نحو «تابلاين» خليجي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
سعيد حارب
تقوم إسرائيل بضربات جوية على مواقع المنشآت النووية الإيرانية، يساندها في ذلك القوات الأميركية الموجودة في المنطقة، وتقوم إيران بالرد على العدوان بضربات مماثلة، وبخطوات أخرى، من بينها إغلاق مضيق هرمز حتى تحرم الدول الغربية من تدفقات النفط.
ما الذي سيحل بالمنطقة والعالم إذا ما وقع هذا السيناريو؟! فقد حدث شيء من ذلك في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، فيما سمي بحرب الناقلات، حيث تم استُهداف ناقلات النفط من كلا الطرفين لإجبار الخصم على وقف إطلاق النار. وقد اضطرت بعض دول المنطقة إلى تسليح الناقلات، أو رفع أعلام دول أخرى لحمايتها من الاستهداف. فماذا لو تكرر مثل هذا السيناريو مرة أخرى، أو ما هو أسوأ منه؟.. ستتحول المنطقة إلى ساحة للمعركة بين الطرفين.. هذا على المستوى العسكري.
لكن ماذا عن الوضع الاقتصادي للمنطقة حين يتوقف النفط عن التدفق؟ وكيف سيكون حال دول الخليج؟ وما الحل لو تحقق هذا السيناريو الكارثي؟ وهل لدينا بديل عن مضيق هرمز لشحن النفط؟
أعتقد أن الوقت قد حان للتفكير في بدائل عن هذا المخرج الوحيد لأهم صادرات دول المنطقة، وأهم مصدر للطاقة على المستوى العالمي، حيث يمر في مضيق هرمز 60 في المئة من نفط العالم.. وليست تهديدات الحرب وحدها هي السبب الرئيس للبحث عن بدائل، بل هناك أسباب أخرى لنقل النفط بعيدا عن الخليج ذي المساحة الضيقة.. ولعل التلوث الهائل الذي أصاب مياه الخليج، وأدى إلى انقراض العشرات من الأحياء المائية والطيور سببا آخر للبحث عن بديل.
لقد أسهمت الحروب التي شهدتها المنطقة في رفع نسبة هذا التلوث. ففي أثناء احتلال القوات العراقية للكويت تم تدمير المنشآت النفطية، ما أدى إلى تلوث مياه الخليج بـ 910 ملايين لتر تقريبا من النفط.. بالإضافة لغرق 80 سفينة في أثناء الحرب كان كثير منها يحمل نفطا، أو مواد كيماوية.. لكن الحرب ليست وحدها سبب التلوث، فالخليج يشهد يوميا دخول العشرات من ناقلات النفط التي تقذف بشحنتها من المياه الملوثة في مياه الخليج، الذي يعد من البحار شبه المغلقة، ما يؤدي إلى تلوث مياه الخليج بمخلفات النفط، حيث تتسبب ناقلات النفط بـ 45.5% من التلوث في الخليج، بينما تسبب الخزانات ومنصات الإنتاج 45.3% من ذلك كما يذكر ذلك د.عبدالعزيز السويلم، أستاذ البيئة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
ويتلوث الخليج بـ 47 ضعفا عن المستوى العالمي لتلوث البحار، ما ينبئ بأن الخليج مقبل على كارثة بيئية قد تجعل منه بحرا ميتا!! فما الحل؟ لا شك أن الحل لا يمكن أن يأتي من دولة منفردة، بل لا بد من جهود مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي، لإنشاء خط أنابيب مشترك لنقل النفط خارج الخليج لتأمين تدفقات النفط ولحماية الخليج من التلوث. وهناك نماذج سابقة لهذا المشروع مثل خط "التابلاين" الذي أنشئ العام 1948 بطول 1600 كيلومتر لنقل النفط السعودي إلى ميناء صيدا اللبناني، وخط النفط العراقي الذي يبلغ طوله 600 كيلومتر، ويمتد من منابع النفط في كركوك ليصب في ميناء جيهان التركي، ويمكن للمشروع المقترح أن يحمل اسم "خط التعاون الخليجي"، ويمتد من منابع النفط في دول مجلس التعاون الخليجي، ليصب في إحدى المدن الخليجية، وربما تكون مدينة الفجيرة الإماراتية، أو صلالة العمانية، أو ينبع السعودية، أو عدن اليمنية.. إحدى هذه المدن التي تقع خارج مياه الخليج، وتمتد المياه فيها إلى مساحات واسعة ومفتوحة في خليج عمان، أو بحر العرب اللذين يتصلان بالمحيط الهندي، أو البحر الأحمر الذي يربط بين بحرين واسعين.
إن وجود هذا الخط لن يخدم مسألة نقل النفط، أو تخفيض نسبة التلوث فقط، بل ستكون له آثار اقتصادية كبيرة، إذ إن ذلك سيؤدي إلى تقصير مدة وصول ناقلات النفط إلى الموانئ داخل الخليج، وتوفير تكلفة النقل، كما أنه سيوجد تنمية واسعة في المدن، أو المناطق التي ستكون موانئ لتصدير النفط، ويمكن إنشاء خدمات مساندة لعمليات الشحن، وإنشاء صناعات بتروكيماوية، ما سيوجد فرص عمل واسعة لأبناء المنطقة.
إن إنشاء هذا المشروع سيدفع بالمنطقة إلى خطوات متقدمة، وسيؤدي إلى استقرار اقتصادي يسهم في التنمية الإقليمية. كما أنه سينقل مشروعات المجلس من القرارات والتوصيات إلى العمل الجاد الذي يربط دول المنطقة في مصلحة اقتصادية مشتركة، لكن مثل هذا المشروع يحتاج إلى إرادة ورغبة من دول مجلس التعاون الخليجي بعيدا عن الخلافات السياسية، أو المصالح المحلية، وتغليب مصلحة الجميع على مصلحة الدولة الواحدة.
ولعل تحويل مشروع خط نقل النفط إلى مشروع مشترك تقوم به شركة استثمارية تسهم فيها الحكومات والقطاع الخاص يضمن له البعد عن المعوقات الإدارية والسياسية. وإذا كانت دول المجلس قد قطعت شوطا في مشروع القطار الخليجي، فإن مشروع خط النفط لا يقل أهمية عن ذلك، بل ربما كان أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية