جريدة الجرائد

عن مذكرات طوني بلير

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

ممدوح الشيخ


في النصف الأول من العام 2007 تنحى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من المنصب بعد أن أثار الكثير من الجدل، وبخاصة لجهة علاقة التحالف الوثيق مع واشنطن، وهو تحالف لم يؤسسه بلير بل دفعه لحده الأقصى بقراره المشاركة في حرب العراق. وقد كانت العواصف التي أثارتها رئاسته "سياسية" بالأساس، أما الجدل الذي لم يتوقف بشأن الرجل من لحظة التنحي حتى صدور مذكراته مؤخرا، فغلبت عليه القضايا المعرفية والثقافية، وهذا المقال، محاولة لوضع المذكرات التي فتحت باب الهجوم الشرس على بلير من جديد، في سياقها الصحيح.
ومن الملاحظات التي تستلفت المتأمل أن الرجل حتى قبل الحرب كان ينظر إليه بتقدير كبير كونه قد جاء بمشروع لتجديد السياسة البريطانية جذريا فكان أحد مهندسي "الطريق الثالث" الذي حاول منظروه أن يكون صلحا تاريخيا بين "العدالة" و"الحرية" واتسم فوزه بالمنصب بكثير من الزخم كواحد من أصحاب تجارب الصعود السياسي الناجحة.
لكنه ما إن اتخذ قرار الحرب حتى حوله الخطاب الإعلامي العربي إلى "شيطان إلا قليلا"!
وعندما تنحى بلير كان أهم وأخطر ما في خطاب تنحيه، أن من حقائق الممارسة السياسية دائما أن الجلوس في موقع اتخاذ القرارات يختلف كثيرا عن التقييم من خارج السلطة، حيث يكون الناقد بعيدا عن "إكراهات الواقع". وهو تحدث في خطاب التنحي عن معايير التقييم بين الموقعين قائلا: "ألوان الطيف الزاهية أصبحت سوداء ورمادية لكن عليكم أن تضعوا أيديكم على قلوبكم وتعرفوا أنني فعلت ما اعتقدت أنه صواب لبلدي.. ربما أخطأت لكنني أتيت إلى منصبي مع آمال زاهية لبريطانيا". وما قاله عما يعتقد أنه الصواب لبلده مشكلة من أعقد مشكلاتنا السياسة العربية، وهي اضطرار الحاكم أحيانا لأن يتخذ قرارات لا يتقبلها "المزاج العام" مقتنعا تمام الاقتناع بأنها الحل الصحيح.
والدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة السابق الذي عمل مع الرئيس المصري السادات كتب عنه كلاما مشابها، قال إنه: "قائد يستحق هذا اللقب، رجل دولة مقتنع بصواب ما يفعل، غير مهتم بإرضاء الجماهير ويرفض الانصياع لديكتاتورية الرأي العام، ويعرف كيف يتخطى تردد أقرب مستشاريه"، ثم يلخص الفرق بين نوعين من السياسيين فيقول في عبارة موحية: "الفرق بين الرجل السياسي ورجل الدولة أن الأول يفكر في الانتخابات القادمة والثاني يفكر في الجيل القادم"!
وفي إيران اتخذ الخميني قائد الثورة الإيرانية قرارا بوقف الحرب العراقية الإيرانية واصفا ذلك بأنه مثل "تجرع السم"، وبعض حقائق السياسة الدولية يكون إعلانها ذا كلفة غير محتملة وبعضها يصعب إقناع الجماهير به، وبالتالي يجد صانع القرار أنه لا مفر من التصرف بناء على ما لديه من معطيات دون أن يعلنها وبعض هؤلاء ينصفهم التاريخ بعد زمن.
وفي كتابه الرائع "الحرية والثقافة" يقرر الكاتب الأمريكي جون ديوي أن الاستيلاء على الخيال وسيلة من أهم وسائل الاستبداد السياسي والثقافي للسيطرة على الجماهير وهو يقول عن النظام الاستبدادي إنه إن شاء "أن يستقرَّ وتتوطَّد أركانه يجب عليه قبل كلِّ شيءٍ أن يُسيطر على أخيلة الناس سيطرةً شاملة".
وبلير نموذج للإفلات من هذه السيطرة على الخيال كضمان لبقاء الشخص ضمن "السياق العام"، فهو بالضد من التوجه الغربي العام الذي تفقد فيه الكاثوليكية أتباعها لحساب الكنائس البروتستانتية، تحول أواخر 2008 من البروتستانتية للكاثوليكية. وفي مقال له نشر في جريدة الاوسيرفاتوري رومانو الفاتيكانية تحدث عن القديس الكاثوليكي نيومان الذي تأثر به كثيرا قائلا: "إن نيومان يضع الحقيقة الروحية فوق كل القيم الأخرى. فهذا البحث كان بالنسبة له الأول، حتى قبل الأصدقاء قدماء كانوا أو جدداً". ونيومان اعتنق الكاثوليكية: "رغم أنها لم تكن شعبية". وتابع بلير: "هذه الشجاعة الفكرية تستحق العجب".
وفي مواجهة تيار غربي قوي وبخاصة في أوروبا يصل الى تكريس الفصل التام يرى بلير أنه: "إذا لم تلعب العقيدة الدينية أي دور في القرن الحادي والعشرين، وهو ما لا استطيع تخيله، فإن شيئاً حاسماً سيكون مفقودا". ومن النوع نفسه كانت شخصية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي علق ذات مرة على استطلاعات الرأي التي تتحدث عن تراجع شعبيته قائلا: "أفضل أن أعرف كحلال للمشكلات عن أن تكون لي شعبية".
فهل يدرك القارئ العربي أن الانطبعات المجتزئة التي يمتلئ بها الإعلام العربي عن مذكرات بلير، ليست تقييما ولا استعراضا أمينا، وأن الصدق مع النفس لا يقل أهمية عن إنصاف الحق والحقيقة، والقرآن الكريم دعا المؤمنين فقال: "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلو* اعدلوا هو أقرب للتقوى".


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف