جريدة الجرائد

الدبلوماسية الدينية ودور المملكة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

سعود كابلي

خطوات الحوار الأخيرة التي تعتمدها العديد من الدول الإسلامية في توجهها نحو الدبلوماسية الدينية اعتمدت بشكل كبير على المنهج الدفاعي، وهو منهج رغم أهليته لا يزال قاصراً

انعقد مطلع الشهر الجاري منتدى فاس الدولي الرابع لحوار الحضارات والتنوع الثقافي والذي ناقش دور الدبلوماسية الدينية والثقافية في خدمة الأمن والسلام العالميين، والملفت للنظر هنا هو مفهوم الدبلوماسية الدينية الذي تمحور حوله المنتدى، فهذا المفهوم لا يزال حديثاً من جهة دخوله على حقل دراسات العلاقات الدولية، وبالأخص في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومسألة الحرب على الإرهاب التي باتت تشكل إحدى صيغ صناعة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية في الوقت الراهن.
السعودية كانت إحدى الدول الرائدة في صياغة "الدبلوماسية الدينية" وإن لم يكن من خلال الإضافة النظرية والفكرية لما يشكله هذا المفهوم فهي على الأقل خطت خطوات كبيرة فيما يخص التنفيذ والتجربة، ولعل سياسة الملك عبدالله الخارجية والتي تمحور جزء كبير منها حول مفهوم "الحوار" بشقيه الديني والثقافي أبرز دليل على ذلك، واليوم أصبح "مفهوم الحوار" ركيزة أساسية ضمن ركائز السياسة الخارجية للمملكة ومصدرا من مصادر قوتها على صعيد المسرح السياسي العالمي، فأي ذكر "للحوار" بات مرهوناً بخطوات المملكة وبمبادرة الملك عبدالله للحوار بين الأديان.
إن قضية تداخل الديني بالدبلوماسي آخذة في شحذ مزيد من الاهتمام نظراً لتبلور حقيقة الدور الكبير الذي بات يلعبه الدين على المسرح السياسي العالمي، وهو الأمر الذي دعا مجلس شيكاجو للشؤون الدولية (The Chicago Council on Global Affairs) وهو أحد مراكز التفكير المستقلة في الولايات المتحدة إلى نشر تقرير بداية هذا العام (في 23 فبراير 2010) تحت عنوان "الانخراط مع المجتمعات الدينية في الخارج: واجب جديد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة" (Engaging Religious Communities Abroad: A New Imperative for U.S Foreign Policy) حيث يشير التقرير إلى أن نجاح الدبلوماسية الأمريكية في العقد القادم سيعتمد بشكل كبير على القدرة على التواصل مع مئات الملايين من الأشخاص الذين يشكل الدين هويتهم الرئيسية ومن خلال الدبلوماسية الدينية.
ولكن الحديث عن الدبلوماسية الدينية لا بد أن يبدأ من تعريف المقصود "بالديني" وبتعريف الأدوات "الدبلوماسية" التي يمكن لها أن تتداخل معه، وهو الأمر الذي يتطلب نقاشاً داخلياً بناء حول مقاصدنا من اتباع نهج وسياسة "الحوار" ومن إنشائنا لمثل هذه الدبلوماسية الدينية. إن خطوات الملك عبدالله وبالتبعية جهود الخارجية السعودية نجحت اليوم في إرساء توجه الحوار كإحدى ركائز توجهات الدبلوماسية السعودية، ولكن بين إرساء التوجه وبين تأسيسه تكمن معضلة الإنتاج الفكري وهي المعضلة التي تتطلب جهداً مغايراً في النظر والبحث وذلك للخروج بفهم أعمق للمقصود وبخطوط واضحة للعمل فيما يتعلق بهذا الشأن، فمؤتمر مدريد كان خطوة محمودة بكل المقاييس ولكن السؤال هو: هل كان عقد المؤتمر هدفاً بحد ذاته؟ أم إنه مجرد وسيلة لأهداف أكبر للانخراط في دبلوماسية دينية؟ ومن ثم ما هي محددات وخطوط هذه الدبلوماسية؟ إن إحدى أهم النقاط هي أن نعي ما نريده من مثل هذه الدبلوماسية، وأن نحدد نقطة انطلاقنا نحوها.
الدكتور أحمد عبّادي - الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب كانت له مداخلة في المؤتمر تستحق النظر، فقد أشار إلى أنه يوجد للدبلوماسية الدينية خمسة توجهات:
1-تبشيرية: وهي التي تتعلق بدعوة الآخر للدين.
2-توظيفية: وهي محاولة توظيف الآخر من خلال استخدام الدين، وهو التوجه الذي تعتمد عليه المنظمات الإرهابية - على سبيل المثال.
3-أكاديمية: وهي التي تسعى لنبش التراث إما لأغراض العلم أولأغراض تصحيح المفاهيم - على سبيل المثال.
4-دفاعية: وهي التي تسعى للدفاع عن الدين كما يقوم العديد من التحركات الدبلوماسية الدينية لتصحيح النظرة نحو الإسلام في الغرب - على سبيل المثال.
5-تعارفية: وهي التوجه الذي ينطلق من الآية الكريمة (جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)
إن خطوات الحوار الأخيرة التي تعتمدها العديد من الدول الإسلامية في توجهها نحو الدبلوماسية الدينية اعتمدت بشكل كبير على المنهج الدفاعي، وهو منهج رغم أهليته لا يزال قاصراً عن تحقيق نتائج قوية على الأرض، فالمنهج الدفاعي ينطلق من محاولة الرد على الآخر وهو الأمر الذي قد يخفف من حدة التوتر ولكنه لا يضرب في جذور القضايا، ففي هذا المنهج لا يزال الآخر آخر ولا يزال الهدف هو إظهار المخطئ من المصيب، المنهج التعارفي من جهة أخرى ينطلق وكما أشار الدكتور عبّادي من منطلق نسبية المعرفة، وهي التي شبهها بالقصة الشهيرة لجلال الدين الرومي في كتابه "المثنوي" حول الفيل وعدد من الرجال معصوبي الأعين قام كل منهم بلمس الفيل واختلفت أقوالهم في ما هية الفيل بحسب ما لمسه كل منهم، فالذي لمس الساق قال إنه عمود ومن لمس الأذن قال إنه مروحة ومن لمس الخرطوم قال إنه أنبوبة وهكذا دواليك، وما تشير له تلك القصة هو أنهم جميعاً كانوا صادقين في وصف ما أحسوه وأن معرفتهم اقتصرت على الجزء الذي وصلهم ومن ثم فنسبية المعرفة تقودنا إلى أهمية أن نعي أن كل طرف ينطلق مما لديه ولو أن كل هؤلاء الرجال اقتسموا معرفتهم لتبلورت لديهم حقيقة ماهية الفيل الذي كانوا يلمسونه كل من الطرف الذي أمسك به، وبالمثال فإن إرساء منهج تعارفي للدبلوماسية الدينية سوف يقود إلى البحث عن سبل تعاون الأديان في إرساء السلام وحل المشاكل بدلاً من مجرد البحث عن سبل التوفيق في العلاقات بين الأديان.
قبل الانطلاق للخارج لابد من نقاش داخلي أولاً نحدد فيه فيما بيننا توجهنا الحقيقي من الشروع في دبلوماسية دينية، نحن نجحنا في وضع الحوار على سلم الأولويات، واليوم آن الأوان أن نتساءل: الحوار انطلاقاً من ماذا؟ ولأجل ماذا؟ وذلك حتى لا تتخبط دبلوماسيتنا الدينية في وقت تزداد فيه أهمية الدبلوماسية الدينية يوماً بعد يوم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف