جريدة الجرائد

الحكي المصفصف

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الجمعة, 12 يونيو 2009

الحكي المصفصف

محمد اليامي


تقول الجدات والأمهات في دراستهن النقدية الموسومة بـ "نقد ما قبل النقد" عن أي محاولة رجالية لـ"الدحلسه" او تبرير المواقف وفي مقدمها الزواج عليها، يقلن عبارة "حكي مصفصف" ولمن نسوا اللهجة السعودية من كثرة سفرهم الى بيروت وكثرة كتابتهم عن سفرهم اليها، فالعبارة تعني الكلام المنمق غير ذي الفائدة الذي يصفه ابن الشمال عادة بقوله: "هرج ماله ثمره".

بلا مبالغة نشر منذ إلقاء الرئيس الأميركي خطابه في القاهرة أكثر من 100 مقال في الصحافة السعودية جميعها تحاول قراءة الخطاب من زاوية مختلفة، على رغم ان الرجل حدد زوايا ثلاث او اربع أساسية في خطابه، وكأننا لا نفقه في اللغة العربية التي نشرت الكلمة بها شيئاً، بل وكأننا نسمع خطاباً ممتازاً للمرة الأولى في حياتنا. اكثر من 100 مقال تعليقاً على خطبة واحدة، وأتساءل ماذا لو لم تكن خطبة، ماذا لو كانت قراراً استراتيجياً برفع الدعم عن اسرائيل، او بإنصاف أهل العراق، او بتغيير سياسات التجارة الحرة التي اضرت ببعض الاقتصادات النامية وتسببت في انهيار بعضها، فكم سيكون عدد المقالات، وكيف سيكون محتواها؟

نظرية المؤامرة تقول إن الأميركيين ينزعون آخر الأسلحة القوية لدى العرب... الخطابة، فباعتراف 100 عمود صحافي ثلاثة أرباعها "مصفصفة" فان خطابه بزّ الأوائل والأواخر، ولولا خشية تهمة الحداثة لخرجوا علينا بقراءة "تفكيكية" لنص الكلمة، وأعقبوها بنظريات رولان بارت في ملء الفراغات المعنوية التي يتركها المبدع عن طريق القارئ الذي سيكون هنا المستمع، وبدأوا في تشريح بنية النص، بينما السياسات الأميركية الاقتصادية تسببت في تسريح ملايين الموظفين حول العالم من اعمالهم.

الرئيس ألقى كلمة سياسية، وبالتأكيد هي جيدة، لكنها ليست نصاً لملء فراغات الزوايا الصحافية، وليست حلقة نقدية في أحد الأندية الأدبية، كما أن كثرة امتداحها واسقاط الرؤى الشخصية عليها قد يخلق إحساساً ان هناك حملة منظمة للدفاع عنها، او تحسين صورتها، او مضامينها. نحن جميعاً "نصفصف" الحكي، في الشرق والغرب، لكن في الشرق يتم ذلك للتنميق والتنفيس، وفي الغرب يتم صفه ليكون عبارة عن أجندة عمل يتم تطبيقها، هذا هو الفرق بين الخطابة، وبين الكلمة السياسية فيما أظن. وعوداً على الجدات والأمهات "الله لا يخلينا" فاتساءل لماذا لم تستفد المدارس النقدية السعودية من تعابيرهن الصريحة والمفيدة ابان معارك التناص والماورائيات و "الماقداميات"، وهذه الأخيرة احتفظ بحقوقها كمصطلح جديد سأطلقه على الكتابة المضادة "للصفصفة".


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف