مخاوف روسيا من صفقة أميركية إيرانية أجّلت صواريخ إس 300
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أزمة الغاز في أوروبا دفعت بطهران إلى الحذر من موسكو
مخاوف روسيا من صفقة أميركية إيرانية أجّلت صواريخ إس 300
القاهرة - محمد عباس ناجي
21/05/2009
تكتسب روسيا أهمية خاصة لدى ايران لاعتبارات عدة: أولها, أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن, بما يجعلها تشكل ظهيرا مهما لايران لاجهاض أي محاولات لفرض عقوبات صارمة على الأخيرة بسبب أزمة ملفها النووي. وثانيها, أن موسكو أصبحت منذ التسعينات من القرن الماضي المصدر الأساسي التكنولوجي والعسكري لايران, لدرجة أن الجيش الايراني يعتبر الجيش الوحيد في العالم, خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق, الذي يعتمد الى حد بعيد في بناء ترسانته وحيازة التقنيات المتطورة على روسيا. وتأتي ايران في المرتبة الثالثة عالميا من حيث استيراد السلاح الروسي بعد الصين والهند, بما يصل الى 400 مليون دولار اميركي سنويا.
أما ثالثها وأهمها, المحاولات الحثيثة التي تبذلها روسيا لاستعادة مكانة الاتحاد السوفياتي السابق كقوة كبرى وصد الهجوم الغربي تجاهها, من خلال تثبيت حلفاء ستراتيجيين. ووفق هذا التصور تكون الصين في شرق آسيا, والهند في جنوب آسيا, وايران في منطقة الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى أهم حلفاء موسكو في العالم حاليا.
وفي رؤية ايران فان هذه التحركات الروسية تصب في مصلحتها, لأنها توفر لها حرية حركة وهامش مناورة أمام الضغوط الدولية المفروضة عليها بسبب طموحاتها النووية والاقليمية. ولا تغفل ايران حقيقة أن ملفها النووي أصبح أحد أهم الملفات الحيوية التي تحاول موسكو استثمارها في تفاعلاتها مع الغرب, ولاسيما أن ملف جورجيا الذي حسمته روسيا باحتلال أوسيتيا الجنوبية في صيف العام الماضي لم يعد محلا لمساومات مع واشنطن بسبب ضآلة جورجيا في السياق الستراتيجي الكبير وافتقارها الى موارد الطاقة, عكس ايران.
خطوط حمراء
لكن ايران تدرك تماما أن علاقاتها مع روسيا لها حدود وخطوط حمراء لا تستطيع تجاوزها, وهو ما دفع بالقيادة العليا ممثلة في المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي الى التحذير من خطورة الاعتماد كليا على روسيا في مواجهة الضغوط والعقوبات التي يفرضها الغرب على ايران بسبب أزمة الملف النووي. هذا الحذر الايراني يكتسب وجاهته من اعتبارات عدة: أولها, أن روسيا لم تكن في أي وقت مضى حليفا ستراتيجيا لايران, بل كانت أحد أهم مصادر التهديد القومي لايران, فقد غزا الاتحاد السوفياتي السابق ايران في عام 1941 بالتنسيق مع بريطانيا, وأعلن رسميا احتلال أذربيجان الايرانية, وبعد الحرب لم يسحب الاتحاد السوفياتي قواته الا بعد حصوله على امتيازات بالتنقيب عن النفط في الشمال الايراني. وقد أدت المواجهات العسكرية المتكررة بين البلدين الى استقطاع روسيا لأراضٍ شاسعة كانت بحوزة ايران في القوقاز, ودعم الحركات الانفصالية الكردية والأذربيجانية في ايران.
وثانيها, أن ثمة ملفات اقليمية عدة أصبحت مثار خلاف مرشح للتفاقم بين روسيا وايران. فرغم الدعم الايراني الواضح لأرمينيا حليفة روسيا في نزاعها مع أذربيجان على اقليم "ناجورنو قره باخ", والدور الايراني الايجابي في شمال القوقاز, في موازاة توسع النفوذ التركي, الا أن طهران تبقى مفاوضا صعبا في مواجهة موسكو وخصوصا بشأن قضية النظام القانوني لتقسيم ثروات بحر قزوين, وهي قضية ربما تكسبها اهتماما دوليا خاصا في المرحلة المقبلة, بسبب الثروات الطبيعية الهائلة التي يتمتع بها البحر.
اللافت في هذا السياق أن هذه القضية بالتحديد لم تظهر الا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي, فقبل ذلك كانت كل من ايران والاتحاد السوفياتي يمتلكان 50 في المئة من ثروات البحر. لكن بعد تفكك الاتحاد السوفياتي زاد عدد الدول المطلة على البحر الى خمسة هي: ايران وروسيا وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان. وفي هذه اللحظة بدأ الخلاف يتصاعد حول تقسيم ثروات البحر, حيث تصر ايران على التمسك بالاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد السوفياتي السابق بشأن بحر قزوين (1921-1940), والتي تعني امتلاكها 50 في المئة من ثروات البحر, بينما تشدد الدول الأخرى على ضرورة تقسيمها بالتساوي, أي 20 في المئة لكل منها. ورغم أن روسيا أكدت مرارا على أن النظام القانوني لبحر قزوين يخضع للمعاهدات المبرمة بين الاتحاد السوفياتي السابق وايران, الا أن هذا الموقف تغير تدريجيا, حيث بدأت روسيا في التوقيع على اتفاقيات ثنائية لتقاسم ثروات البحر كان آخرها اتفاقية ثنائية مع كازاخستان, وهو ما لا ترضى عنه طهران.
ويبدو أن الخلاف حول ثروات بحر قزوين لن يبقى مكتوما في الفترة المقبلة, بسبب تطلع روسيا الى التحكم في سوق الغاز العالمي, وهو ما يتناقض مع مصالح طهران التي تسعى لأن تصبح أحد أكبر موردي الغاز الى أوروبا, مستغلة في ذلك الأزمة التي سببها قرار روسيا بوقف امدادات الغاز الى أوكرانيا العام الماضي, باعتبارها دلالة على خطورة الاعتماد على روسيا كمورد أساسي للغاز, ولاسيما أنها تسعى الى ربطه بمواجهاتها السياسية مع الغرب.
مخاوف روسية مقابلة
ورغم أن روسيا تجني فوائد عدة من تعاونها العسكري والنووي مع ايران من أهمها انعاش المجمع العسكري الروسي وملء الفراغ الستراتيجي الناتج عن قطع العلاقات الأميركية - الايرانية منذ وقوع الثورة في 1979, فضلا عن الوصول, عبر ايران, الى المياه الدافئة في الخليج العربي, الا أن ثمة ثلاثة عوامل أساسية تكبح روسيا عن المضي قدما في تطوير علاقاتها العسكرية مع ايران: الأول, يتمثل في التوازنات الدولية التي لا تسمح لها باحداث خلل في ميزان القوى العسكري في الشرق الأوسط. اذ ان ذلك يواجه بمعارضة أميركية واسرائيلية قوية, خصوصا أن توريد صفقات عسكرية ذات تكنولوجيا عالية سيضيق من هامش المناورة المتاح أمام الغرب في التعامل مع ايران والضغط عليها لابداء مرونة وتنازلات في الملف النووي. وفي هذا السياق يعتبر التلويح بالخيار العسكري أحد أهم أوراق الغرب في مواجهة ايران, ولذا فان توريد روسيا أسلحة تستطيع تقليص حدة التداعيات الناجمة عن أي هجمات أميركية أو اسرائيلية على المنشآت النووية الايرانية مثل أنظمة صواريخ أرض جو "اس 300", من شأنه اضعاف الموقف التفاوضي للغرب في مواجهة ايران.
وقد بادرت الولايات المتحدة الى توجيه رسائل عديدة الى روسيا بشأن امكان ابرام صفقة ستراتيجية بين الجانبين تتضمن تجميد, أو على الأقل, تأجيل ملف الدرع الصاروخية الأميركية مقابل المساعدة على تسوية أزمة الملف النووي الايراني. اذ اقترح الرئيس الأميركي باراك أوباما على نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في رسالة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" مقايضة وقف نشر الدرع الصاروخية في بلدان أوروبا الشرقية بالحصول على مساعدة موسكو في الملف النووي الايراني. وألمحت الى ذلك أيضا وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خلال لقائها مع نظيرها الروسي سيرجي لافروف في جنيف في 6 مارس الماضي.
لكن الأهم من ذلك, هو السياسة الانفتاحية الجديدة التي تنتهجها واشنطن تجاه موسكو, والتي تهدف الى اغراء روسيا بتسوية بعض خلافاتها مع الغرب مقابل تبنيها سياسة مرنة في الملف النووي الايراني. ففي اللقاء الذي جمع الرئيسين الأميركي والروسي على هامش قمة العشرين في لندن في أول أبريل الماضي, قدمت واشنطن وعودا لروسيا بدعم انضمامها الى منظمة التجارة العالمية, وهو الحلم الذي طالما راود موسكو ووقفت الولايات المتحدة حجر عثرة أمامه, كما عرضت واشنطن على موسكو بدء محادثات لاعداد معاهدة جديدة بشأن الأسلحة الستراتيجية الهجومية, اذ تنتهي فترة المعاهدة الحالية الخاصة بتقليص الأسلحة الستراتيجية الهجومية في 5 ديسمبر المقبل هو ما لاقى تجاوبا روسيا لافتا, وخصوصا أن ذلك من شأنه المساهمة في ترشيد الانفاق العسكري الروسي وتوجيه الاهتمام الأكبر لمعالجة الأزمة المالية العالمية التي أثرت الى حد كبير على الاقتصاد الروسي.
جهود واشنطن توافقت مع مساعٍ بذلتها اسرائيل لاقناع روسيا بعدم توريد أنظمة عسكرية متقدمة الى ايران, فقد طالب وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك خلال لقائه الكسندر سلطانوف المبعوث الخاص للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الى الشرق الأوسط, بالامتناع عن بيع ايران أنظمة صواريخ "اس300". ورحب باراك بmacr;"دور روسيا المهم" اقليميا, و"جهودها لتفادي زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط". كما أبدت اسرائيل تفاؤلها بأن تدعيم التعاون العسكري مع روسيا يمكن أن يعوض الأخيرة عن علاقاتها العسكرية مع طهران, وهو ما عكسه ابرام صفقة بيع طائرات من دون طيار الى روسيا, في النصف الأول من أبريل الماضي.
هذه المساعي الحثيثة التي تبذلها اسرائيل رافقتها تهديدات عسكرية مفادها أن الأخيرة لن تقف صامتة تجاه توريد أنظمة صورايخ روسية متقدمة لايران تهدد الأمن القومي الاسرائيلي, فقد حذر مسؤول أمني اسرائيلي رفيع المستوى روسيا من أن "اسرائيل ستستخدم الحرب الالكترونية لابطال فاعلية السلاح, ووضع روسيا في موقف حرج" من خلال اثبات أنه قابل للاختراق. وأوضح المسؤول الأمني الاسرائيلي أن هذا الأمر "ما زال في طور التطوير", ودعا روسيا الى "أن تفكر مليا قبل توريدها المنظومة الى ايران, التي تقف على حافة نزاع مع اسرائيل أو مع الولايات المتحدة", مشيرا الى أنه "اذا وصل السلاح الى طهران, فسيعمل على تطوير نظام حرب الكترونية قادر على ابطاله, واذا ما حدث ذلك, فان المسألة لن تكون كارثية على ايران فقط, بل على روسيا أيضا, اذ ان الاضرار باحدى الوسائل الأساسية في الأنظمة الدفاعية الروسية, سيمثل ضربة للأمن القومي الروسي, وكذلك للصادرات العسكرية الروسية, ولن تشتري أي دولة أنظمة مماثلة يثبت أنها غير مجدية, ومن هنا قد لا تقدم روسيا على فعل ذلك".
أما العامل الثاني فيتمثل في خشية روسيا من أن يرتد سلاحها المصدر لطهران الى ظهرها لاعتبارات القرب الجغرافي من ايران, ولاسيما أن العلاقات بين الطرفين تغلفها حساسية تاريخية خاصة, وهو ما لا يمكن أن تغفله روسيا, فضلا عن أن احتمال نجاح ايران في امتلاك سلاح نووي لا يصب في مصلحتها, لأن من شأن ذلك الاخلال بموازين القوى الستراتيجية ليس في منطقة الشرق الأوسط, ولكن, وربما يكون ذلك هو الأهم, في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز التي تشكل الحديقة الخلفية لموسكو, اضافة الى أن وجود ايران نووية يمكن أن يحول من دون وصول روسيا الى منطقة المياه الدافئة في الخليج بما يؤثر على مصالحها الاقتصادية والستراتيجية في المنطقة.
في ما يتعلق العامل الثالث بخشية روسيا من أي تفاهمات أميركية - ايرانية محتملة, قد تقود الى اضعاف الموقف التفاوضي الروسي مع الغرب, لاسيما في ظل المرونة الملحوظة في السياسة الأميركية الجديدة في التعامل مع ايران والتي بدت جلية في دعوة واشنطن طهران لاجراء مفاوضات غير مشروطة بشأن أزمة الملف النووى الايراني وبعض الملفات الاقليمية كالملفين العراقي والافغاني. وصول الطرفين الى تفاهمات بشأن هذه الملفات من شأنه تقليص حدة الاحتقان في العلاقات الأميركية - الايرانية, وهو ما سينعكس بالتبعية على تراجع العلاقات الايرانية - الروسية, لأن طهران بمنطق "الصفقة" سيتوجب عليها الابتعاد عن موسكو لمصلحة علاقاتها الجديدة مع الغرب.
حل وسط
هذه الاعتبارات في مجملها دفعت بروسيا الى انتهاج سياسة توافقية تحاول من خلالها عدم خسارة ايران باعتبارها ورقة تفاوضية مهمة في تفاعلاتها مع الغرب, وسوقا مفتوحة لصادراتها العسكرية والتكنولوجية, في مقابل تحاشي استفزاز الغرب بتقديم أسلحة متقدمة لايران من شأنها تقليص التأثيرات المحتملة لأي هجمات عسكرية على المنشآت النووية الايرانية. وانطلاقا من ذلك, تعمد روسيا الى تصدير أسلحة دفاعية تقليدية لايران مثل أنظمة صواريخ "تور ام 1", التي يبلغ مداها 12 كيلومتراً فقط, وتستطيع اصابة أهداف معادية سواء طائرات أو حتى صواريخ كروز, لكنها لن تصمد كثيرا في مواجهة أي هجمات جوية مكثفة بسبب أعدادها القليلة التي وصلت طهران. فضلا عن أنظمة صواريخ "اس 300" المضادة للطائرات ذات المدى البعيد, والتي تفتقر الى أنظمة التوجيه الحديثة. وعلى صعيد القوات الجوية, فان طائرات "سوخوي 24 ام كي" التي صدرتها موسكو الى طهران كانت قليلة العدد, فضلا عن أنها من طراز يعود الى سنوات مضت, بما يقلص من كفاءتها القتالية. كما لم تستطع الصادرات الروسية من الدبابات الى طهران أن تعادل حتى الآن الخسائر التي تكبدتها ايران في حربها مع العراق (1980-1988), والتي خسرت ايران فيها بين 50 و60 في المئة من ترسانتها العسكرية. ورغم أن روسيا تزود ايران بتكنولوجيا نووية, الا أنها تعمد الى أن تكون هذه المساعدات ضمن ضوابط وحدود تمنع تحول ايران الى قوة نووية عسكرية.
لكن تسليم أنظمة صواريخ "اس 300" المتقدمة لايران يخضع لحسابات روسية معقدة, رغم توقيع الطرفين على اتفاقية بهذا الشأن قبل عامين, ورغم الجهود التي تبذلها ايران لاقناع روسيا باتمام الصفقة, وبدت جلية في الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الايراني مصطفى محمد نجار الى موسكو في يناير الماضي. حيث تحاول موسكو التلويح بالصفقة لاكتساب قوة أكبر في مساوماتها مع الغرب, لكنها, على ما يبدو, لن تستطيع اتمامها في المستقبل القريب الى أن تتضح معالم المقاربة الأميركية الجديدة تجاهها.
هذه الاعتبارات في مجملها دفعت طهران الى نقل استيائها من موسكو الى العلن, بعد أن كانت حريصة في السابق على "كتم" هذا الاستياء خشية تأثيره على التعاون الروسي الايراني خصوصاً في شقه العسكري المهم. فهي تدرك أن موسكو تحاول ابرام صفقة مع واشنطن, وعندما تبرم هذه الصفقة سيتغير كل شيء, وتصبح كل المعاهدات العسكرية الاقتصادية بين موسكو وطهران مجرد حبر على ورق.