جريدة الجرائد

الخروج العربي إلى الفعل

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كلوفيس مقصود

بعد الانتخابات النصفية التي أدت إلى تقلص كبير للحزب الديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ، يحاول الرئيس أوباما أن يبلور وبالتالي يقنن بعض المعاهدات والتشريعات أثناء الحقبة الأخيرة من الكونغرس الحالي . صحيح أن هذا حق للكونغرس الذي لا يزال يتمتع بأكثرية الحزب الديمقراطي إلا أن ضغوطاً كبيرة تمارس اليوم على إدارة أوباما كي لا يحقق بعض البرامج الداخلية، وألا يحقق بعض الإنجازات المطلوبة بإلحاح في السياسات الدولية . فهذا الشهر الأخير من عام 2010 يكاد أن يضع إدارة أوباما في مأزق حيث يحاول الجمهوريون أن يعطلوا حق إدارة أوباما في إبرام معاهدات مطلوبة وفي طليعتها معاهدة الحد من التسلح النووي مع روسيا، وكذلك الحؤول دون توظيفه بعض الإنجازات التي حققها إلى قوانين لأن هذا من شأنه أن يجهض الكثير من محاولات الجمهوريين في القيام بهجوم معاكس ضد الإدارة الحالية تمهيداً لتنفيذ ما قاله زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل بأن الهدف الأساسي للكونغرس الجديد هو أن يكون الرئيس أوباما رئيساً لفترة رئاسية واحدة .

من هذا المنظور هناك أولويات مهمة يجب أن تنجز وفي طليعتها معاهدة الحد من التسلح النووي مع روسيا وتبادل التفتيش عن أي تجاوزات في هذا المضمار بين الدولتين النوويتين الكبريين . في هذا الشأن تكمن صدقية الرئيس أوباما على المستوى الدولي للإبقاء على العلاقات الدولية بقدر الإمكان بمنأى عن التنافسات السياسية، وهذا ما يفسر استدعاء أوباما لوزراء الخارجية والدفاع وبعض مسؤولي الأمن القومي السابقين، إلى اجتماع طارئ في البيت الأبيض، لدفعهم للضغط على المترددين في مجلس الشيوخ بهدف إنجاز المعاهدة كأولوية للأمن القومي ولموقع الولايات المتحدة على المستوى الدولي . بمعنى آخر، أنه لا يجوز أن تبقى هذه المعاهدة معلقة بالشكل التي هي عليه الآن، لذلك فإن صدقية الولايات المتحدة وليس فقط الرئيس أوباما هي المطلوب تحصينها .

وإذا كانت هذه المعاهدة التي تشكل مطلباً حيوياً على المستوى الدولي كخطوة استباقية لضبط الخطر النووي على كل المستويات، فإن محاولة عدد متزايد من الجمهوريين تأجيل البت في هذا الموضوع داخل الكونغرس الجديد هي خطة للمزيد من التشكيك في قدرة الرئيس أوباما، وهو ما يعتبره الكثيرون حتى من الأعضاء الجمهوريين الذين يتمتعون بشعور بالمسؤولية أن عليهم الاقتراع إلى جانب المعاهدة فوراً .

أشير إلى هذا الوضع من منظور مسؤولية الرئيس أوباما الذي كان أثناء الحملة الرئاسية قائداً ملهماً ولكنه لم يستطع تحويل قدرته على التعبئة إلى مقدرة على تحديد الأولويات بشكل واضح . صحيح أنه ورث أزمة مالية كادت أن تكون عصية على الحل، وصحيح أيضاً أن أوباما أنجز في الأيام الأخيرة نجاحاً في إنقاذ أكبر شركة سيارات من الإفلاس وبعد أشهر حققت مكاسب يعترف بها الكل، ما قد يمهد لتقليص مستوى البطالة التي كانت أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى نجاح خصومه في الانتخابات الأخيرة، كما أن تمرير قانون الضمان الصحي هو إنجاز متميز إلا أن شركات الأدوية والعديد من الذين يعتبرون الضمان الصحي نوعاً من ldquo;الاشتراكيةrdquo; ساهموا بتبرعات كبيرة لمرشحي ldquo;حزب الشايrdquo; المنفلت من أي شعور بالمسؤولية لكي ينجحوا ويصبحوا جزءاً مكوناً للحزب الجمهوري ما يعطل صفة المحافظة المعقولة في مجابهة الليبرالية التي تميز الحزب الديمقراطي بها، هذا القانون كان مطلوباً لأن الولايات المتحدة كانت الدولة الصناعية الكبرى في العالم التي ليس فيها قانون الضمان الصحي الشامل .

إذاً، ألخص باقتضاب هذا الوضع الراهن كأحد خلفيات الأخطار التي ينطوي عليها تعامل أوباما مع القضية الفلسطينية والتي رغم نواياه المعلنة التي أشار إليها في مستهل رئاسته كما فعل في خطابيه في القاهرة وأنقره ولا يزال ينوه بحرصه على علاقات مميزة مع العالم الإسلامي، بالرغم من كل ذلك فإن عدم إحاطته بمكونات القضية الفلسطينية وأسباب تعثر ldquo;مسيرات السلامrdquo; خاصة منذ أوسلو، هي أخطاء مستمرة يوظفها رئيس وزراء ldquo;إسرائيلrdquo; نيتنياهو في التعطيل والتدرج في الإجهاض لأي حقوق للشعب الفلسطيني ما يفوت على أوباما أي إنجاز واقعي أو حقيقي في هذا الموضوع . فمثلاً إن مطالبته لrdquo;إسرائيلrdquo; أن تجمد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر وحث السلطة الوطنية إثر هذا التجميد أن تستأنف المحادثات المسماة خطأ ldquo;مفاوضاتrdquo; - قد تبدو على السطح مقبولة ما دفع السلطة إلى ldquo;دراستهاrdquo; بمعنى أنها لا تريد صد الولايات المتحدة بذريعة ldquo;واقعيةrdquo; الحالة الراهنة، إلا أن مقابل التجميد كان إعطاء المزيد من المساعدات الأمنية تشمل طائرات حربية F35 التي لم تدخل بعد الترسانة الأمريكية، وكأن هذا لا يكفي من شروط، بمعنى أن التجميد لن يشمل القدس الشرقية . فهذه الأشهر الثلاثة من الاكتفاء بالتجميد إن كانت على منوال فترة التجميد السابقة فهي تنطوي إلى حد كبير على وضع القضية الفلسطينية على حافة الهاوية . نقول هذا لأن ثلاثة أشهر من تجميد الاستيطان تنطوي على احتمال استئنافه، ومن هنا فإن النقص الفادح في مستهل مبادرة أوباما يتمثل في المطالبة بالتجميد بدلاً من التفكيك، وأن وضع المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية سوف يؤول إلى ldquo;إسرائيلrdquo; مقابل مساحة من الأرض تماثلها لا نعرف قيمتها ولا مداها، وكأن خط الاحتلال 1967 لم يعد وارداً كمنطلق لمسيرة السلام التي أكدت عليها القمم العربية كلها، وكأن ما حصل منذ يونيو/ حزيران 1967 لم يكن احتلالاً من المنظور الأمريكي، وهو حقيقة لم يكن احتلالاً من المنظور ldquo;الإسرائيليrdquo;، فالتعامل مع ldquo;إسرائيلrdquo; بهذه الطريقة جعل من المطالبة المبتورة بالتجميد والمحدودة في الزمن مكافأة غير مسبوقة لما يعتبره العالم دولة احتلال وهي في الواقع دولة اغتصبت الأرض الفلسطينية وتتصرف كمالكة لها تكريساً لمجابهة كل قرارات الأمم المتحدة والمواقف الدولية والإجماع العالمي على أن الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة هي أرض محتلة . ومن هنا فإن الرئيس أوباما رغم نواياه ورغم ما بدا بأنه التزام بتسوية ldquo;عادلةrdquo; عرّض المسيرة إلى تمكين ldquo;إسرائيلrdquo; من ممارسة الابتزاز، علماً أن التصحيح الذي كان مطلوباً في إدارة هذا النزاع من جانب إدارة أوباما هو ضبط المصطلحات بحيث يؤكد أولوية أن ldquo;إسرائيلrdquo; هي سلطة محتلة، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية في حال قيامها، إضافة إلى تعريف حقوق اللاجئين وحق العودة . لعل الرئيس أوباما أدرك أيضاً أن اللوبي ldquo;الإسرائيليrdquo; بما يتمتع به من نفوذ وسلطة متناميتين نتيجة الانتخابات الأخيرة، فإن عوامل الفشل تتكاثر، ولكن إذا كنا صادقين مع أنفسنا كعرب وكفلسطينيين فيجب أن نعترف بأننا ساهمنا من خلال عدم وجود خطاب واضح جماعي من قبل الأنظمة العربية ولا خطة واضحة، في تولد انطباع سائد يشير إلى أن قرارات القمة العربية كانت نهاية مطاف وليست نقطة انطلاق لتفعيل بنودها .

إذا لابد وبشكل سريع وغير متسرع، أن تأخذ الأنظمة العربية إجراءات قد يعتبرها البعض غير واقعية ولكنها مطلوبة بإلحاح، ذلك لأن اقتراب القضية الفلسطينية إلى الحافة ينطوي على مخاطر كبيرة يجب اجتنابها، ولعلها سوف تكون للمدمنين على ldquo;الواقعيةrdquo; صعبة معقدة وللبعض منهم مؤلمة وقد تنطوي بدورها على ضرورة أخذ إجراءات صعبة مثل تعليق العلاقات الدبلوماسية مع ldquo;إسرائيلrdquo; وإعادة تفعيل المقاطعة العربية وفك الحصار التطبيعي الحائل دون قيام وحدة فلسطينية حقيقية قادرة على ممارسة الردع ما يخرج الموقف العربي والفلسطيني من الالتباس الحاصل، بحيث يستطيع العربي، كل عربي، أن يقول للرئيس أوباما أطلب التفكيك للمستوطنات، أطلب تفكيك الاستيطان في القدس الشرقية، وبالتالي يتمكن أيضاً من الرد على نتينياهو أو غيره عندما تستقيم المصطلحات وعدم الاستمرار في ترديد الاستعداد للقيام بتنازلات أليمة لأن التنازل هو عما تملك وليس عما تحتل .

علينا أن نبدأ بتكثيف الحوار واستعادة الثقة بعدالة قضايانا، وعودة حيوية الحريات لشعوبنا، وإعادة تعريف الكرامة كفعل وليس كوصف ورفض قاطع للواقعية التي تستسلم للواقع وبالتالي تقربنا من الهاوية . فإذا توفرت للأمة العربية فرصة إعادة استقامة ووضوح وحدة مواقفها وسياساتها وفعّلت إمكانياتها وأكدت حقوقها القومية، وصارحت المجتمع الدولي بأن القضية الفلسطينية مفتاح لعلاقاتها الدولية، يمكن عندها أن نتقدم خطوة إلى الأمام .

لعل التباين الذي ظهر من خلال رد وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس على نتينياهو الذي قال ldquo;إذا كان هناك أمل في إيقاف البرنامج النووي لإيران من دون اللجوء إلى الخيار العسكري عندئذ يجب إقناع إيران أولاً أنها مستعدة أن تأخذ مثل هذا الإجراءrdquo; وكان جواب وزير الدفاع الأمريكي: ldquo;أنا لا أوافق على أن التهديد العسكري يستطيع أن يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء البرنامج النووي الخاص بهاrdquo; وأضاف ldquo;نحن مستعدون لإجراء ما هو ضروري . . ما قد يكون مدخلاً سياسياً - اقتصادياً من شأنه التأثير على إيرانrdquo; وقال لrdquo;الوول ستريت جورنالrdquo; إن القيادة الإيرانية ldquo;فوجئت بأثر العقوبات المفروضة عليها هذا العام ldquo;وإن الخيار العسكري سوف يعزز وحدة الأمة الإيرانيةrdquo; ويجعل كل الإيرانيين يلتزمون في الحصول على أسلحة نووية، وبالتالي يندفعون باتجاه ما هو أعمق وأكثر سرية، لذلك أنا أعتقد أن الاستراتيجية السياسية والاقتصادية هي التي يجب أن نستمر في اتباعهاrdquo; .

أشير إلى أن هذا الرد الواضح الذي أعيد مرتين من قبل وزير الدفاع الأمريكي الجمهوري غيتس هو بمثابة تعبير عن بداية استنفاد صبر الأمريكيين من محاولات نتينياهو وأنصاره في الكونغرس وغيره جر الولايات المتحدة إلى تبني أولويات ldquo;إسرائيلrdquo; الداعية للخيار العسكري، ومن هنا يشكل هذا حاجة ملحة لأن يستعيد العرب قدرتهم على الحركة، وتبيان أنه إذا بدأت بوادر انفضاح المنهج ldquo;الإسرائيليrdquo; في التعامل مع الولايات المتحدة حليفتها الوحيدة فإن ذلك يدل على عدوانية تعاملها مع القضية الفلسطينية ومع القضايا المصيرية للوطن العربي، وهذا من شأنه أن يوفر إحدى الفرص السانحة لإعادة وحدة الدبلوماسية والإعلام العربي والفلسطيني لاتخاذ الإجراءات المطلوبة في هذا الشأن حتى لا تبقى ldquo;إسرائيلrdquo; قادرة على الابتزاز ومحصنة من ردع تماديها في استباحة الحقوق الفلسطينية خاصة والعربية إجمالاً، وحتى لا تبقى عنصراً يهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي، وإن تفويت الفرصة هذه يؤكد عجز النظام العربي تجاه ما تستحقه وتتوقعه الجماهير والأجيال العربية المقبلة .

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف