جريدة الجرائد

هل الإصلاح الديني مطلب عربي؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


السيد ولد أباه


في البحرين مبادرة حكومية طموح للإصلاح الديني في مواجهة الطائفية والتطرف... في المملكة العربية السعودية تنظيم جديد لمؤسسة الإفتاء يحصر الفتوى في هيئة كبار العلماء لضبط الحقل الديني... في مصر ندوة للهيئة العامة للكتاب لمناقشة موضوع الإصلاح الديني وحاجة المجتمع المصري إليه.

تلك مؤشرات من بين أخرى كثيرة على وعي متزايد بأهمية ومحورية مطلب الإصلاح الديني لدى الحكومات والنخب الفكرية والسياسية، وإن تعددت وتباينت الخلفيات والمواقف.

والواقع أن عبارة "الإصلاح الديني" مقولة ملتبسة تحجب رهانات واستراتيجيات متضاربة ومتنوعة. فبالنسبة للفاعلين السياسيين تعني عادة محاربة المجموعات المتطرفة والتحكم في الحقل الديني المنفلت في العالم السُُُني الذي انهارت فيه المؤسسة التقليدية وغدت تهيمن عليه تيارات الإسلام السياسي والاتجاهات السلفية الجديدة.

بيد أن الإشكال المطروح على الجهات الرسمية المعنية بتدبير الشأن الديني هو، ما هي مرجعية وسقف الإصلاح الديني المنشود؟ هل يتعين إحياء مؤسسات الإسلام التقليدي في مكوناته المذهبية فقهاً والطرقية تصوفاً وشبكاته الأهلية من قضاء وأوقاف... أم يتعين السعي لتحديث المؤسسات الدينية وتجديد مسالك اشتغالها وطرق عملها؟

من الواضح أن الحكومات العربية تتأرجح إجمالاً بين الخيارين دون حسم جذري في الغالب، وتميل أحياناً إلى بعث الإسلام التقليدي وإحياء مؤسساته، ملتمسة قيم الطاعة لولي الأمر وعقيدة الفصل بين دائرة الحكم ودائرة الشرع في مواجهة التيارات الاحتجاجية الانقلابية ونزعتها الشمولية (القول بان الإسلام دين ودولة).

إلا أن محاولات إحياء الإسلام التقليدي اصطدمت بعوائق جمة ناتجة عن انهيار قاعدته المؤسسية وبنياته الاجتماعية والثقافية، بحيث لم يعد بإمكانه احتكار الشرعية والمرجعية في سياقات تسمها التعددية والاختلاف.

وقد تميل بعض أنظمة الحكم في سياق مشروعها التحديثي إلى محاولة تحديث الحقل الديني بتقويض مؤسساته التقليدية ودمجها في النسق العمومي كإحدى آليات الدولة الشمولية المركزية وبالعمل على مراجعة الأنساق الفقهية والتربوية (كما كان الشأن في تونس مثلا أيام الرئيس السابق بورقيبة). إلا أن هذا الخيار قد يفضي إلى تشجيع بروز الاتجاهات الانكفائية الأرثوذكسية التي وإن كانت ردة فعل على هذه السياسات الإصلاحية إلا أنها في الآن نفسه حركات حداثية ملتبسة تنسجم كل الانسجام مع منطق انهيار المؤسسة الدينية التقليدية، وما أفضى إليه من كسر المرجعية الأحادية للشرعية الدينية.

وأما النخب الفكرية فتنقسم إجمالًا في طرحها للإصلاح الديني إلى اتجاهين كبيرين:

- اتجاه أول يصدر في مقاربته للإصلاح من المرجعية التراثية، مستلهماً الأثر الشائع "أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها". والمعروف أن هذا النص شكل دوماً خلفية لكل الحركات الإصلاحية الإسلامية قديماً وحديثاً.

إلا أن الإصلاح المقصود هنا هو دفع باب الاجتهاد في المسائل العقدية والفقهية من منظور المدونة الكلامية والأصولية الكلاسيكية. وبالنسبة للمجموعات السلفية والتيارات الإسلامية الجديدة، يتم الإصلاح بغربلة ومراجعة المنظومة التراثية دون الخروج عن سقفها التأويلي، مع النكوص غالباً عن هذا السقف في كثير من المسائل التي ذهب فيها الأقدمون مذاهب تتجاوز في انفتاحها ومرونتها الأطروحات الإسلامية الحالية. ومن مؤشرات ذلك رفض علوم المعقول الكلاسيكية من كلام وفلسفة (باسم التصور الإسلامي المنقى من شوائب الرافد المستورد) ومحاربة التصوف بذريعة انغلاقه في الباطنية والفردية وميله المزعوم للابتداع والخروج عن ظاهر الشرع.

فما نشهده بوضوح هو قيام نزعات دينية جديدة، تستند لخلفية تراثية وإن كانت تخرج عن السياج الإسلامي الكلاسيكي، إن أظهرت حرصها على القطيعة مع أفق الحداثة (باعتبارها غزواً ثقافياً مستورداً) إلا أنها تظل ضحية "مكر العقل الحديث" بنزوعها إلى إضفاء مسحة دينية على قيم تنويرية وحداثية تتنزعها من سياقها التاريخي (كالحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ورفع شعار اشتراكية الإسلام في حقبة طغيان اليسار وليبراليته في أيامنا...).

فالمأزق الذي تعاني منه متولد من الصدور عن مقاربة تأويلية فقيرة للنص الديني بمصادرة تعارضه عقدياً ومعرفياً مع التراث الإنساني، الذي هو سياق تنزله واستيعابه.

- اتجاه آخر ينظر للإصلاح من منظور تجاوز المنظومة التراثية الكلاسيكية عبر مسلكين رئيسيين:

أولهما: اعتماد النموذج اليهودي- المسيحي للإصلاح الديني، الذي قاد إلى عصور التنوير والتحديث الأوروبية بما يقتضيه من ثمن هو رفع القداسة عن النص المؤسس وتثبيت النظم العلمانية في إدارة الشأن الديني (مشروع أركون وأبو زيد..).

ثانيهما: تحاشي الجوانب العقدية واللاهوتية واستثمار الوعود المقاصدية في الشرع، تأسيساً لإسلام حديث متصالح مع قيم العصر، يحافظ على روح الرسالة دون التقيد بأحكام المعاملات والتشريع المتصلة بالمجال العمومي.

ولا يعني هذا التوجه العلمنة، وإنما التدبير العقلاني للشأن الاجتماعي والسياسي ضمن نسق الشرعية الإسلامية بمفهومه الأوسع (الجابري، محمد الطالبي ...).

أما المسلك الأول فلم يؤد إلى نتائج ملموسة، بل اصطدم كما يقول المفكر المغربي "عبد الله العروي" بكون الإسلام نفسه كان حركة إصلاحية داخل التقليد الكتابي التوحيدي. فمفهوم الإصلاح لا معنى له إلا في مقابل أرثوذوكسية قائمة ومستقرة، في حين أن تاريخ الفكر الإسلامي يبين هشاشة هذه الأرثوذكسية واختراقها الدائم بالمراجعات الإصلاحية المتكررة، ولو بطريقة غير واعية وملتبسة غالباً.

أما المسلك الثاني فقد طبعته الذرائعية المشطة التي تتوهم حل الإشكاليات العقدية والمعرفية المرتبطة بمسألة الإصلاح الديني باختزالها في المواقف الأيديولوجية الآنية، التي تنحصر في البحث عن مشروعية إسلامية لخطاب تنويري وتحديثي تقليدي.

قد تبدو النتيجة التي خلصنا إليها قاتمة يائسة، لكن لا بد من التنويه بأن محاولات الإصلاح الديني الحقيقية هي التي تتم حاليا خارج سردية الإصلاح وشعاريتها الطاغية لدى بعض الوجوه الفلسفية المسلمة التي تباشر تناول هذا الموضوع المحوري عبر صياغات نظرية محكمة بعيداً عن السجال الأيديولوجي.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف