جريدة الجرائد

سعدي يوسف: لم أجد في الشعر الإنسان البسيط إلا عند الصعاليك

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أشهر شعراء المنفى الاختياري يتحدث لـ "النهار"

سعدي يوسف: لم أجد في الشعر الإنسان البسيط إلا عند الصعاليك

القاهرة ـ احمد مصطفى

لا ترجع أهمية سعدي يوسف فقط الى كونه أحد أبرز الشعراء العرب المعاصرين، أو أشهر شعراء "المنفى الاختياري" وانما هي أمر تؤكده مسيرته الشعرية عبر أكثر من نصف قرن، فلا يوجد شاعر عربي معاصر أضاف الى القصيدة وجدد فيها تجديداً محسوباً واعياً مثل سعدي يوسف، هو أكثر شعراء العرب المعاصرين جرأة على القصيدة في تغيير أشكالها منذ البدايات، فنجد عنده قبل كثيرين استعمالاً للمفردات الأجنبية، وربما كتبها بحروفها في لغتها، كذلك ذكر الأرقام تحريراً وكتابة (لانتِ في عامك الـ 16 تغدين أما..)، ثم التدوير في القصيدة الحديثة الذي بدأه في قصيدة "مرئية الألوية الأربعة عشر" عام 1965 في ديوان "قصائد مرئية" بعد ذلك أصبح التدوير ظاهرة في القصيدة خلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات خاصة عند حسب الشيخ جعفر ومحمود درويش، ونجد عند سعدي أيضاً مغامرة ادخال البرقيات النثرية وأحياناً البيانات الحزبية مضفورة في أبيات القصيدة.

وفي كل محاولاته تلك على مستوى الشكل يظل الشاعر سعدي يوسف وثيق الصلة بالوطن والانسان وقضاياه عبر منظور غير ساكن للكلمة الفاعلة، مؤكداً على قيم الحرية والعدل.

التكوين

على كثرة الحوارات التي أجريت معك، الا ان السنوات العشرين الأولى منذ الميلاد عام 1934 تظل سنوات مجهولة لم تتحدث عنها، ومن المؤكد كما هو واضح في قصائدك ان لها تأثيراً قوياً على تكوينك الفكري والثقافي.. ماذا عن هذه السنوات؟

ولدت في جنوب البصرة في قرية (المطيحة) وهي لا تختلف كثيراً عن قرى العراق الجنوبية، كثافة النخيل وغاباته تتخللها جداول وانهار، وهي مثل (جيكور) قرية السياب، وقريبة منها، قضيت بها السنوات الأولى من حياتي، كمعظم الفقراء، عيشة متواضعة، صعبة، كما ان وفاة والدي وانا ابن سنوات أربع زاد من هذه الصعوبة، وقد ألقى ذلك عبئاً ثقيلاً على كاهل أخي الأكبر ووالدتي وربما وضح تأثير الفقر والحرمان عليَّ مبكراً، وحتى الآن اعتبر نفسي فقيراً، وأجتهد من أجل حياة أفضل لي وللناس الفقراء.

هل هذه المعاناة المبكرة هي السبب في تبنِّيك لقضايا انسانية.. ووضوح المضمون الاجتماعي في شعرك.. فيما بعد؟

أضيف الى ذلك انه في فترة الفتوة الأولى، بدأ اتصالي بالحركة اليسارية، وقد كانت فترة تكوين للبعد الاجتماعي في شخصيتي، وأيضاً بلورة للميول الفكرية والسياسية، وثالثاً رسوخ المشاهد الطبيعية في الوجدان، هذه الملامح الثلاثة التي أذكرها عن البدايات قبل نزوحي الى بغداد.

لابد ان البدايات الشعرية والمحاولات الأولى بزغت في هذا المناخ.. ماذا تذكر عن القصيدة الأولى؟ وبواعثها؟ هل كان الباعث اجتماعياً؟ أم عاطفيا ككل التجارب لدى شعراء كثيرين في هذه السن؟

المحاولات الأولى لم تكن ذات طابع اجتماعي، كانت غزلاً، وكانت تدريباً على عروض الشعر، وهذا شيء غريب، فمجموعتي الأولى (أغنيات ليست للآخرين) كلها قصائد غزل.

عفواً.. في حدود علمي ان (أغنيات ليست للآخرين) صدرت عام 1955 وهي ليست المجموعة الأولى، فقد سبقتها مجموعة (القرصان) عام 1952.

بالضبط (القرصان) أسبق ولكن شاعريتي بدأت تتبلور في (أغنيات ليست للآخرين) وكل قصائدي فيها يغلب عليها طابع الغزل والحب والرومانسية الى حدٍ ما، ودون شك بدأت هذه القصائد تنبئ عن شاعر كامن فيَّ، كما ان بناء القصيدة بشكلها العمودي بدأ يتكامل لديّ.

التأثيرات، والقراءات الأولى، وهي من عناصر التكوين، ماذا تذكر منها؟

قراءاتي الأولى، والشعرية بالذات، غريبة، مثلاً محمود حسن اسماعيل كان صاحب التأثير الأعمق عليّ في هذه الفترة، وما زال، على محمود طه كنت أقرأه كثيراً ولكن تأثيره كان بدرجة أقل.

والسيَّاب.. ابن الجنوب العراقي.. أين كان موقعه منك؟

السياب كان موازياً لمحمود حسن اسماعيل من حيث المكانة عندي، وكان معجباً بعلي محمود طه، ولكن محمود حسن اسماعيل كان شيئاً آخر، خاصة في ديوان (أين المفر).

كنت أحسب، وانت ابن الجنوب العراقي، ومحمود حسن اسماعيل ابن جنوب الوادي وصعيد مصر.. ان الأثير لديك من أعماله هو ديوانه (أغاني الكوخ)؟

(أين المفر) لا انساه، أذكر الطبعة والغلاف، أسود بخط أصفر، كأن الديوان أمامي الآن، وكنت أحمله في أوراقي دائماً.

ماذا عن الشعراء الآخرين في العراق الذين سبقوك تجربة وابداعاً؟

بدر.. وبعده البياتي هما اللذان لفتا نظري آنذاك.

ومن من الشعراء العرب الكبار؟

بعد محمود حسن اسماعيل - صاحب الحظوة عندي- يأتي الياس أبو شبكة اللبناني، وأعتقد ان تأثيره العميق وغير المحسوس في الشعر العراقي كان أكثر من تأثيره على شعراء بلده لبنان، (أفاعي الفردوس) لالياس أبي شبكة ديوان عظيم، ثم يأتي الديوان الأول لبلند الحيدري (خفقة الطين) كذلك الشاعر العراقي حسين مروان له سحره الخاص عندي.

مدرسة المعلمين العليا في بغداد.. ماذا أضافت لك فترة دراستك بها؟

كان مناخاً شعرياً خالصاً، كان هناك البياتي ولميعة عباس عمارة، وكان هناك نوع من التنافس الابداعي الحقيقي، وكان أساتذتنا علماء حقيقيين أكدوا على دور المعلم في الكشف عن المبدع بين الطلاب، كان منهم عبد الرازق محيي الدين، والعلاَّمة مصطفى جواد، وآخرون ساعدونا في تلمس خطواتنا الأولى على الدرب، وكانوا يدرسون لنا جماليات النص العربي.

متى بدأت علاقتك بالسياب؟ وهل بدأت العلاقة بالبصرة؟

بدأت علاقتي بالسياب قبل ان يكتب شعراً، لقد ولدت بـ (المطيحة) ولكن بيت جدي الذي كنت اختلف اليه وأقيم فيه أحياناً في قرية اسمها (البُقيِّع) ملاصقة لـ (جيكور) قرية السياب، وكانت هناك علاقة نسب بين أسرتينا، وكنا نقطع الطريق بين (جيكور) وقريتنا مشياً على الأقدام، بحكم هذا الجوار التقيت ببدر كثيراً، كان يكبرني بثماني سنوات، وفي بداية عملي السياسي التقيت به، وكان الحزب الشيوعي العراقي قد تلقى ضربة قاصمة عام 1949، بعدها بدأ اعادة تنظيم الحزب، وكنت في الخامسة عشرة، وفي أحد الأيام تلقيت رسالة بان اتصل بشخص معين صفته كذا.. وكذا، وعندما ذهبت الى الموعد، كان بدر شاكر السياب هو المسؤول حزبياً عني، وعلى الرغم من تقلب السياب فكرياً بعد ذلك الا ان هذا الموقف ظل في ذاكرتي، وظلت صلتي به حميمة، وقد ظل هو بشكل ما وفياً لهذه العلاقة، وانا لم أدخل معه في خصام رغم تقلبات حياته حتى عام 1964 قبل ان يذهب في رحلته الأخيرة للعلاج في الكويت، كنت أزوره يومياً في مستشفى البصرة.

(الأنا) الضائعة

تظل هموم الانسان العربي، والانسان بوجه عام، وقضاياه، ومحاور الحرية والعدل والخير والجمال، وثنائية الوطن والمنفى، أهم أقانيم عالمك الشعري، عن هذه الأقانيم ماذا تقول؟

منذ البدايات الجادة، والتي تبدأ بديوان (احدى وخمسون قصيدة) الصادر عام 1959 فكرت بشيء، كنت قد انهيت فترة التجريب الأولى في المجموعتين السابقتين وجدت أمامي تاريخاً هائلاً من الشعر العربي منذ امرئ القيس حتى عبد الوهاب البياتي والسياب ومحمود حسن اسماعيل، تساءلت: ماذا بمقدوري انا ان أفعل؟؟ انا الذي دخلت الى هذا الملكوت العجيب فتى غراً يافعاً؟ قلت: الشعر الذي عرفته لم أجد فيه انساناً بسيطاً يتحرك فرداً، اذن هذا هو المدخل، اخترت زاويتي منذ البداية الجادة، ان أتناول الانسان البسيط في حركته، وهو أمر لم يكن قائماً في ميراث الشعر العربي، ومضيت في هذا الاتجاه.. والى الآن. انه البحث عن دور الفرد، لم يعرف في شعرنا العربي الا قليلاً لدى الشعراء الصعاليك وبعض الكبار كالمتنبي والمعري وابن الرومي، فغالباً ما كان صوت الفرد يذوب في جوقة القبيلة.. ولكن الانا العظيمة عند المتنبي (انا) تتضخم، انا اختار (الانا) المتواضعة للانسان الذي يمشي فوق التراب، في الشارع، لا يخطو فوق النجوم، الانسان الذي يعمل في الحقل، أو الميناء، أو المصنع، الذي ينخرط في تظاهرة من أجل رغيف خبز، هذه هي زاويتي التي حفظتني وظلت تمنحني القدرة على تجدد عطائي الشعري وأعتقد تفرده.

بين التجريب.. والتخريب

انت من أجرأ الشعراء العرب المعاصرين، وأقدرهم على الاقتحام، وريادتك في مجال تجديد القصيدة العربية لا تنكر، رغم ذلك فالموسيقى لديك موسيقى الشعر العربي المألوفة، كيف تسنى لك المواءمة بين هذه الخصائص المتباينة المكونة لعالمك الشعري؟

أؤمن ان النص الشعري نتاج سلسلة من الجهود الفنية التي ليس لمنتج النص الأخير فيها الا وضع اللمسة الأخيرة، ومن هنا تظل علاقتي بالشعر العربي غائرة الجذور، يعكس ذلك حرصي على الموسيقى سواءً كانت ايقاعاً أم موالفة صوتية، كما اني في الوقت نفسه أحرص على ان أدفع بالقيم الجمالية التي ورثتها وأحببتها لتحتل مكانها في عصر آخر فأعيش فيه، والتجريب بالنسبة لي هو حياة القصيدة، هو ديمومة المسعى الشعري، وأعتقد ان مراجعة الشاعر لتجربته من آن لآخر تجعله على دراية ووعي

بخطواته الابداعية.

على ذكر التجديد، نلمس النضج في التجربة، انها مرحلة العمل بالتدريس في (بلعباس) بالجزائر، ماذا تقول عن هذه الفترة فنياً؟

هذه الفترة الجزائرية، أو لنسمها المغربية بشكل ما، اعتبرها مرحلة التأسيس الثاني لدي، لقد أصبحت هناك مسافة بيني وبين ما يجري في العراق، وصار بامكاني ان أكون في موقف المراقب وليس المشارك أو المباشر، أصبحت بعيداً وصارت لدي فرصة للتأمل، ثم فسحة طويلة من الوقت والاستقرار الذي أفتقده حتى الآن، (استمرت الفترة ثماني سنوات) وأتاح لي هذا ان أعيد النظر في كتاباتي، وأوطد علاقتي مع الطبيعة ومع المشهد البشري، (وسنلاحظ تغيراً في الألوان والصورة والمشهد كذا في الثقافة وانعكاساتها) بدأت أهتم باللغة الفرنسية.

هل كان البعد عن العراق سبباً في سمة الحزن التي لا تخطئها عيني في شعر سعدي يوسف، أم ان الحزن سمة عامة في الشعر العراقي؟

يتضمن المنفى فكرة الالغاء، الغاء علاقة الفرد بالسماء والأرض والمجتمع، ثمة خط رأسي يصل بين السماء حيث المعبود والأرض حيث الأسلاف، في هدأة الموت الطويلة، وثمة خط أفقي ينتظم القرية أو البلدة، حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة، وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الفرد، هول المنفى هو في اقتلاع الفرد من نقطة التقاطع هذه، وزرعه في بقعة أخرى لن تكون نقطة التقاطع فيها، فلا السماء أولى، ولا الأسلاف أسلاف، ولا منازل ولا ذكرى ولا ملاعب طفولة، ماذا يبقى اذن؟ الشظف وحده والعناء والكد بغية الحفاظ على التكوين الأول، على السلالة المهددة بالانقراض على الجذر الذي يجف.

أعتقد انك كنت بعيداً عن العراق كما تقول ولكنك كنت تحمله بين جوانحك؟

الحزن في الشعر العراقي ملمح واضح وبيِّن، ولكن ما أضيفه هنا ان الشعر الشعبي غير البغدادي يتصف بالحزن كما لاحظت أما الشعر البغدادي سواءً كان أغنية ملحنة أم نصاً مقروءاً أو منشداً، فهو مرح نصاً وايقاعاً، عكس الأغنية الريفية أو الجنوبية، وأعتقد ان الاختلاف ناجم عن الفرق بين المدينة والريف، واختلاف نمط المعيشة في الموقعين، بالنسبة لي فان سعادتي الوحيدة هي كتابة الشعر.

انت في لندن وهناك شعراء عراقيون كثيرون في كل بقعة من أرض الله وتحت شمسه، هل يمكن ان نطلق على ما يكتبه سعدي يوسف وهؤلاء الشعراء (قصيدة المنفى)؟

أعتبر ما أكتبه، وما يكتبه آخرون يمرون بالظروف نفسها، في اطار الثقافة العراقية، ثم ان الشعر الذي يكتبه عراقيون خارج العراق، سواء سميناه شعر منفى أو هجرة، بعيداً عن المصطلح، كان وسيظل رافداً عميقاً وأساسياً في الشعر العراقي، منذ عبد المحسن الكاظمي الذي أقام في مصر، حتى شعر بلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري، كل في منفاه، وكان هذا الشعر حافظاً لشرف الشعر العراقي ومحرضاً أيضاً، والشعر الآن داخل العراق يستلهم هذا العناد ويستمد منه قوة، أذكر انني كنت في يوغوسلافيا ووصلتني ذات يوم دعوة لحضور المربد في العراق، واتصل بي مسؤولون من وزارة الثقافة وشكرتهم هاتفياً، وأجبتهم ان العراق بلدي ولا يدعى المرء الى بيته، واعتذرت عن عدم المشاركة.

قصيدة النثر

ما رأيك في المشهد الشعري الآن؟

الموروث عربياً عندي هو هذه اللغة العربية، أعظم لغة في العالم، وأكثر اللغات حرية في توليد الكلمات بثرائها وموسيقاها وزخمها، وهي دقيقة بشكل مذهل، وانا أهتم اهتماماً خاصاً بالقصيدة الجاهلية والأموية، فهي حقبة صفاء اللغة، فترة العلاقة المباشرة بين الشاعر وما حوله ومن حوله، لم تكن القصيدة قد تحولت الى استعارة، كانت الأشياء واضحة: الليل/ الحجر: الطلل/ الريح/ المطر.... الخ، وفي الوقت نفسه تحمل اشعاعها الذاتي، وليس المجازي، كانت أيضاً مثقلة بالرمز، هذه القيمة بالنسبة للموروث انا متشبث بها، أتعلم منها واستعملها، منطلقاً من ان الشاعر باعتباره فناناً ينبغي ان يستعمل مادة خاماً، مثل النحات والرسام والموسيقى، واللغة لا تكون مادة خاماً الا اذا عادت الى دلالاتها الأولية القريبة من الشيء لكي يصل الى التجريد، الخلل الفادح ان يستعمل الفنان الشاعر مادة مجردة، لن يصل الى شيء، ويقتل المادة الحياة، ويفقدها الارتطام المباشر مع الذات، وانا لا استعمل المصدر على الاطلاق، وأفضل عليه الفعل، فالمصدر تجريد عن الزمان والمكان، هو مطلق، وليس مادة خام.

هذا عن علاقتك بالموروث.. ماذا عن المستحدث والجديد؟

انا لا أكتمك سراً اني على اتصال وثيق بالشعر العالمي، من تهاليل الهنود الحمر، الى الشعر الياباني، والشعر الصيني القديم، والشعر الهندي والفارسي والأوروبي، انا قارئ نهم لهذا الشعر، أفهمه وأتمثله، وأصدر عن قيمه عبر ذاتي وتجربتي وقصيدتي التي تنتمي لي وانتمي اليها.

لكن علا صوت من يدعو الى القطيعة مع التراث، كما انه ناتج أيضاً من شيوع النظرة الخاطئة التي ترى ان النثر أسهل من الشعر، والنظر الى كليهما بسطحية وسذاجة.

أضف الى ذلك كله ضعف التكوين اللغوي والثقافي، وعدم تمثل التراث العربي والانساني، كما ان الكثيرين ممن يمارسون كتابة قصيدة النثر يتخذ له مرجعية معينة، هذه المرجعية تتمثل في الترجمة الركيكة وغير الأمينة للقصيدة الأوروبية في لحظة انحدارها الى اللغة العربية، هذه مرجعية هشة، مرجعية من هذا النوع ستكون عاقبتها وخيمة على الابداع ومؤذية للنص.

كيف ترى مفهوم الحداثة؟

الحداثة ليست شكلاً، انها روح وانعكاس لتجربة انسانية متطورة قلباً وقالباً، وأعتقد ان هناك فارقاً بين من رعى شجرة وغرسها بذرةً صغيرة، حتى استوت جذوراً فأغصاناً فثماراً، بدأ يجني منها الطيب والجميل من الثمر، وبين من تسلق سوراً ليقذف هذه الشجرة بالحجارة مسقطاً بعض الثمار التي ليست من حقه، هذه حالنا مع بعض ابداعات الفكر الغربي التي تبهرنا ونحاول ان نسقط ثمارها في ابداع استهلاكي مستهجن غير أصيل.

خلق وإبداع

لك تجربة ثرية في حقل الترجمة، فهل تقصد بالترجمة (اللغة) أم (المعنى)؟

على سبيل المثال سأتحدث عن تجربتي في ترجمة (أوراق العشب) للشاعر الأميركي (وولت ويتمان) أوراق العشب قصيدة نثرية طويلة، وانا بصفة عامة أميل بشدة الى الأمانة التامة في التعامل مع النص الأصلي، بحيث يمكن ان نضع كلمة في مقابل كلمة في أكثر الأحيان، ولكني في الوقت نفسه أحترم لغتي العربية وامكاناتها، وأحترم نظام تلقي القارئ العربي وذوقه، ولو أبقيت النص الأصلي في (أوراق العشب) على حاله لكان مجلبة للضحك والسخرية، من هنا سمحت لنفسي ان أضفي على النص درجة من سمو اللغة، مع المحافظة على النص نفسه، هذا الشيء من البريق، في رأيي، جعل (ويتمان) يقرأ عربياً، الشيء المعاكس فعلته في ترجمتي لكفافيس.

هذا هو سعدي يوسف، لم يكن بحاجة للنظر الى بللورة سحرية ليرصد تحولات الأمة عن ماضيها حتى القريب منه مستشرفاً منذ العام الحادي والسبعين من القرن الماضي ما سوف يأتي وكأنه كان حاضراً بين يديه.

هو سعدي يوسف الذي يقول في أسى بالغ في قصيدته البحث عن خان أيوب:

مضي زمن كانت البندقية فيه التفرد والحل

انَا على رقعة لا تهاجر فيها الخيول

معي زمن كانت المدن العربية فيه ثغورا

لقد جاءنا زمن المدن المعرفية..

.. وباق حتى زمن!!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف