جريدة الجرائد

الصحف الخمس الكبرى وصحافة التسريبات

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

أمير طاهري

"جريمة شنعاء" هو الوصف الذي أطلقه البيت الأبيض على الأمر، في حين قدم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في طهران وصفا أكثر حيوية وإبداعا وهو "مخطط شيطاني". فإن آخر دفعة من البرقيات الدبلوماسية التي سربها موقع "ويكيليكس" جعلت واشنطن وطهران تعزفان نغمة متقاربة.

لم تكن لهذه الواقعة أن تحدث تأثيرا كبيرا لولا قرار أربع من كبرى الصحف الغربية وإحدى المجلات، تحظى باحترام القراء، نشر بعض الوثائق المسروقة. تصادف أنني كتبت على مدار السنوات السابقة مقالات في هذه الصحف وكذلك المجلة المذكورة. وقد شعرت بالمزيد من الأسى والأسف بسبب اتخاذ هذا القرار الذي يعطي مصداقية لصحافة أقل ما يمكن أن توصف به، أنها كسولة، إن لم توصف بأنها تتاجر في المسروقات.

ويعد نشر وثائق مسروقة نوعا من الكسل الصحافي، لأن الصحافيين لا يبذلون أي جهد، فالمحرر يجلس في مكتبه وعندما يسمع جرس الهاتف يلتقط السماعة ويستمع إلى رجل يعرض عليه وثائق مسروقة بسعر زهيد. هذا لا يمت بصلة للصحافة الحقيقية التي يقضي فيها الصحافيون أياما، إن لم يكن أسابيع وشهورا، في البحث والتنقيب وإجراء المقابلات وجمع المعلومات والتحقق من كل معلومة وتنسيقها في السياق المناسب وكتابة موضوع صحافي على أساس ما يعتقدون أنه الحقيقة التي توصلوا إليها بقدر ما استطاعوا.

أما صحافة التسريبات فهي أمر آخر، فهي لا تحتاج إلى إجراء مقابلات أو بحث أو تمحيص الحقائق وعرضها في السياق المناسب، فلا حاجة للصحافيين بها، حيث يمكن للتقني الذي يدير موقعا إلكترونيا أن يقوم بهذه الوظيفة.

تم الحصول على هذا الفيض والكم الهائل من البرقيات المسروقة من أحد قراصنة شبكة الإنترنت، يبلغ من العمر 23 عاما، التحق بالجيش وأراد أن يقضي على الملل. فلم يكن هناك أي حاجة إلى رئيس تحرير ومحررين مساعدين ومحرري أخبار ومحررين منقحين، ومدققي معلومات، ومستشارين قانونيين وباقي طاقم العمل في أي صحيفة تستحق أن يطلق عليها اسم صحيفة.

حتى الآن، كان أسلوب التسريب الصحافي مقصورا على صحف التابلويد أو ما يسميه الفرنسيون الصحف الصفراء. لكن حتى في هذه الحالة كانت الصحافة الصفراء تقوم بعمل أفضل من المطبوعات الـ5 التي قررت أن تصبح منافذ لـ"ويكيليكس". ففي الصحافة الصفراء، ينبغي على المحررين، على الأقل، إقناع شخص ما، أو عاشق مهجور، أو كبير خدم كثير التذمر، أو شخص فظ ميال إلى الانتقام، بالبوح بكل ما لديهم. وفي الوقت ذاته، وعلى عكس الصحف الكبرى الخمس، لم تزعم الصحف الصفراء على الإطلاق أنها تعمل وفق مبادئ سامية. فهي تحب التسريبات التي تؤدي إلى فضائح، لأنها تسهم في زيادة نسبة مبيعات الصحف. هذا هو كل ما في الأمر.

والآن تخيل نفسك في مكان يزعم أنه مطعم، فماذا سيحدث إذا ما جلست إلى المائدة وبدلا من أن تقدم لك وجبة ملائمة من قبل طاه مؤهل، تجد نفسك غارقا وسط كتلة ضخمة من اللحم والخضراوات النيئة وعدد لا يحصى من الأطعمة غير المعروفة. أو إذا ما ذهبت إلى ما اعتقدت أنه حفلة موسيقية فقط لتجد نفسك وسط موسيقى نشاز؟

ويبدو أن الأسوأ لم يأت بعد. فعلى افتراض أنك دخلت إلى مستشفى لتواجه مجموعة من العلاجات الطبية التي يقدمها لك أفراد يلبسون المعاطف البيضاء يدعون أنهم أطباء...

إذا كانت صحافة المواطن محقة في شأن جراحة المخ هذه للمواطن، فلماذا قررت الصحف الكبرى الخمس التعامل مع مواد مسروقة؟ كان عذرها الرئيسي هو حق الشعب في المعرفة.

