جريدة الجرائد

معادلات سوريّة ـ عراقيّة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حازم صاغية

ليس غريباً أن تسوء العلاقة السوريّة - العراقيّة، وهو ما لا يستغربه إلاّ الذين استعاضوا عن المعرفة بالإيديولوجيا التوحيديّة، القوميّة والإسلاميّة. فبقياس "الأخوّة" و "وحدة الأمّة" و "المصير الواحد"، لا يُفهم الخلاف. أمّا بحساب الواقع والتاريخ، فليس في ماضي العلاقة بين البلدين إلاّ الفائض منه. أكثر من هذا، غالباً ما رأينا كلاًّ من السلطتين تقوّي موقعها، وتصلّب ذاتها، عبر النزاع مع السلطة الأخرى.

وهذا ليس ابن اليوم ولا ابن البارحة. فالمولعون بالتاريخ، من غير تمييز في حقبه ومعانيها، يضعون البيزنطيّة والأمويّة فAي مقابل الفارسيّة والعبّاسيّة. أمّا الذين يقصرون نظرهم على الزمن الحديث، فيسعهم الرجوع إلى نشأة البلدين في شكليهما الراهنين: ذاك أن الفرنسيّين تولّوا أمر سوريّة الجمهوريّة، والبريطانيّين أمر العراق الملكيّ. وكان النزاع على هويّة مدينة الموصل في الشمال، أهي سوريّة ضمن النفوذ الفرنسيّ أم عراقيّة ضمن النفوذ البريطانيّ، محطّة يتكثّف عندها التباين. حتّى العروبيّون في البلدين صاغوا تأويلاً سوريّاً للعروبة وتأويلاً عراقيّاً لها: فالعروبيّة السوريّة ولدت في سياق النزاع مع العثمانيّين، وعنت فعليّاً وضع لبنان وفلسطين والأردن تحت جناحيها، مسمّيةً ذلك "وحدة". أمّا العروبيّة العراقيّة فعداؤها يتّجه أساساً إلى إيران، كما إلى الأقليّات غير العربيّة، لا سيّما منها الأكراد. وحين كان العراق الهاشميّ يجهد في منافسة مصر على الزعامة العربيّّة، كانت سوريّة الطرف الذي يغلّب الكفّة المصريّة عليه، دافعة بغداد إلى التعويض بعلاقات متينة مع تركيا وإيران، كما مع بلدان المشرق الصغرى الخائفة من سوريّة، كلبنان، فضلاً عن الأردن، الهاشميّ بدوره. أمّا عندما صار العراق جمهوريّاً، في 14 تمّوز (يوليو) 1958، فكانت دمشق مخلب القطّ المصري في ما عُرف بصراع الجمهوريّتين "العربيّة المتّحدة" والعراقيّة، أو جمال عبدالناصر في مقابل عبدالكريم قاسم. ومنذ حركة عبدالوهاب الشوّاف، المدعومة من القاهرة ودمشق، عام 1959، سال في العراق دم غزير حمّلت بغداد مسؤوليّته إلى العاصمتين "الشقيقتين"، وحمّلته الأخيرتان لها. وفي 1963 بدا أن هذا القانون كفّ عن الاشتغال، إذ استولى بعث واحد على سلطتي البلدين. بيد أن البعث الواحد صار، منذ شباط (فبراير) 1966، بعثين، واحداً سوريّاً وآخر عراقيّاً. وبين هذين البعثين رقصت المؤامرات والتفجيرات رقصات موسّعة واكبها كمّ غير مسبوق من التشهير والتخوين. فاتّهم السوريّون العراقيّين بالتآمر عليهم والإعداد لانقلاب ينفّذه الجنود الذين جاؤوا لدعم سوريّة في "حرب تشرين" 1973، واتّهم العراقيّون السوريّين بأنّهم لم يكونوا جدّيّين في الحرب مع إسرائيل.

وفقط في 1979، ولأشهر عدّة، اصطفّت العاصمتان في موقع واحد لمناهضة أنور السادات. وعندما ابتدأت الحرب العراقيّة - الإيرانيّة وقفت دمشق في صفّ طهران، ثمّ حين غزا صدّام الكويت اندرجت سوريّة، لمفاجأة الجميع، في تحالف دوليّ برئاسة الولايات المتّحدة، لتحرير الكويت. وفي الموازاة كانت العبوات والتفجيرات التي امتدّ بعضها إلى "الساحة اللبنانيّّة"، تكتب باقي القصّة السوداء. وإذ سقط صدّام على أيدي الأميركيّين، اتُّهمت دمشق بأنّها وراء تسلّل الإرهابيّين والقتلة في العراق.

وما هو أكثر بؤساً من سواه أنّ ما عطّل هذه العلاقة التبادليّة ليس تغييراً في الذهنيّة، بل الضمور الذي أصاب السلطة المركزيّة في العراق مقابل التوسّع والتمكين اللذين تعيشهما السلطة المركزيّة في سوريّة. لهذا يضعنا تاريخ المشرق، بعصبيّاته ودمويّته وانتفاخه بالخطابة "الأخويّة"، أمام احتمالين أحلاهما مُرّ: إمّا أن ينحلّ النزاع ويبقى العراق بلا سلطة، أو أن تنشأ سلطة في العراق تنهي مرحلة العراق - الضحيّة الحاليّة، وعندها يتجدّد النزاع ويتفاقم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
خطأ تاريخي
قدموسي -

إلى الأستاذ صاغية نرجو منك مراجعة التاريخ جيدالأن الدول مثل سورية ولبنان وفلسطين والأردن كانت تسمى بلاد الشام ولم يكون قد فصلهم الأستتعمار وليست سورية تقودهم ضد العثمانيينبعدين يا أخي أنا حاسس أنو سورية دولة عظمى لحتى عم تلعب بهالدول المسكينة متل مصر والعراق ولبنان ومابيسلم الأردن منها الظاهر أنو سورية وببعض الحنكة السياسية قادرة إنها تسير هالدول وتمشيها لمصلحتهاوذلك لعدم وجود سياسيين أكفاء في هذه الدول فحاولو تغيير سياسيين هذه البلدان عسى أن نرى ندية في التعاون والتأخي بين الأشقاء العرب وشكرا

خطأ تاريخي
قدموسي -

repeated comment

قدموسي
طرطوسي -

اولا شكر للاستاذ على مقاله الذي اختصر الجاري بشكل بسيط واضح ورائع.أما قدموسي فقد فهم المقال بالعكس. ان اسرائيل هي الدولة العظمى في المنطقة ياقدموسي.