جريدة الجرائد

فيروز.. و«ضيعة» نجاد

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


نورالدين قلالة

قد يقول قائل، ما هذه الهرطقات الإعلامية التي تربط الفنانة فيروز بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد، وقد يقول آخر إن أوجه الشبه بينهما بعيدة بعد السماء عن الأرض.. وإن هذه في واد وذاك في واد آخر.. لكنني -وإن لم أنتسب لأصحاب المذهب المقارن- وجدت في ثورة فيروز الأخيرة وعودتها إلى ساحة الفن بقديمها وجديدها، صورة في نسق غريب يكاد يكون منسجما ومتجانسا مع الزيارة التي قام بها نجاد للبنان، ووقف خلالها على بعد كيلومترات من حدود إسرائيل وهو يصرخ أن الصهاينة إلى زوال داعياً الدولة العبرية إلى الاستسلام لأن "الغضب الفيروزي الساطع" آت..
لست أخلط بين رسالة الفن ورسالة السياسة، لكن الذي قامت به فيروز في السابق وعادت لتقوم به قبل أسبوع، لا يختلف كثيرا عما يرسمه نجاد وهو يضع قديمه على تراب بنت جبيل رمز المقاومة الجنوبية.
لست مهووسا بفن فيروز، كما لست مولعا بسياسة نجاد، لكن قيمة نجاد وقيمة فيروز في هذه الآونة لها مدلولها الفني والسياسي الكبير، لا أحد يعتقد فعلا أن أغاني فيروز تحرر فلسطين حتى وإن روجت للغضب الساطع أو مجدت نهر الأردن الذي سيمحو "آثار القدم الهمجية" قبل أن تُمحى هذه الأغنية من قاموس المملكة الهاشمية الإذاعي لأنها تهدد العلاقات الأردنية الإسرائيلية.
لا أحد يعتقد أن تصريحات نجاد النارية والمتكررة ستمحو إسرائيل من الوجود، وستلقي باليهود في البحر، لا أحد يعتقد أن زيارة نجاد إلى لبنان ستخيف ساسة إسرائيل وتجعلهم يرتعدون.. لكن الحركة السياسية لأي لاعب في الساحة الدولية إذا كانت بهذا الشكل تعطي الانطباع بأن الآتي بعد الحال سيكون مختلفا، فلا موقف يصنع من فراغ، ولا دخان بلا نار.. وما قاله نجاد في إيران، وما كاله من تهديدات لإسرائيل ولأميركا في كل نقطة ذهب إليها، لا يساوي وقفته في بنت جبيل أو قانا وهو يسمع صوته للإسرائيليين على بعد بضعة كيلومترات.
الأمر بسيط.. بين السياسة والفن قاموس طويل عريض، فليست فيروز من يصنع "الأف 16" لكن من دون فن لا يمكن أن نصنع طائرة. لفيروز دورها في الصراع ولنجاد دوره، كلاهما له أسلحته الخاصة في المعركة الفنية والسياسية، وكلاهما يمكن أن تصدر عنه مواقف قد تغير المسار العام.
فيروز التي تخطت الخامسة والسبعين جمعت الآلاف من حولها بعد طول غياب، قهرت كل الظروف وغيرت كل المقاييس ورفضت الاستسلام والخضوع للتهديدات والنزاع القضائي ضد أبناء شقيق زوجها وغنت ما يحلو لها من أغان قديمة وجديدة.
ونجاد الذي استقبل مثل الأبطال بالورد والأرز في الضاحية كما في الجنوب، تحدى التهديدات التي لوحت باغتياله، ولم يعبأ، وهو يكيل الاتهامات لإسرائيل، بجنودها الذين كانوا يقفون على مرمى حجر منه، ولا بطائراتها التي حلقت فوق رأسه، كما اعتادت التحليق يوميا فوق رؤوس اللبنانيين في سماء بيروت.
فيروز ظهرت على الساحة الغنائية الضاجة بكل ما هو غث وضئيل وبائس، لكن العالم العربي كله أُرغم على الصمت وتوقف عن الغناء ليعطي فرصة الاستماع لإحدى عمالقة الفن العربي وهي تحاول القول أنْ لا أحد بإمكانه النيل من الفن الجاد.. فأعادت للمنطقة العربية وقارها الغنائي المفقود بعد سنوات من الرداءة والتراجع..
وزيارة نجاد أعادت للمنطقة العربية الكثير من وقارها السياسي، بغض النظر عن أهدافها الخفية وتأثيراتها القوية على سياسة بيروت، ومواقف لبنان بتياراته الداخلية المتناقضة وما يحدث على حدوده الملتهبة. فقد أرغم نجاد العالم كله على متابعة حيثيات زيارته وتصريحاته، ولم تتوقف الصحف والقنوات الفضائية والإذاعات عن نشر كل صغيرة وكبيرة عن تفاصيل الزيارة وبرنامجها ونتائجها.
فيروز بعثت بظهورها المفاجئ إلى حد ما برسائل سياسية وفنية، بأن عودة الكبار إلى الساحة يجب أن تكون مدروسة ومعدة مسبقا، لدرجة أن وزير السياحة اللبناني قال لوكالات الأنباء "إن فيروز صنعت موسما سياحيا خاصا بها في هذا التوقيت الذي تشهد بيروت فيه دائما حالة من الركود السياحي كل عام". وأمام حالة هذا الرواج الفيروزي السياحي فتحت فيروز منافذ جديدة لرواج فني كبير حين حقق ألبومها الجديد "إيه في أمل" مبيعات خيالية.
أما نجاد فلم يتوقف عن البعث برسائله السياسية إلى إسرائيل ولبنان والعالم العربي والغربي على السواء، وساعده في ذلك الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي لم يظهر بصورته المعهودة، لأن الرجل كان دائماً يلعب دور السني في السياسة والشيعي في الدين، حتى أن كثيرين كانوا يعتبرونه سنّيا محبةً فيه وفي خطاباته ومواقفه، وآخرون يعتقدون فعلا أنه رجل سني ولكن بعمامة شيعية.
نصر الله أحدث جملة من التغييرات على خطابه السياسي الأخير، فلم يكن -في تقديري- صريحا وواضحا ومباشرا مثلما كان يوم استقبل نجاد في ضاحية بيروت من على شاشته الكبيرة، لم يتراجع أبدا ولم يتريث أو يشعر بالحرج وهو يقول للجميع "نحن نفتخر بإيماننا العميق بولاية الفقيه"، ويؤكد أن ما تريده إيران لفلسطين هو نفسه ما يريده الشعب اللبناني. لقد فصل الرجل أمام الجميع في كل المواقف الخاصة بلبنان من قبل، ثم أكمل ما تبقى في حضرة نجاد، وهو يحشو خطابه السياسي بمحلوله الديني الذي غيبه طيلة السنوات الماضية في أحاديثه وتصريحاته.
****
بين فيروز ونجاد حكاية أخرى.. هي حكاية البساطة والابتعاد عن المساحيق والديكورات الزائفة التي تسطع أضواؤها في كل مكان، ومع ذلك فقد أخذ كل منهما حقه في الاستحواذ على الصفحات الأولى للمجلات والصحف المتخصصة، على الرغم من أن بعض المجلات العربية تجاهلت عودة فيروز لصالح فنانات العري والإغراء وقصص الفضائح والابتذال. وقد عبرت الشاعرة الجزائرية حنين عمر عن هذا الموقف بقولها إن التفسير الوحيد له "أن صاحبة الصوت الملائكي لا تملك عنوان طبيب تجميل محترف ليعتني بحقن شفتيها بالبوتكس ووجنتيها بالسيلكون ويشد ويشفط على مزاج الموضة أو لأنها لا تتقن ارتداء ملابس تكشف أكثر مما تستر في كرنفالات المسخرة ولا تتقن توسيع شبكة علاقاتها الصحفية مكتفية بملايين المعجبين والعشاق والأطفال والعصافير والفراشات فقط".
ويبقى أن فيروز غنت في ضيعتها بعد طول غياب، ونجاد أيضا "غنى وأنشد" في ضيعته بالجنوب، فكلاهما له ضيعته الخاصة، وكلاهما له سحره ومفعوله السري على قيادة الجماهير.. التي ما زالت تنتظر الغضب الساطع الذي لم يأت..

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف