.
فمع الأصدقاء ترى إدارة أوباما مثلا، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" ظُلم كثيراً عندما طلبت منه إدارة بوش أن يواجه "حماس" وأن يفاوض إسرائيل. فالمعادلة كانت خاطئة من الأساس. وهذا الخطأ يتمثل في خسارة الرئيس الفلسطيني أمام "حماس" في غزة، وفشله في المفاوضات مع إسرائيل.
ولذلك يرى أوباما أن دعم السلطة الوطنية الفلسطينية يتطلب إعادة نظر في المقاربة الأميركية لهذه القضية تقوم على تحقيق المصالحة الفلسطينية بين "حماس" و"فتح" أولا وقبل كل شيء، وذلك على عكس ما كانت تفعله الإدارة السابقة.
وأدرك الرئيس الأميركي الجديد أيضاً أن إدارة بوش أخطأت كذلك في تحجيم دور مصر، بل وفي تجاوزها، الأمر الذي أدى إلى تضخم الأدوار الإيرانية والتركية مما شجع إسرائيل على تصعيد غطرستها، من دون أن يقدم ذلك كله أي خدمة أو أي إنجاز إيجابي للمصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، أو أن يدفع بمسيرة التسوية السياسية خطوة واحدة إلى الأمام. ومن هنا كان قرار إدارة أوباما بتشجيع مصر على استعادة دورها في المنطقة، وعلى رفع الحواجز التي وضعتها الإدارة السابقة في طريق هذا الدور. فكان من ثمار هذا التحوّل النجاح المصري في تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية. وهي في حد ذاتها مدخل أساس للمصالحة العربية- العربية التي أشرقت من خلال مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت.
كانت إدارة بوش قد اتخذت موقفاً سلبياً من سوريا. فبعد أن سحبت السفير الأميركي من دمشق، أوقفت الاتصالات المباشرة معها، حتى أن السفير السوري في واشنطن، نادراً ما كان يُستدعى إلى الخارجية الأميركية إلا لتوجيه تأنيب حول موقف ما، أو لتبليغه احتجاجاً على موقف ما. وقد أدى ذلك إلى ازدياد هوة اللامعرفة بين الطرفين، وهو أمر زاد في حجم التوتر بينهما. وفي الأساس لا إدارة بوش، ولا إدارة أوباما ترغب في تغيير النطام في سوريا. وقد أعلنت كل منهما عن ذلك صراحة أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. غير أن الإدارتين تتطلعان إلى تغيير سلوك النظام.
فقد اعتقدت الإدارة السابقة أن المقاطعة والعقوبات والتهديدات تحقق الغرض المطلوب، ولكن ذلك ثبت فشله. وانطلاقاً من هذا الفشل انفتحت الإدارة الجديدة على دمشق على أمل إقناع النظام بتغيير سلوكه بالتي هي أحسن، أي من خلال الحوار والمصالح المشتركة. فكان الانفتاح الأميركي، حتى أن الوفود الأميركية من مختلف المستويات تزاحمت على دمشق ملوّحة بغصن الزيتون وبالجزرة معاً. أما العصا فقد طويت ولو إلى حين. ويبدو أن هذا التغيير في الآلية بدأ يعطي أُكله. ويتمثل ذلك في الأمرين التاليين:
الأول هو تحقيق المصالحة الفلسطينية. ولو كان لسوريا رأي آخر في هذه المصالحة ربما لما وُلد اتفاق القاهرة. أما الأمر الثاني فهو تحقيق المصالحة السعودية- السورية، حتى أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قال عن الخلافات العربية إنها "دُفنت عميقاً". وحتى أن أبو الغيط وزير الخارجية المصري أشاد بالتصريحات الإيجابية التي أطلقها وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وهي ظاهرة جديدة في التناغم العربي.
صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها التوصل إلى تسوية للخلافات الفلسطينية- الفلسطينية، فقد سبقها اتفاق مكة الذي رعته المملكة العربية السعودية، واتفاق صنعاء الذي رعته اليمن. وصحيح أيضاً أنها ليست المرة الأولى التي تسوى فيها الخلافات العربية- العربية، فقد جرت مصالحات عربية تكاد لا تعدّ ولا تُحصى قبل القمة العربية التي عقدت في دمشق وبعدها. إلا أن ما يميز التسويتين هذه المرة هو أنهما تأتيان بتوافق أميركي، ومع إطلالة العهد الجديد للرئيس أوباما. أي أن التعطيل الأميركي توقف وحلّ الضوء الأخضر مكان الضوء الأحمر. ولعل هذا هو أهم ما يميز أوباما عن بوش شخصاً وإدارة.
ويبقى، في هذا المقام، التأكيد على أن ضخ الحيوية في الدور المصري في الشرق الأوسط لا يعني التقليل من دور كل من إيران وتركيا. فإيران بالنسبة للولايات المتحدة تلعب دوراً أساسياً في كل من أفغانستان والعراق المجاورين لها شرقاً وغرباً. كما أن ملفها النووي أصبح شاغل الدنيا بعد أن انخرطت في إنتاج وإطلاق صواريخ بعيدة المدى. وهنا أيضاً بدلا من سلبية المقاطعة التي اعتمدتها إدارة بوش كآلية للتعامل معها، قرّرت إدارة أوباما آلية إيجابية ولكن على أمل تحقيق الأهداف ذاتها وهي وقف تخصيب اليورانيوم، والتأكد من عدم إنتاج سلاح نووي مقابل جوائز ترضية سياسية واقتصادية تقدم لها. وبانتظار الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو المقبل ستطلق إدارة أوباما مبادراتها على قاعدة نتائج هذه الانتخابات وهوية الرئيس الإيراني المقبل.
أما تركيا فقد كانت ولم تزل حاجة استراتيجية أميركية ثابتة لموقعها الجغرافي المميز، ولعضويتها الفعالة في حلف شمال الأطلسي. ولاشك في أن الحاجة الأميركية إليها قد ازدادت في عهد أوباما على خلفية إقفال القاعدة العسكرية الأميركية في قرغيزيا، التي تشكل أنبوب الحياة للقوات الأميركية في أفغانستان. ثم إن تركيا هي الممر الأساسي للنفط والغاز اللذين تنتجهما شركات النفط الأميركية في بحر قزوين ومنطقة القوقاز وتجرّهما عبر الأنابيب إلى مرفأ جيهان التركي على البحر المتوسط. كما أن تركيا تقف على مشارف العراق حيث الملف الأميركي لا يزال وسيبقى مفتوحاً في المستقبل المنظور. حتى لو تم سحب القوات الأميركية منه، كما أعلن عن ذلك أوباما.
وتبقى، أخيراً، علامة الاستفهام الكبيرة، وهي: كيف ستتصرف إدارة أوباما إذا لم تؤدِّ هذه التحوّلات في آلية عملها السياسي إلى النتائج المرجوة؟ كيف ستتصرف إذا انتكست مرة جديدة العلاقات بين "حماس" و"فتح"؟ وإذا رفضت حكومة إسرائيل الجديدة مبادرة التسوية العربية؟ وإذا تمكست دمشق بسلوكها السياسي؟ وإذا أصرّت إيران على برنامجها النووي؟ هل تعود البوشيّة من دون بوش؟