"شعبولا" منظر السلطة الجديد.. "الدبّة" التي تضر صاحبها!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
شريف عبدالغني
للشاعر أحمد فؤاد نجم تشبيه بليغ، حيث قال إن الكتاب والصحافيين الذين تقربوا من الرئيس عبدالناصر، كانوا يمتدحونه باستخدام آلة "الكمان" الرومانسية الناعمة، بينما الكتاب الذين يمجدون الرئيس مبارك الآن يحزّمون وسطهم ويستخدمون "الطبل البلدي" في التهليل للرئيس.
الأمر نفسه ينطبق على الأغاني التي صاغها شعراء بوزن صلاح جاهين وغناها مطربون بقامة عبدالحليم حافظ، كانت -رغم إشادتها المبالغ فيها بالزعيم- تحمل معانيَ قويةً وأداءً راقياً جعلت الناس يحبونها، وأسهمت بالفعل في زيادة شعبية ناصر على امتداد العالم العربي: "ريّسنا ملاح ومعدينا.. عامل وفلاح من أراضينا.. ومنا فينا الموج والمركب والصحبة والريّس والزينة" و "كانت الصرخة القوية.. في الميدان في اْسكندرية.. صرخة أطلقها جمال.. إحنا أممنا القنال.. وانتصرنا انتصرنا".
أما في العصر الحالي فإن الأغاني المشابهة تسير وفق المثل "الدبة لما تحب تقتل صاحبها"، فسواء كان مطلقوها يحبون الرئيس بصدق أم أنهم ينافقونه، فهم يضرون الرئيس بالفعل فضلاً عن ضررهم لأنفسهم، فلم تعِش أغانيهم في وجدان الناس وإنما تحولت إلى مثار تندرهم وسخريتهم، ثم إن الرئيس نفسه ليس في حاجة إلى مثل هذه الأغاني السطحية، فتاريخه الوطني معروف منذ حرب أكتوبر، وكل من يتفق أو يختلف مع سياساته يُجمع على أنه كإنسان وأحد قادة نصر 1973 يبقى محل احترام المصريين وتقديرهم على اختلاف مشاربهم.
حينما حاول محمد ثروت أن يقلد عبدالحليم، ويقدم الأغاني الوطنية، لفظه الناس بعدما لمسوا أنه لا يغني لـ "الوطن" بقدر ما يغني للحزب "الوطني" الحاكم الذي يلقى انتقادات واسعة في الشارع. ولما أطلق مجموعة من المطربين ملحمة "اخترناه اخترناه.. وإحنا معاه لما شاء الله.. ولا هيغدّيني ولا يرقـيني ولا فيه مصلحة بينه وبيني"، فإن كثيرين ممن يسمعونها يطلقون في نفس واحد لفظا يدل على الامتعاض مما تنضح به الكلمات من نفاق فج.
ورغم كل هذا الهراء فإنه يمكن على مضض تقبل تلك النوعية من الأغاني، لكن الذي لا يمكن قبوله هو "الجريمة الغنائية" التي ارتكبها شعبان عبدالرحيم بحق الرئيس تحت وهم أنه تعبير عن الحب: "مش هنتخب البرادعي ولا حتى في الخيال.. أنا هنتخبك يا ريّس لو حتى دمي سال.. وإن مرشحتش نفسك أنا هنتخب جمال"!!
ونفى شعبان اتهامه بالنفاق بعد غنائه المستمر للرئيس مبارك -حيث سبق وقدم أغنية له بمناسبة عيد ميلاده- وقال: "عندما علمت أنا والمؤلف إسلام خليل بأن هناك مرشحين ضد مبارك وجدت نفسي مندفعا في غناء هذه الأغنية، لأوضح موقفي من الانتخابات، وكذلك موقف الشعب المصري كله تجاه البرادعي الذي لا نعرف عنه شيئا رغم أنه مصري". خلاص، أصبح شعبان يتحدث باسم الشعب المصري، وكأنه يرد على مندوب هولاكو حينما جاء إلى القاهرة ووجد قائدها عز الدين أيبك مقتولا وزوجته شجرة الدر مقتولة، ونوابه مقتولين، فسأل: "لما أحب أخاطب شعب مصر.. أكلم مين"، فجاءه الرد بعد 700 سنة: "شعبولا طبعا.. وحياة أمي ما هسيبك، وسنتك سيدك هولاكو سودة لو فكر يمس شعرة مني".
أما ثالثة الأثافي فرد "شعبان قلب الأسد" على سؤال: من تنتخب حسني مبارك أم جمال مبارك؟ فأجاب: "المهم كلمة مبارك في الآخر.. يعني لو أي واحد فيهم رشح نفسه حانتخبه فوراً ولو الريس قاللنا رشحوا فلان حنسمع كلامه لأنه عارف مصلحتنا كويس جدا أكثر من أي حد".
طبعا هذه العبارة هي أكبر إساءة للنظام وللرئيس، فهي تروّج للنظرية الشائعة عن السلطة.. نظرية "الراعي والغنم"، فالرئيس هو راعينا ونحن شعب من النعاج، نساق بالعصا إلى حيث يُطلب منا، كما أننا لم نصل لسن الرشد، الحاكم يفكر نيابة عنا ويختار لنا ما يناسبنا، ونحن نقول سمعا وطاعة.
ودون أن يدري عبّر منظّر النظام الجديد "شعبولا" عن أحوال السلطة التي يتغزل فيها، بفيلمه الجديد الذي تدور أحداثه حول مطرب شعبي بسيط يحبه الناس لأنه خدوم لدرجة أنهم يرشحونه في الانتخابات الرئاسية ليكون رئيسا للجمهورية، ويشجعه على ذلك أولاده باستثناء زوجته "جيجي" المتعلمة -التي تلعب دورها عبلة كامل- وسبب زواجها له أغنية "أنا بكره إسرائيل" حيث شعرت أنه وطني، لكنها تتعجب من ترشيح نفسه للرئاسة وهو غير متعلم أما هي فخريجة كلية السياسة والاقتصاد.. لذلك قررت أن تخوض الانتخابات أمامه، ولكنها في النهاية تخسر ويكسب "شعبولا". هذا بالضبط ما يحدث في أي انتخابات برلمانية مصرية، فغالبا يفوز "الجهلاء" وأصحاب العقول الفارغة بينما يخسر الأكاديميون والمثقفون.
وفي نهاية الفيلم يفشل "شعبولا" في الرئاسة بسبب قراراته الخاطئة ومنها منع دفع المواطنين فواتير الكهرباء والمياه والضرائب، فينهار اقتصاد البلد، كما أنه يقنن تداول مخدر الحشيش عن طريق بيعه في أقسام الشرطة. لكن المفارقة أنه في الواقع يدفع المواطنون فواتير الكهرباء والمياه رغم غلائهما، ويسددون ضرائب عن كل شيء، ولا يتبقى سوى أن تحصّل وزارة المالية ضرائب عن الهواء الذي نتنفسه، ورغم ذلك يعاني الاقتصاد من أمراض وعلل متعددة فشلت معها "روشتات" أكبر الأطباء في علاجها، فضلا عن وصفات الدجالين. وصحيح أن الحشيش لم "يقنن" رسميا ولا يباع في أقسام الشرطة، لكن دخول كميات كبيرة منه إلى البلاد تؤكد أن هناك كباراً متعاطفين مع تجار الصنف، ليس مقابل مصلحة شخصية والعياذ بالله، ولكن حرصا على عدم "عكننة" مزاج الشعب.
ويا أخانا شعبان "قلب الأسد": بصفتك الجديدة متحدثا باسم النظام، أؤكد لك أنني مواطن ملتزم وسأفعل مثلك ولن أنتخب البرادعي ولا حتى في الخيال (أصلا لن يستطيع الترشح).. أنا هنتخب الريّس لو حتى دمي سال.. وإن مرشحش نفسه أنا هنتخب جمال"!!