جريدة الجرائد

أميركا تتراجع... فكيف نستفيد؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله خليفة الشايجي

في يوم 6 سبتمبر الماضي كتبتُ في هذه الزاوية عن "مقامرات أميركا المتراجعة" واليوم أضيف المزيد من التفاصيل. لقد صُبغت الاستراتيجية الأميركية ومعها السياسة الخارجية خلال العقد الماضي، وخاصة منذ حقبة ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر، بمقولات محاربة الإرهاب والتصدي للدول المعادية والمارقة مما ساهم بشكل كبير في إحداث تغيير جذري على الاستراتيجية الأميركية الكبرى على المستوى الدولي. وقد دفعت تلك التطورات غير المتوقعة الولايات المتحدة إلى التحول عن استراتيجيتها العالمية التي نجحت أصلاً في احتواء الخصوم على المسرح الدولي خلال الحرب الباردة، لتنغمس في شأن إقليمي صرف ضمن مخاضات محاربة الإرهاب في منطقة محددة ممتدة من شرق المتوسط إلى جبال وزيرستان في باكستان وأفغانستان. وما زالت واشنطن منغمسة في خوض غمار ثلاث جبهات متزامنة في أفغانستان، والعراق، والحرب على الإرهاب، بالإضافة إلى مواجهات جانبية أخرى متعددة وممتدة من أفغانستان إلى القرن الأفريقي، مروراً بإيران واليمن والصومال.

وكما سبقت الإشارة فإن هذا الاهتمام الأميركي بمحاربة الإرهاب دفع، وبشكل متصاعد، إلى إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية الكبرى، وتغيير تركيزها من بعدها العالمي إلى البعد الإقليمي، مما أدى إلى إغفال مناطق وقضايا مهمة، وسمح لخصوم ومنافسي أميركا على المستوى الدولي -مثل روسيا والصين، والخصوم الإقليميين -مثل كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وبعض دول أميركا اللاتينية، باستغلال الموقف، لتعميق جراح أميركا، الغائصة في شؤون منطقة محددة.
ومع مرور الذكرى الثانية للأزمة المالية العالمية تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة أيضاً، وقد ساهم ذلك في إعادة النظر في أولوياتها، فتم خفض مخصصات وزارة الدفاع، وجمدت مشاريع مهمة لتطوير أنظمة صاروخية وطائرات وأنظمة لسلاح البحرية. ومن المعروف في أوقات الكساد الاقتصادي أن اهتمام السياسيين والمواطنين القلقين على مستقبلهم وأمنهم الوظيفي والمعيشي يكون عادة منصبّاً على الشأن الداخلي دون غيره. وزيادة على هذا فإن هذه سنة انتخابات، ومفهومٌ أن يتم العمل على زيادة المشاريع ذات الشعبية المرتبطة بالشأن المعيشي والرفاهية الاجتماعية، وهذا ما يحدث اليوم بالضبط في أميركا.

وقد حذر أوباما من أنه "لم يحدث في تاريخ البشرية أن نجحت أمة بقدرات اقتصادية متراجعة في أن تحافظ على تفوقها العسكري والسياسي". وتأكيداً لتلك الحقيقة ربما تتعين الإشارة أيضاً إلى ما ورد مؤخراً في كتاب مايكل مندلباوم "الدولة العظمى البخيلة: قيادة أميركا لنظام عالمي يعاني ضائقة مالية"، وفيه تحذير من أن "أميركا ضعيفة تعني عالماً في خطر". ويناقش الكتاب التكلفة المالية الكبيرة لالتزامات أميركا الداخلية، وحروبها الخارجية، التي تجعل الدولة العظمى تبدو كما لو كانت محاصرة. ويرى أن مخرج أميركا الوحيد هو في زيادة الضرائب وتقليص المخصصات المالية للخدمات. وإذا ما حصل ذلك فسيؤدي إلى امتعاض شعبي وتراجع التأييد للسياسات الأميركية الخارجية، مما سيقود تاليّاً إلى تراجع الدور الخارجي المكلف. وهذا سيؤثر بدوره على الاستراتيجية الأميركية الكبرى، وخاصة بالنسبة إلى الالتزامات تجاه العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب. وكل ذلك سيربك السياسات ويدفع صناع القرار في واشنطن إلى تغيير المسار الاستراتيجي باتجاهات جديدة.

ويذهب باحثون استراتيجيون أميركيون، وخاصة جورج فريدمان، إلى أن تحول اهتمام وأولويات الاستراتيجية الأميركية من الرؤية العالمية إلى الإقليمية المقتصرة على المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى شرق المتوسط، يترك فراغاً استراتيجيّاً كبيراً في مناطق مهمة حول العالم.

ولاشك أن هذه وقائع مهمة علينا في المنطقة قراءتها وفهمها، لكي نكون لأنفسنا قراءة خاصة لتداعيات هذا التراجع الأميركي، بغية توظيفه لمصلحتنا كما يفعل العديد من الدول وغير الدول من حلفاء وخصوم واشنطن، على حد سواء. والراهن أن تغير المزاج الأميركي وانكماش القدرات والموارد والدعم الشعبي للالتزامات الخارجية، سيؤديان إلى تغيرات جذرية على المستوى الإقليمي والدولي، وعلينا استيعاب تلك المتغيرات والاستفادة منها، حتى لا تبقى العلاقة مع واشنطن -التي بقيت على الدوام تميل لصالحها- قدراً لا يمكن تغييره.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
الواقع
مواطن سعودى 110 -

يسرنا ان تضعف ليضعف الصهاينة.وليفيق الشعب الأمريكى من سباته لما تقوم به حكومتهم من تصرفات لاتتناسب مع الديمقراطية وحقوق الأنسان التى يقولون بها فى بلادهم.