وقد كان ذلك هو السبب الذي بررت به صحيفة "نيويورك تايمز"، إحدى الصحف الخمس الكبار، نشرها للوثائق بالقول: "ربما يكون من المثبط لنا نشر هذه المواد بسبب المعارضة الرسمية، لكن سيكون من قبيل عدم الإنصاف أن نزعم أن الأميركيين ليس لديهم الحق في معرفة ما ارتكب باسمهم".

حسنا، حسنا: هذه أخبار لأولئك الأفراد الذين اعتقدوا أن الولايات المتحدة ممثل للديمقراطية مع فصل السلطات على أساس عدم تمكين بعض الأطراف من الحصول على بعض الحقوق. لقد اعتقدنا أنه عندما يرغب الأميركيون في معرفة ما يجري باسمهم، لن ينظروا إلى "ويكيليكس" بل إلى مجلسي النواب والشيوخ في بلدهم المنتخبين تحديدا لتطبيق هذا الحق.

إن الصحافة التي تخول لنفسها الحق في الحلول محل مؤسسات المجتمع المدني تتسبب في أضرار فادحة لا للصحافة وحدها بل للديمقراطية أيضا. في صحافة "ويكيليكس" لا توجد حاجة إلى الكونغرس أو مجلس الشيوخ أو المحكمة العليا، كما لن تكون هناك حاجة إلى انتخابات أو دستور بحق.

والآن دعونا نلقي نظرة على الأمور من وجهة نظر مختلفة.

إذا كانت الشفافية هي القيمة الأعلى، فلماذا نقصرها على مراسلات دبلوماسية مسروقة؟

وماذا عن نشر التفاصيل الكاملة لما يدور في اجتماعات التحرير في كل المنافذ الإعلامية؟ ولماذا لا نعرف كل تفاصيل التعليمات التي يعطيها رئيس تحرير "نيويورك تايمز"، لتسمية واحدة من الخمس الكبار، لسكرتيرته كل يوم.

ماذا إذا كان على الصحافيين أن يكشفوا عن أسماء كل مصادرهم والتفاصيل الكاملة لما دار بينهم؟

وماذا عن القاعدة الذهبية "بعيدا عن الإطار الرسمي"، التي يصر الكثير من المصادر عليها؟

لا يمكن لمهنة أن تحيا دون وسيلة الخصوصية التي غالبا ما يشار إليها بالخصوصية أو السرية. والدبلوماسية ليست استثناء في ذلك.

السياسة الخارجية الأميركية مراقبة، وموضع نقاش ومساءلة وتحد من قبل الكونغرس ومجلس الشيوخ اللذين يمكن لنوابهما المطالبة بإطلاعهم على المراسلات السرية مع القوى الأجنبية نيابة عن الشعب الأميركي.

إن "ويكيليكس" وشركاءها لا يمكنهم حتى التباهي بشأن اختراع فن تسريب المراسلات الدبلوماسية المسروقة.

ففي عام 1917، قام ليون تروتسكي بتعيين مسؤول في الحزب الشيوعي للعلاقات الخارجية في الحكومة السوفياتية الجديدة وأمره بنشر آلاف الوثائق السرية التي صودرت من وزارة خارجية الحكومة القيصرية.

في تلك الفترة تترس تروتسكي أيضا، بالشفافية وحق الشعب في المعرفة كعذر لصنيعه.

كان النظام الذي أنشأه تروتسكي وشركاؤه ليبرز كواحد من الأنظمة الأكثر سرية في التاريخ المعاصر. وكان السبب في ذلك هو أن تروتسكي ورفاقه مثل المحترمين الـ5 يؤمنون بتجاهل المؤسسات الديمقراطية.

وصف تروتسكي قانونه بأنه "زلزال سياسي لجعل أوروبا ترتجف"، لكن الزلزال الذي رغب به لم يقع وسرعان ما اضطر تروتسكي إلى الفرار إلى المنفى، حيث قام أحد عملاء النظام، الذي أسهم تروتسكي في بنائه، بقتله. وفي عام 1959 قام فيدل كاسترو وعصابته في كوبا بتقليد تروتسكي ونشر وثائق تمت مصادرتها من نظام باتيستا. ولم يكشف ذلك أي شيء عن أن الكوبيين لم يعرفوا بالفعل أن العملية كانت متوقفة إلى حد بعيد.

وفي عام 1979 بدأ الطلبة الشيوعيون والخمينيون الذين احتلوا السفارة الأميركية في طهران في نشر الوثائق السرية. كان ذلك في البداية عملا مربحا وجنى الطلبة بعض المال عبر نشر 100.000 وثيقة في 130 مجلدا. بيد أن الإيرانيين سرعان ما بدأوا في الملل، لأن الوثائق لم تقدم معلومات حساسة وفشلوا في تقديم وجهة نظر حول القضايا ذات الأهمية. تفرق الطلبة وتوفي الكثيرون في الحروب الداخلية والخارجية التي أثارها الملالي. واليوم يوجد الكثير من الأفراد في المنفى والبعض الآخر في السجون وقد تناسى الجميع التسريبات منذ فترة طويلة.



التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف