مفاعل بوشهر: التسرب رقم 1 في «صانعة الأرامل»
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
ظافر محمد العجمي
في عام 1961 وفي ذروة الحرب الباردة، قاد الكابتن أليكسي فوستريكوف (Alexei Vostrikov) إلى شمال الأطلسي قرب السواحل الأميركية الشرقية، أول غواصة نووية سوفييتية قادرة على حمل صواريخ بالستية. وقد سميت "k-19" أو صانعة الأرامل "The Widow maker" كما لقبت قبل إبحارها، فقد قتل طبيب الغواصة في حادث غامض، وخنقت غازات اللحام والحوادث الكثير من عمال بنائها، بل إن زجاجة شمبانيا تدشينها لم تنكسر، منذرة بمستقبل مشؤوم. وبعد مناورات قاسية تعرض المفاعل من نوع "VM-A" لخلل أدى إلى تسرب نووي يتطلب إصلاحه الدخول ولحام أنبوب التبريد في حجرة ملوثة. ولسوء عمليات الإمداد والتموين في البحرية السوفييتية كانت "صانعة الأرامل" قد أبحرت دون التزود بالبدلات الواقية من الإشعاع، وكان المتوفر بدلات الحرب الكيماوية التي لم تكن إلا واقيات من المطر مع كمامات بدائية. كان الكابتن فوستريكوف أمام خيارين: أولهما الغوص على عمق كبير للقيام بالتصليحات رغم أن الكلفة كانت تعني فقدان 3 رجال كل 10 دقائق. أو طلب المساعدة من قاعدة عسكرية قريبة لحلف الناتو، أو المدمرة الأميركية التي كانت تراقبهم. ومما منع فوستريكوف من طلب المساعدة الغربية، أخذ بحارته أسرى حرب، أو انفجار الغواصة في قاعدة حلف الأطلسي مما يدفع واشنطن لضرب الاتحاد السوفييتي بالقنابل النووية في رد انتقامي، ظنا منها أن موسكو قد افتتحت الحرب العالمية الثالثة. وقد نجح فوستريكوف -وهو المستعد للتضحية بغواصته وطاقمه من أجل الاتحاد السوفييتي- في إصلاح التسرب أول مرة، لكنه كان مكابرا ولم يطلب المساعدة في الوقت المناسب مما أدى لعودة التسرب النووي مرة أخرى وقتل الكثير من رجال الغواصة المساكين.
لقد كنت أشاهد أحداث فيلم "صانعة الأرامل" مشدودا إلى أداء الممثل هاريسون فورد "Harrison Ford" في دور فوستريكوف ليقطع استمتاعي خبر عن أن تسربا طفيفا في حوض قريب من مفاعل بوشهر النووي سيؤخر تشغيله، كما نقلت "وكالة الأنباء الإيرانية" عن رئيس البرنامج النووي الإيراني علي أكبر صالحي قوله: إنه خلال عملية التنظيف، اكتشف وجود تسرب طفيف في حوض قريب من المفاعل وتم وقفه، وإن التسرب قد أخر العمل لبضعة أيام.
لقد كان هناك الكثير من المؤشرات الدالة على أن الأمور لا تجري على ما يرام في بوشهر التي لا تبعد عنا إلا 250 كيلومترا فقط. فقد ذكرت مصادر رسمية إيرانية أن الفيروس المعلوماتي ستاكسنت "Stuxnet" قد تمكن من التسلل إلى الآلاف من أجهزة الكمبيوتر رغم نفي تعرض بوشهر لهجوم معلوماتي، لكنهم أقروا بأن الفيروس أصاب أجهزة شخصية لموظفين في المحطة، وأن التأخير كما قال صالحي لا علاقة له بالفيروس. فهل نصدق صالحي أم أن الحكومات الغربية وإسرائيل -التي تعتبر أن التخريب أحد سبل إبطاء نشاط إيران النووي- قد بدأت بشن الحرب على بوشهر؟
لقد كثرت التناقضات في تصريحات صالحي حين قال: إن بدء إنتاج الكهرباء سيتأخر ليكون في يناير من العام القادم بدل أكتوبر الحالي، وقد سبق ذلك تصريح لصالحي في 31 أغسطس عن أن التأخير ناجم عن حرارة الجو المرتفعة في بوشهر التي اضطرت العمال خلالها للعمل ليلا.
وهنا نتوقف للإشارة إلى أن مفاعل بوشهر بدأت بتشييده شركة "سيمنز" الألمانية في العقد السابع من القرن الماضي، وأكملته روسيا بعد توقف دام أكثر من ثلاثة عقود، بتكلفة لا تصل إلى نصف تكلفة المفاعلات النووية المماثلة له في الغرب. مما يجعلنا نتوجس من صدق وجود الفيروس المعلوماتي ستاكسنت "Stuxnet" أصلا، وهل هو السبب الحقيقي؟
هذا على الجانب الإيراني، أما على الجانب الخليجي فنتساءل: أين دور الجهة المعنية بالرصد الإشعاعي والإنذار المبكر؟ فبناء على حديث سابق للأخ مدير إدارة البيئة والتنمية الحضرية في "معهد الكويت للأبحاث العلمية" د.ضاري العجمي، كان قد تم وضع إطار لخطط مواجهة الطوارئ الإشعاعية والنووية المحتملة في دول مجلس التعاون، مع اقتراح المستويات المرجعية الإشعاعية الاسترشادية مثل: الجرعة، الأغذية، المياه، ووضع الأطر لتعليمات الحماية من الإشعاع، فهل هناك من سيقوم ببث الطمأنينة في نفوسنا قريبا؟
لقد تقمص أكبر صالحي في مخيلتي دور فوستريكوف وهو (صارم القسمات يكاد فمه أن يشبه أثر الجرح الغائر في ذقنه) كما كتب أحدهم. وازداد الشبه وهو يقول: إن "قلب المفاعل يعمل بصورة جيدة جدا". فهل ينوي صالحي طلب المساعدة من وكالة الطاقة الذرية، أم ستمنعه العزة الوطنية كما فعلت بالكابتن أليكسي فوستريكوف ويغوص ويغوص بنا حتى يستطيع بأدواته البدائية إصلاح المفاعل؟